محمد عبدالله الخولي
كاتب/ ناقد/ باحث
(Mohammed Elkhooly)
الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 00:23
المحور:
الادب والفن
الشعرُ ليس خصمَ النثر، كما توهَّم كثيرون، ولم تكن العلاقة بينهما علاقة تضادٍّ أو إلغاء، بل علاقة جوهرٍ وصيغة، روحٍ وجسد. إنَّ الخطأ القديم الذي يتكرَّر -دائما - هو الخلط بين النثر بوصفه شكلاً لغويًّا، والسرد بوصفه نظامًا في بناء العالم داخل اللغة. فالشعر، في حقيقته العميقة، لا يقف في مواجهة النثر، وإنما في مواجهة المنطق السردي الذي يسعى إلى تفسير العالم، بينما يسعى الشعر إلى كشفه.
الشعر لا يروي العالم، بل يعيد خلقه.
إنه لا يتحرك وفق سببية واضحة، ولا يخضع لقوانين التعاقب المنطقي التي تحكم الحكاية، بل ينبني على علاقات خفية، غير متوقعة، تتجاور فيها الأشياء منطقها، لأنها تتناغم شعوريًا، لا لأنها ترتبط عقليًا. في الشعر قد يسبق الأثرُ السبب، وقد يصبح الظلُّ أصلًا، وقد تتجاور الأزمنة كما تتجاور الأحلام في الوعي الإنساني. هنا تتأسس الشعرية: في كسر البداهة، لا في تأكيدها.
أما السرد، مهما اتسعت تخييلاته، فإنه يظل ابنَ المنطق. فحتى أكثر الروايات غرابة أو فانتازيا تحتاج إلى نظام داخلي يبرر حدوث الأشياء. الشخصية تنمو وفق دوافع، والحدث يتولد من حدث، والزمن يسير — ولو ملتويًا — داخل شبكة من العلاقات السببية. السرد يطمئن العقل؛ أما الشعر فيوقظ القلق الكامن فيه.
ومن هنا يظهر الفارق الحقيقي:
الشعر يقوم على علاقات احتمالية، بينما يقوم السرد على علاقات تفسيرية.
الشعر يسأل: عن الحقيقة لا الطريقة.
والسرد يسأل: عن الطريقة في ظلال الحقيقة.
غير أن النثر، لكي يرتقي إلى مرتبة الأدبية، لا يكفيه أن يكون وعاءً للأفكار أو ناقلًا للوقائع؛ إذ لا أدب بلا شعرية. فالنثر الذي لا يغتسل بماء الشعر يظل خطابًا وظيفيًا، يؤدي غرضه وينتهي أثره. الشعرية هي ما يمنح اللغة كثافتها، ويجعل الجملة أكثر من معناها المباشر، ويحوّل العبارة من وسيلة إلى تجربة.
لهذا لم يكن الشعر يومًا نقيض النثر، بل كان أفقه الأعلى. فالنثر العظيم — في المقالة أو الرواية أو السيرة — لا يبلغ قيمته إلا حين تتخلله شرارة الشعر: استعارة تفتح أفقًا، إيقاع خفيّ يشدّ المعنى، أو صورة تعيد ترتيب الحسّ الإنساني بالعالم.
إن الأدب الحقيقي يولد عند النقطة التي يتصالح فيها الشكلان: حين يحتفظ السرد بقدرته على البناء، ويستعير من الشعر قدرته على الإدهاش. فالسرد بلا شعرية تقريرٌ طويل، والشعر بلا وعيٍ بالعالم غناءٌ معلق في الفراغ.
وهكذا، لا يكون السؤال: هل نكتب شعرًا أم نثرًا؟
بل: هل استطاعت اللغة أن تتجاوز وظيفتها لتصبح تجربة وجود؟
فحين تبلغ اللغة هذه اللحظة — لحظة الانفلات من المباشر إلى الممكن — يصبح النثر شعرًا في جوهره، ويغدو الشعر أعمق أشكال المعرفة، لا لأنه يشرح العالم، بل لأنه يجعلنا نراه للمرة الأولى.
#محمد_عبدالله_الخولي (هاشتاغ)
Mohammed_Elkhooly#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟