أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - الاستعارة بوصفها معرفة: حين يتحول المجاز إلى طريقة في فهم العالم














المزيد.....

الاستعارة بوصفها معرفة: حين يتحول المجاز إلى طريقة في فهم العالم


محمد عبدالله الخولي
كاتب/ ناقد/ باحث

(Mohammed Elkhooly)


الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 16:45
المحور: الادب والفن
    


لم تعد الاستعارة في النقد الحديث مجرد زينة لغوية أو انحرافٍ أسلوبيّ عن المعنى الحرفي، كما تصوّرتها البلاغة الكلاسيكية منذ أرسطو، بل غدت ـ في ضوء الهيرمنيوطيقا الحديثة ـ أداةً معرفيةً عميقة، بل نمطًا من أنماط إدراك الوجود ذاته. فالمجاز لا يجمّل العالم، وإنما يكشفه؛ ولا يزيّن اللغة، بل يفتح أفقًا جديدًا للفهم.
لقد أحدث التحول الهيرمنيوطيقي، خاصة مع هانس-غيورغ غادامر وبول ريكور، انقلابًا في النظر إلى اللغة. فاللغة لم تعد وعاءً ينقل معنى سابقًا عليها، بل أصبحت المجال الذي يتشكل فيه المعنى. ومن هنا لم تعد الاستعارة مجرد تقنية بلاغية، بل حدثًا تأويليًا يعيد تنظيم علاقتنا بالواقع.
يرى بول ريكور في كتابه الاستعارة الحية أن الاستعارة ليست استبدال كلمة بأخرى، بل «إنتاج معنى جديد عبر صدمة دلالية». فعندما نقول عند شكسبير في ماكبث:
“Life’s but a walking shadow”
«الحياة ظلٌّ عابر يمشي»،
فإن النص لا يقدم وصفًا شعريًا للحياة، بل يقترح فهمًا وجوديًا لها بوصفها هشاشة وزوالاً. هنا لا تعمل الاستعارة على التزيين، بل على إعادة تعريف ماهية الحياة نفسها.
الاستعارة، وفق هذا التصور، تُنشئ واقعًا إدراكيًا. فهي لا تشير إلى العالم كما هو، بل تكشف إمكانية أخرى لرؤيته. ولهذا اعتبر ريكور أن المجاز يملك قدرة «إعادة الوصف» (Rede-script-ion)، أي أنه يعيد تشكيل الواقع عبر اللغة.
هذا المعنى يتجلى بوضوح في رواية المسخ لفرانز كافكا، حين يستيقظ غريغور سامسا ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة. لا ينبغي قراءة التحول بوصفه حدثًا خياليًا فحسب، بل بوصفه استعارة وجودية للاغتراب الإنساني في العالم الحديث. إن كافكا لا يصف إنسانًا صار حشرة، بل يكشف كيف يمكن للإنسان أن يُعاش اجتماعيًا ككائن فائض أو عديم القيمة. المجاز هنا ليس زخرفة سردية، بل أداة لفهم البنية القاسية للوجود الاجتماعي.
وفي شعر ت. س. إليوت، خاصة في الأرض الخراب، تتحول الصور المجازية إلى خرائط روحية لعالم ما بعد الحرب. فالأرض القاحلة ليست مكانًا جغرافيًا، بل استعارة لانهيار المعنى الحضاري. يقول إليوت:
“A heap of broken images”
«كومة من الصور المحطمة»
هذه الصورة لا تصف مشهدًا بصريًا، بل تقدم تشخيصًا معرفيًا لعالم فقد وحدته الرمزية. إن المجاز هنا يؤسس رؤية أنثروبولوجية للعصر الحديث.
أما في الأدب الصوفي العالمي، فنجد الاستعارة تبلغ ذروة وظيفتها التأويلية. ففي أشعار جلال الدين الرومي، يصبح العشق مجازًا للمعرفة، والخمر رمزًا لانكشاف الحقيقة. فاللغة الرمزية لا تخفي المعنى بل تحميه من الاختزال العقلي، وتسمح بتعدد مستويات الفهم. يقول الرومي:
«أنت لست قطرة في بحر، بل بحرٌ في قطرة.»
هذه الاستعارة لا تعبر عن مبالغة شعرية، بل عن تصور أنطولوجي لوحدة الوجود؛ إنها صياغة معرفية لعلاقة الجزء بالكل.
ومن هنا تؤكد الهيرمنيوطيقا الحديثة أن الإنسان لا يفهم العالم مباشرة، بل عبر شبكات رمزية. فالرمز ـ كما يرى ريكور ـ «يعطي الفكر ما يدعوه إلى التفكير». أي أن الرمز يسبق الفهم ويستدعيه، وليس نتيجة له.
إن المجاز، بهذا المعنى، يصبح فعلاً أنطولوجيًا: نحن لا نستخدم الاستعارات فقط، بل نسكن داخلها. فالإنسان يفهم الزمن بوصفه طريقًا، والحياة رحلة، والذاكرة خزينة، والمستقبل أفقًا. هذه ليست تعبيرات لغوية عابرة، بل بنيات إدراكية تنظّم وعينا بالعالم.
وهكذا تكشف الهيرمنيوطيقا الحديثة أن الاستعارة ليست خروجًا عن الحقيقة، بل طريقًا إليها؛ لأن الحقيقة الإنسانية ليست معطىً جاهزًا، بل تجربة تُبنى تأويليًا عبر اللغة. فاللغة المجازية لا تقول العالم كما هو، بل كما يُفهم ويُعاش.
لذلك يمكن القول إن المجاز ليس جماليات القول، بل إبستمولوجيا الوجود؛ إنه الطريقة التي يفكر بها الإنسان حين تعجز اللغة المباشرة عن احتواء تعقيد التجربة الإنسانية. ففي اللحظة التي تتحول فيها الاستعارة إلى أفق للفهم، تصبح اللغة نفسها شكلاً من أشكال السكن في العالم، لا مجرد أداة لوصفه.



#محمد_عبدالله_الخولي (هاشتاغ)       Mohammed_Elkhooly#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النقد الثقافي: حين يصير النص مرآةً للسلطة الخفية في الحياة.
- نحو شعرية لسانية حديثة: إسهام رومان ياكبسون في تحليل الوظائف ...
- الشِّعريّات: من بنية اللغة إلى تجربة الوجود الجمالي
- ألف ليلة وليلة: السرد الذي عبر العالم وتعددت أصواته بين الذا ...
- جدلية الإبداع والنقد وتحولات المنهج في الفضاء النصي
- الشعر الحقيقي: بين جوهر الرؤيا وضجيج العبارة
- الشعر والسرد: جدل المنطق والدهشة في اللغة الأدبية
- إدراك العالم واكتشاف بنية الوجود: من الوعي المحايث إلى الممك ...
- آليات السرد في الشعر العربي المعاصر قراءة في مشروع الدكتور ع ...
- من تعدديّة الأصوات إلى أحادية الذات: تمثيلات الأنا والآخر في ...
- الحكاية في فضاء القصيدة: تحولات السرد من التوثيق الجاهلي إلى ...
- غنائيات الذات وتجليات العزلة في شعر العامية المصرية ديوان -ف ...
- تجليات الشعرية في العامية المصرية جدلية الخفاء والتجلي في دي ...
- الواقع الرقمي وتمثيلاته السردية في فضاء القرية: مقاربة نقدية ...
- تجليات السريالية في الشعر العربي المعاصر: سلطوية اللاوعي وته ...
- تفكيك البنية السردية في رواية -السيدة الكبرى-: ديالكتيك الظا ...
- التمثيل التاريخي في فضاء الرواية العربية الحديثة
- الإبداع السِّيَري الخروج على منطق السِّيرة -التحديق في الشرر ...
- تجليات الشعر وفضاءات التجريب: تحولات الشعرية العربية
- الحضور الشعري واشتغاله البلاغي في فن المقامة


المزيد.....




- ظافر العابدين يحصد جائزة أفضل مخرج بمهرجان مانشستر السينمائي ...
- فيلم -برشامة- يتصدر إيرادات موسم سينما عيد الفطر بمصر وحفلات ...
- -ثلاثية المستنقع-.. أكثر ثلاثة أفلام انتقدت فيها هوليود حرب ...
- وزير التراث الإيراني للجزيرة نت: استهداف المواقع التاريخية م ...
- مسؤولة في الخدمة العالمية البريطانية: نحن المنصة الوحيدة الت ...
- التراث الإيراني في مرمى النيران.. أرقام صادمة تكشف حجم الدما ...
- نص سيريالى (رَايَة تَأْكُلُ صَاحِبَهَا)الشاعرمحمدأبوالحسن.مص ...
- -السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا ...
- سوريا.. وفاة الفنان السوري عدنان قنوع
- وفاة الفنانة المصرية الشهيرة بـ-فاطمة كشري-


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - الاستعارة بوصفها معرفة: حين يتحول المجاز إلى طريقة في فهم العالم