أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - نحو شعرية لسانية حديثة: إسهام رومان ياكبسون في تحليل الوظائف اللغوية وبناء الأسلوبية البنيوية














المزيد.....

نحو شعرية لسانية حديثة: إسهام رومان ياكبسون في تحليل الوظائف اللغوية وبناء الأسلوبية البنيوية


محمد عبدالله الخولي
كاتب/ ناقد/ باحث

(Mohammed Elkhooly)


الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 19:26
المحور: الادب والفن
    


لم يكن مشروع رومان ياكبسون مجرد اجتهادٍ لسانيٍّ يسعى إلى وصف اللغة، بل كان محاولةً عميقة لإعادة التفكير في طبيعة المعنى ذاته؛ إذ أدرك مبكرًا أن اللغة لا تُختزل في كونها أداة تواصل، بل هي بنيةٌ تولِّد العالم الرمزي الذي يعيش فيه الإنسان. ومن هنا بدأ بحثه في جدل الصوت والمعنى، ذلك الجدل الذي يكشف أن العلاقة بين الدال والمدلول ليست اعتباطًا خالصًا كما تبدو، بل شبكةٌ من العلاقات الإيقاعية والتنظيمية التي تمنح اللغة قدرتها على الإيحاء والتأثير.
حين انتقل ياكبسون إلى براغ، وجد نفسه داخل مناخٍ فكريٍّ استثنائي تمثل في حلقة براغ اللغوية، حيث لم تعد اللغة موضوعًا نحويًا صرفًا، بل ظاهرةً جمالية وثقافية. هناك تحوّل اهتمامه من البنية الصوتية المجردة إلى الوظيفة الإنشائية أو الإبداعية للغة، أي إلى تلك اللحظة التي تتجاوز فيها اللغة نقل المعلومات لتصبح حدثًا فنّيًا قائمًا بذاته. فاللغة الشعرية، في نظره، لا تقول الشيء فحسب، بل تجعل القول نفسه موضوعًا للانتباه.
وفي هذا السياق جاءت دراسته لأعمال الشاعر الروسي الطليعي فيليمير خليبنيكوف، التي شكّلت مختبرًا حيًّا لفهم كيف تتحرر اللغة الشعرية من الاستعمال العادي لتعيد تشكيل الواقع عبر الإيقاع والانزياح الصوتي والتركيب غير المألوف. لقد رأى ياكبسون في شعر خليبنيكوف مثالًا على أن الشعر ليس زخرفة لغوية، بل إعادة تنظيم جذرية لعلاقة الإنسان باللغة؛ إذ تتحول الكلمات من وسائل دلالة إلى كائنات صوتية تمتلك طاقة خلق خاصة.
ومع انتقاله إلى الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، اتسع مشروعه النظري ليبلغ ذروة نضجه. ففي محاضراته وأبحاثه هناك، أعاد صياغة فهم البلاغة القديمة عبر تمييزه الشهير بين الاستعارة والكناية، لا بوصفهما مجرد محسنين بلاغيين، بل باعتبارهما مبدأين ذهنيين يحكمان إنتاج المعنى الإنساني كله. فالاستعارة تقوم على التشابه والاستبدال، بينما تقوم الكناية على المجاورة والعلاقة السياقية؛ وهما، في تصوره، قطبان يتحرك بينهما التفكير البشري ذاته، لا الشعر وحده.
ومن هذا الاكتشاف انبثق تصور جديد للأسلوبية بوصفها علمًا لسانيًا يدرس كيفية تشكّل الأثر الجمالي داخل اللغة. لم تعد الأسلوبية وصفًا لخصوصية الكاتب، بل تحليلًا للوظائف اللغوية التي تجعل الخطاب أدبيًا. وهنا طرح ياكبسون مفهوم “الوظيفة الشعرية”، حيث يتركّز الخطاب على بنيته الداخلية، فيغدو الإيقاع والتوازي والتكرار عناصر منتجة للمعنى لا مجرد وسائل زخرفية.
إن أهمية ياكبسون لا تكمن فقط في تأسيسه للأسلوبية الحديثة، بل في نقله الدراسة الأدبية من الانطباعية إلى العلمية دون أن يفقد الأدب روحه. فقد كشف أن الشعرية ليست خاصية غامضة، بل نظام علاقات يمكن تحليله، وأن الجمال نفسه قابل للفهم عبر قوانين التنظيم اللغوي. وبهذا المعنى أصبح مشروعه نقطة التقاء بين اللسانيات والنقد الأدبي، حيث لم يعد النص الأدبي مجالًا للذوق وحده، بل فضاءً يمكن فيه للعلم أن يفسر كيف تولد الدهشة من داخل اللغة.
وهكذا أسّس ياكبسون رؤيةً جعلت اللغة مركز الثقافة الإنسانية: فحين نفهم كيف تعمل الأصوات داخل المعنى، نفهم كيف يفكر الإنسان، وكيف يبني خياله، وكيف تتحول الكلمات — في لحظة الشعر — إلى شكلٍ من أشكال المعرفة. فالشعر، عنده، ليس كلامًا جميلًا، بل تجربة إدراكية تكشف أن اللغة لا تصف العالم فقط، بل تعيد خلقه في كل مرة تُنطق فيها.



#محمد_عبدالله_الخولي (هاشتاغ)       Mohammed_Elkhooly#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشِّعريّات: من بنية اللغة إلى تجربة الوجود الجمالي
- ألف ليلة وليلة: السرد الذي عبر العالم وتعددت أصواته بين الذا ...
- جدلية الإبداع والنقد وتحولات المنهج في الفضاء النصي
- الشعر الحقيقي: بين جوهر الرؤيا وضجيج العبارة
- الشعر والسرد: جدل المنطق والدهشة في اللغة الأدبية
- إدراك العالم واكتشاف بنية الوجود: من الوعي المحايث إلى الممك ...
- آليات السرد في الشعر العربي المعاصر قراءة في مشروع الدكتور ع ...
- من تعدديّة الأصوات إلى أحادية الذات: تمثيلات الأنا والآخر في ...
- الحكاية في فضاء القصيدة: تحولات السرد من التوثيق الجاهلي إلى ...
- غنائيات الذات وتجليات العزلة في شعر العامية المصرية ديوان -ف ...
- تجليات الشعرية في العامية المصرية جدلية الخفاء والتجلي في دي ...
- الواقع الرقمي وتمثيلاته السردية في فضاء القرية: مقاربة نقدية ...
- تجليات السريالية في الشعر العربي المعاصر: سلطوية اللاوعي وته ...
- تفكيك البنية السردية في رواية -السيدة الكبرى-: ديالكتيك الظا ...
- التمثيل التاريخي في فضاء الرواية العربية الحديثة
- الإبداع السِّيَري الخروج على منطق السِّيرة -التحديق في الشرر ...
- تجليات الشعر وفضاءات التجريب: تحولات الشعرية العربية
- الحضور الشعري واشتغاله البلاغي في فن المقامة
- قصيدة النثر من الحقيقة إلى التحقق -تحولات النص وفضاءات التجر ...
- تيارات الوعي وتفكيك المركزيات حلم الأنا وسلطة الواقع – دراسة ...


المزيد.....




- -اللغة العربية هي لغتنا-: موقف حارس الجيش الملكي يشعل مواقع ...
- من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00 ...
- هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي
- هالاند يستعد لدخول عالم السينما بشخصية -فايكنغ-
- ندوة للجزيرة بمعرض الدوحة للكتاب: الذكاء الاصطناعي خطر على ا ...
- -مواطن اقتصادي- مسرحية مغربية تفضح استغلال الناخبين
- نصوص مترجمة للفرنسية:نص ( قصائد منتهية الصلاحية)الشاعرعصام ه ...
- النكبة: ماذا حدث في 1948؟ ولماذا يحمل الفلسطينيون -مفتاح الع ...
- نصوص مترجمة للفرنسية:نص( سَأَقولُ لكِ أُحِبُّكِ بِطَرِيقَتِ ...
- كيف لي أنْ أرأبَ الصدْعَ


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - نحو شعرية لسانية حديثة: إسهام رومان ياكبسون في تحليل الوظائف اللغوية وبناء الأسلوبية البنيوية