محمد عبدالله الخولي
كاتب/ ناقد/ باحث
(Mohammed Elkhooly)
الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 19:26
المحور:
الادب والفن
ليس النقد الثقافي قراءةً للنصوص بقدر ما هو قراءةٌ للعالم الذي شكلها؛ إذ لا ينظر إلى الأدب بوصفه جمالياتٍ لغويةً مكتفيةً بذاتها، بل باعتباره بنيةً رمزيةً تتخفّى داخلها أنساقُ القوة، وتمثّلاتُ الهوية، وصراعاتُ المعنى التي تشكّل الوعي الجمعي دون أن تعلن عن نفسها صراحة. فالنص، من منظور النقد الثقافي، يفتش في طبقات اللغة؛ إنه أثرٌ ثقافيّ يحمل في مستوياته العميقة تاريخًا من القيم المضمرة، والانحيازات غير المرئية، والسلطات التي تتكلم عبر اللغة أكثر مما يتكلم الكاتب نفسه.
لقد نشأ النقد الأدبي طويلًا وهو يحتفي بالشكل والجمال والأسلوب، وكأن الأدب جزيرةٌ منعزلة عن المجتمع، غير أن النقد الثقافي جاء ليكسر هذه العزلة، معلنًا أن البلاغة ليست مجرد زينة لغوية، بل ممارسةٌ ثقافية قد تُعيد إنتاج الهيمنة بقدر ما تمنح المتعة. فالصورة الشعرية، والسرد الروائي، وحتى الصمت بين الجمل، قد تكون حوامل لأيديولوجيا كامنة، تُرسّخ تصورًا معينًا عن الإنسان والمرأة والسلطة والآخر.
ومن هنا يتحول الناقد الثقافي إلى مُنقّبٍ في طبقات المعنى؛ لا يسأل: كيف كُتب النص؟ بل لماذا كُتب هكذا؟ ومن المستفيد من هذا الشكل دون غيره؟ وما الذي تم إخفاؤه كي يظهر المعنى على هذه الصورة؟ إن القراءة الثقافية لا تكتفي بما يقوله النص، بل تلاحق ما يخفيه، لأن الثقافة — في جوهرها — تعمل غالبًا عبر ما يبدو طبيعيًا ومألوفًا، بينما هو في الحقيقة نتاج تاريخ طويل من التشكيل الرمزي.
النقد الثقافي، إذن، يحرّر الأدب من قداسته الشكلية دون أن ينفي جماله؛ فهو لا يهدم النص، بل يعيد وضعه داخل شبكة الحياة الكبرى، حيث تتداخل السياسة بالخيال، والاقتصاد بالاستعارة، والهوية بالإيقاع. وبهذا المعنى يصبح الأدب وثيقةً حضارية لا تقل أهمية عن التاريخ، لأنه يسجل ما يشعر به المجتمع لا ما يعلنه فقط.
وفي زمن تتكاثر فيه الخطابات وتتنازع فيه السرديات على تشكيل الحقيقة، يغدو النقد الثقافي ضرورةً معرفية، لا ترفًا نظريًا؛ فهو الوعي الذي يكشف كيف تُصنع المعاني قبل أن تتحول إلى مسلّمات، وكيف تتسلل السلطة إلى اللغة حتى تبدو رأيًا شخصيًا أو ذوقًا جماليًا. إنه فعلُ يقظةٍ ضد العادة، ومحاولةٌ دائمة لإعادة السؤال إلى الأشياء التي اعتدنا قبولها دون سؤال.
وهكذا لا يعود النقد الثقافي مجرد منهج نقدي، بل موقفًا فكريًا من العالم: أن نقرأ الثقافة بوصفها نصًا مفتوحًا، وأن ندرك أن كل نصٍّ، مهما بدا فرديًا، إنما هو صوتٌ ضمن جوقةٍ كبرى تتكلم باسم عصرها، حتى حين تظن أنها تتكلم باسم نفسها فقط.
#محمد_عبدالله_الخولي (هاشتاغ)
Mohammed_Elkhooly#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟