أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - أزمة التأسيس في اللسانيات الحديثة: أسئلة إبستمولوجية ونقد بنيوي موجَّه إلى كتاب دروس في اللسانيات العامة لفردينان دو سوسير















المزيد.....

أزمة التأسيس في اللسانيات الحديثة: أسئلة إبستمولوجية ونقد بنيوي موجَّه إلى كتاب دروس في اللسانيات العامة لفردينان دو سوسير


محمد عبدالله الخولي
كاتب/ ناقد/ باحث

(Mohammed Elkhooly)


الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 08:54
المحور: الادب والفن
    


يمثل كتاب دروس في اللسانيات العامة علامة تأسيسية في تاريخ الفكر اللغوي الحديث، حتى غدا نصًا مرجعيًا لا في اللسانيات وحدها، بل في مجمل العلوم الإنسانية التي انبنت على التصور البنيوي للغة والمعنى. غير أن إعادة قراءة هذا الكتاب قراءة نقدية إبستمولوجية تكشف أن ما اعتُبر نقطة يقين معرفي قد يكون، في جوهره، بناءً نظريًا هشّ الأسس، تشكّل عبر وساطة تحريرية وتأويلية لا تقل تأثيرًا عن أفكار صاحبه نفسه. ومن هنا تنبثق ضرورة مساءلة النص المؤسس لا بوصفه حقيقة علمية نهائية، بل بوصفه خطابًا تاريخيًا قابلاً للمراجعة.
أولًا: إشكالية النص المؤسس وسلطة التحرير
الإشكال الأول لا يتعلق بأفكار سوسير ذاتها، بل بطبيعة الكتاب نفسه. فـدروس في اللسانيات العامة ليس كتابًا ألّفه سوسير، بل إعادة تركيب لمحاضرات شفوية قام بها تلميذاه شارل بالي وألبرت سيشهاي بعد وفاته. وهذه الحقيقة تضعنا أمام سؤال إبستمولوجي جوهري: هل نقرأ سوسير، أم نقرأ تأويل تلاميذه لسوسير؟
إن انتقال المعرفة من الشفهي إلى المكتوب ليس عملية محايدة؛ إذ يخضع التنظيم، والاختيار، والترتيب، وحتى الصياغة، لرؤية المحرر لا المتكلم. وبذلك يصبح النص المؤسس نفسه نتيجة فعل تأويلي ثانٍ، ما يعني أن البنيوية — التي ادعت الصرامة العلمية — قد تأسست على نص غير مستقر تأليفيًا. وهنا يظهر تناقض عميق: نظرية تدعو إلى دراسة البنية الموضوعية للغة، بينما نصها المؤسس ذاته يعاني من إشكال بنيوي في تكوينه.
ثانيًا: الاعتباطية السوسيرية وإشكالية القانون عند بيرس
طرح سوسير مبدأ الاعتباطية بوصفه حجر الزاوية في العلامة اللغوية، حيث العلاقة بين الدال والمدلول علاقة غير طبيعية ولا سببية. غير أن هذا التصور يصطدم مباشرة بالنموذج السيميائي لدى تشارلز ساندرز بيرس، الذي أدخل عنصرًا ثالثًا هو “المؤول”، باعتباره قانونًا تأويليًا ينظم العلاقة بين العلامة ومعناها.
المفارقة هنا أن سوسير، رغم تأكيده الاعتباطية، يقرّ بوجود علاقة نفسية بين الصورة السمعية والصورة الذهنية. وهذه العلاقة السيكولوجية تفترض نوعًا من الانتظام الإدراكي، أي وجود مبدأ يفسر الترابط بين الطرفين. فإذا كانت العلاقة نفسية مستقرة داخل الجماعة اللغوية، فإنها لم تعد اعتباطية خالصة، بل مشروطة بنظام إدراكي–ثقافي قريب مما سماه بيرس “المؤول”.
وبذلك يبدو أن الثنائية السوسيرية (دال/مدلول) تحمل في داخلها بذرة ثلاثية مؤجلة، الأمر الذي يجعل النموذج السوسيري أقل صرامة مما بدا عليه في القراءة البنيوية اللاحقة.
ثالثًا: التناقض بين الاعتباطية والسيكولوجيا اللغوية
حين يؤكد سوسير أن العلامة اتحاد نفسي بين صورتين، فإنه ينقل اللغة من مستوى البنية المجردة إلى مستوى الإدراك الذهني. غير أن هذا الانتقال يقوّض دعواه العلمية القائمة على الفصل بين اللغة والمرجع الخارجي. فإذا كانت العلاقة نفسية، فهي خاضعة لقوانين الإدراك والتاريخ الثقافي، لا لاعتباطية مطلقة.
هنا يظهر تناقض داخلي:
الاعتباطية تفترض غياب الضرورة.
بينما العلاقة النفسية تفترض نمطًا من الضرورة الإدراكية.
ومن ثم يمكن القول إن البنيوية اللغوية بدأت بتوتر نظري لم يُحلّ، بل جرى تجاهله لصالح بناء نموذج منهجي مغلق.
رابعًا: مخطوطات سوسير واختلال اليقين البنيوي
اكتشاف مخطوطات سوسير اللاحقة ونشر كتابات في اللسانيات العامة أعاد فتح الملف السوسيري من جديد، إذ كشفت النصوص الجديدة عن مفكر أكثر ترددًا وأقل يقينًا مما قدمته الدروس. لقد بدا سوسير في هذه المخطوطات أقرب إلى مشروع مفتوح لا إلى نسق مكتمل.
هذا الاكتشاف أحدث ارتباكًا في الوسط الأكاديمي الفرنسي لأن البنيوية — في اللسانيات والأنثروبولوجيا والنقد الأدبي — كانت قد استندت إلى صورة سوسير بوصفه مؤسسًا لمنهج علمي صارم. فجأة أصبح الأساس ذاته موضوع مراجعة، مما كشف أن “الأب المؤسس” كان أكثر إشكالية من المدرسة التي حملت اسمه.
خامسًا: أولوية المنطوق ونقد اللغة الفرنسية ضمنيًا
إصرار سوسير على أولوية المنطوق على المكتوب لم يكن مجرد اختيار منهجي، بل يمكن قراءته بوصفه استجابة لأزمة داخل اللغة الفرنسية نفسها، حيث التباعد بين النظام الصوتي والنظام الإملائي واضح تاريخيًا. فالفرنسية، بوصفها لغة تطورت عبر تحولات لاتينية وجرمانية، تعاني فجوة بين النطق والكتابة.
ومن ثم يمكن تأويل موقف سوسير باعتباره محاولة لتجاوز قصور الكتابة الفرنسية عبر تأسيس علم لغة مستقل عن الإملاء التاريخي. غير أن المفارقة أن نظرية قُدّمت باعتبارها كونية ربما نشأت استجابة لمشكلة لغوية خاصة بسياق أوروبي محدد. وهنا يتحول المنهج الوصفي من كونه حياديًا إلى كونه مشروطًا تاريخيًا وثقافيًا.
سادسًا: إشكالية المركزية المعرفية الغربية
إذا كان الفكر البنيوي قد تأسس على قراءة مخصوصة لسوسير، وإذا كان النص السوسيري نفسه موضع مراجعة، فإن اعتماد العلوم الإنسانية عالميًا على هذا الأساس يكشف إشكالية أعمق: مركزية المصدر المعرفي الواحد.
إن تلقي النظريات الغربية بوصفها نماذج كونية دون مساءلة شروط إنتاجها التاريخية يؤدي إلى تحويل المعرفة إلى سلطة معيارية. وهنا يصبح السؤال ليس لغويًا فقط، بل حضاريًا: هل البنيوية قانون عام للغة الإنسانية، أم تعميم لنموذج وُلد داخل سياق لغوي أوروبي خاص؟
خاتمة: نحو إعادة التفكير في التأسيس
إن النقد الموجّه إلى دروس في اللسانيات العامة لا يعني إسقاط المشروع السوسيري، بل تحريره من القداسة الأكاديمية. فالقيمة الحقيقية لسوسير لا تكمن في يقين نظري نهائي، بل في فتحه أفق التفكير في اللغة كبنية.
غير أن إعادة قراءة سوسير اليوم تكشف أن البنيوية لم تكن بداية العلم اللغوي بقدر ما كانت مرحلة في تاريخ الأسئلة حول اللغة. وما يبدو ثابتًا في تاريخ الفكر قد يكون، عند إعادة النظر، مجرد لحظة تفسيرية مؤقتة.
وبذلك فإن الأزمة التي يثيرها النص السوسيري ليست أزمة نظرية بعينها، بل أزمة التأسيس ذاته: حين تتحول المحاضرة إلى عقيدة، والتأويل إلى أصل، والمنهج التاريخي إلى حقيقة كونية. هنا يبدأ دور النقد — لا في هدم المعرفة — بل في إعادة فتحها على احتمالاتها المؤجلة.



#محمد_عبدالله_الخولي (هاشتاغ)       Mohammed_Elkhooly#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشِّعر بوصفه سلطة جمالية متعالية على الأشكال - مقاربة نقدية ...
- بيان نحو نظرية عالمية للأدب: تجاوز المركزية وبناء الأفق الإن ...
- نحو نظرية عالمية للأدب: من مركزية النموذج الغربي إلى أفق إنس ...
- الاستعارة بوصفها معرفة: حين يتحول المجاز إلى طريقة في فهم ال ...
- النقد الثقافي: حين يصير النص مرآةً للسلطة الخفية في الحياة.
- نحو شعرية لسانية حديثة: إسهام رومان ياكبسون في تحليل الوظائف ...
- الشِّعريّات: من بنية اللغة إلى تجربة الوجود الجمالي
- ألف ليلة وليلة: السرد الذي عبر العالم وتعددت أصواته بين الذا ...
- جدلية الإبداع والنقد وتحولات المنهج في الفضاء النصي
- الشعر الحقيقي: بين جوهر الرؤيا وضجيج العبارة
- الشعر والسرد: جدل المنطق والدهشة في اللغة الأدبية
- إدراك العالم واكتشاف بنية الوجود: من الوعي المحايث إلى الممك ...
- آليات السرد في الشعر العربي المعاصر قراءة في مشروع الدكتور ع ...
- من تعدديّة الأصوات إلى أحادية الذات: تمثيلات الأنا والآخر في ...
- الحكاية في فضاء القصيدة: تحولات السرد من التوثيق الجاهلي إلى ...
- غنائيات الذات وتجليات العزلة في شعر العامية المصرية ديوان -ف ...
- تجليات الشعرية في العامية المصرية جدلية الخفاء والتجلي في دي ...
- الواقع الرقمي وتمثيلاته السردية في فضاء القرية: مقاربة نقدية ...
- تجليات السريالية في الشعر العربي المعاصر: سلطوية اللاوعي وته ...
- تفكيك البنية السردية في رواية -السيدة الكبرى-: ديالكتيك الظا ...


المزيد.....




- -فقدنا ملاكاً على الأرض-.. العالم الفني يودّع دوللي بارتون ب ...
- من شنغهاي إلى موسكو.. تشاو لي هونغ والأدب الصيني في معرض موس ...
- -جاسوس ومتمرد-.. القصة الغامضة وراء إعدام الشاعر الروسي نيقو ...
- تركيا.. نجم مسلسل -الأوراق المتساقطة- يعمل سائق شاحنة في أمر ...
- ماجدة موريس تكتب :الموسيقي والناس.. والقلعة 
- -حوار طال انتظاره-.. الإعلان عن برنامج مهرجان -متحف الإعلام- ...
- كيف ابتكر البلاشفة الصحافة المسموعة؟
- وفاة أيقونة موسيقى الريف -الكانتري- الأمريكية دوللي بارتون ع ...
- بعد وفاتها.. استذكار نكتة دوللي بارتون -المبتذلة- التي توقعت ...
- حتى لا يضيع الوهم: كاظم الساهر في سيدني


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - أزمة التأسيس في اللسانيات الحديثة: أسئلة إبستمولوجية ونقد بنيوي موجَّه إلى كتاب دروس في اللسانيات العامة لفردينان دو سوسير