|
|
يثرب- المدينة المنورة
عصام حافظ الزند
الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 18:47
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن) قبل بداية الفقرة الجديدة لابد من الاعتذار عن سقوط تكملة السطر الأخير من الفقرة السابقة والتكملة هي: لتغليب اسلام آخر غير المحمدي وهذا ما رسخته واستفادة منه فيما بعد الدولة الاموية.) يَثْرِبُ-المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ تارِيخُ يُثْرِبُ يَمْتَدُّ بَعِيداً فِي التارِيخِ، وَلٰكِنَّ تارِيخَ المَدِينَةِ فِي الإِسْلامِ لا يمتد أَكْثَرَ مِن خَمْسَةٍ وَثَلاثِينَ عاماً، حَيْثُ هَجَرَها رابِعُ الخلفاء الراشدين عَلِي بِن أبي طالِب، وَلَمْ تَعُدْ أبدا عاصِمَةً لِلخِلافَةِ الإِسْلامِيَّةِ وَلِذا، فإنها لَمْ تَلْعَبْ دَوْراً مُهِمّاً إلا مِن خِلالِ السَنَواتِ العَشَرَةِ الأولى مِن الهِجْرَةِ أَيْ فَتْرَةِ قِيادَةِ مُحَمَّدِ فَخِلافَةُ الراشِدِينَ (اقل من 25 سنة)، وَمِنهُم الثَلاثَةُ الأوائل لَمْ تَكُنْ هِيَ الأُخْرَى مِن الفَتَراتِ المُمَيَّزَةِ فِي الإِسْلامِ إِذا اِسْتَثْنَيْنا بَعْضَ تِلْكَ الأَحْداثِ. وسنعتمد فِي فِقْرَتِنا هٰذِهِ عَلَى ما كَتَبَهُ الباحثون وَخُصُوصاً الدُكْتُورُ جَواد عَلِي فِي المَفَصَّلِ فِي تارِيخِ العَرَبِ قَبْلَ الإِسْلامِ الجُزْءُ الرابِعُ وَالدُكْتورُ عَبْدُ الباسِط بَدْر فِي كِتابِهِ "التارِيخُ الشامِلُ لِلمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ وَخاصَّةً الجُزْءَ الأول وَخَلِيل عَبْدُ الكَرِيم (مُجْتَمَع يَثْرِب) وَالدُكْتورُ ياسِين غَضْبان (مَدِينَةُ يَثْرِبَ قَبْلَ الإِسْلامِ) وَالدكتورُ ناصِر السَيِّد (يَهُود يُثْرِب وَخَيْبَرُ الغَزَواتِ وَالصِراعِ) إضافة العَهْدِ القَدِيمِ، وإلى بَعْضِ الدِراساتِ وما ذكر فِي مَصادِرِنا التارِيخِيَّةِ السابِقَةِ. تَقَعُ يَثْرِبُ نَحْوَ 500 كم إِلَى الشَمالِ مِن مَكَّةَ وأقرب الجِبالُ إليها هُوَ جَبَلٌ أحد الَّذِي وَقَعَت فِيهِ الحَرْبُ الثانِيَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَقُرَيْشٍ، وَيُعَدُّ وادِي العَقِيقِ مِن أخصب أراضي يَثْرِبُ وَهُوَ فِي الواقِعِ مَجْمُوعَةُ أودية شَقَّتْها السُيُولُ، وآبار يَثْرِبُ كَثِيرَةٌ مِنها أريس وَبِئْرُ الأعْوافِ وَبِئْرُ أنس بْن مالِكٍ وَبِئْرُ بِضاعَةٍ وَغَيْرُها، وَتُرافِقُ بَعْضُها حكايات خُرافِيَّةٌ. الدِراساتُ وَالبُحُوثُ عَنْ يَثْرِبَ تَذَكَّرُ أنها أخذت اِسْمَها مِنْ أحد أحفاد نُوحٍ (يُثْرِبُ اِبْنَ قانِيَةِ بْنِ مِهْلائِيلِ بْنِ إرم بْنِ عُبَيْلِ بْنِ عَوَضِ بْنِ سام بِنِ نُوحٍ وَهُنا يَعْنِي ثمانية أجيال، وَلٰكِنْ هُناكَ رِواياتٌ أُخْرَى أقل أَوْ أَكْثَرُ مِن الأجيال، وَاِخْتِلافُ الأجيال يَعْنِي أَيْضاً اِخْتِلافَ مَنْ سَكَنُوا هٰذِهِ البُقْعَةَ، وَعَلَى رأي الطَبَرِيِّ، فإن قَبِيلَةُ عَبِيلٍ هُمْ أول مِنْ سَكَنٍ يَثْرِبَ، فِي حِينِ العَمالِيقِ أول سُكّانِها عَلَى رأي السُهَيْلِي وَاِبْنِ خَلْدُونَ، طَبْعاً الأخذ بِهٰذِهِ الرِوايَةِ يَعْنِي إلغاء حَدَثٌ تارِيخِيٌّ كَبِيرٌ يُقِرُّهُ الطَبَرِيُّ، وَهُوَ أَنَّ العَمالِيقَ حارَبُوا عَبِيلٌ وَسَيْطَرُوا عَلَى يَثْرِبَ بَعْدَ أَنْ طَرَدُوهُمْ "فَلَحِقَتْ عَبِيلٌ بِمَوْضِعِ يَثْرِبَ، وَلَحِقَت العَمالِيقُ بِصَنْعاءَ قَبْلَ أَنْ تُسَمَّى صَنْعاءُ، ثُمَّ اِنْحَدَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى يَثْرِبَ، فَاُخْرُجُوا مِنها عَبِيلُ ، فَنَزَلُوا مَوْضِعَ الجُحْفَةِ" (تارِيخُ الطَبَرِيِّ الجُزْءُ الأول ذِكْرُ نُوحٍ -عَلَيْهِ السَلامُ- ص 129) وَقَدْ كانَ العَمالِيقُ فِيما سَبَقَ يَسْكُنُونَ تِهامَةَ مَنْ أرض الحِجازَ( يَرَى البَعْضُ أَنَّ كَلِمَةَ العَمالِيقِ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن مقطعي عَمٍّ، وَتَعْنِي شَعْبٌ أَوْ أمة، وَذٰلِكَ حَسَبَ اللُغَةِ العِبْرِيَّةِ وَمالِيق وَهُم اسم قَوْم أَوْ قَبِيلُة، وَهٰذا يَعْنِي أمة أَوْ قَبِيلَةُ مالِيق) (يَنْظُرُ الدُكْتورُ ياسِين غَضْبان مَدِينَةَ يَثْرِبَ قَبْلَ الإِسْلامِ ص 47) وَيَسْتَخْلِصُ الدُكْتورُ بَدْر أَنَّ تأسيس يَثْرِب كانَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ يَتَزَعَّمُ مَجْمُوعَةً بَشَرِيَّةً هاجَرَت مِن مَوْطِنِها الأَصْلِيِّ بابِلَ فِي الرِوايَةِ الأولى، وَتِهامَةُ فِي الرِوايَةِ الثانِيَةِ، وأن هٰذِهِ المَجْمُوعَةُ وُجَدَت فِي هٰذا المَوْضِعِ أرضا خِصْبَةً وَشَجَراً كَثِيفاً وَماءً وَفيراً (نُلاحِظُ هُنا الاِخْتِلافَ عَن مَكَّةَ أرض غَيْرَ ذِي زَرْعٍ) لِذا حَوَّلَت هٰذا المَوْقِعَ إِلَى مُسْتَقِرٍّ لَها، وَسُمِّيَت بِاِسْمِ زَعِيمِها يَثْرِبُ وَهُوَ أحد أحفاد نُوحٍ الَّذِي نَسَجَت عَنهُ الكَثِيرُ مِن الرِواياتِ، ( فِي كِتابِهِ القَيِّمِ وَالشَيِّقُ أنبياء سُومَرِيُّون يتحدث الدكتور خزعل الماجدي كَيْفَ تَحَوَّلَ مُلُوكُ سُومرِيِّينَ إِلَى عَشَرَةِ أنبياء تُوراتِيِّينَ؟ ويقول عَن نُوحٍ بِاِعْتِبارِهِ آخر الآباء قَبْلَ الطُوفانِ هُوَ فِي الواقِعِ المَلِكِ العاشِرُ وآخر المُلُوكِ السومريين قَبْلَ الطُوفانِ فِي التُراثِ السومرِيِّ وَهُوَ المَعْرُوفُ بِاِسْمِ زيُو -سُودْرا وَقَدْ أورد الكَثِيرَ مِنْ المُقارَباتِ بَيْنَ زيو سودرا وَهُوَ يُشْبِهُ، أَوْ هُوَ نَفْسُهُ، أوتو-نابِشْتُمْ بَطَلُ الطُوفانِ فِي اللَوْحِ الحادِي عشر من مَلْحَمَةَ جَلْجامِشَ وَبَيْنَ وَنُوحٍ) (أنبياء سُومرِيُّونَ الدُكْتورُ خَزْعَل الماجِدِي المَرْكَزُ الثَقافِيُّ لِلكِتابِ الدارُ البيضاء -المَغْرِبُ ص 369 وما بعدها) وَطَبْعاً فإن هٰذِهِ الرِوايَةُ عن يثرب لَيْسَت الوَحِيدَةَ فِي هٰذا المَجالِ فَهُناكَ مَنْ يُنْسَبُ إنشائها إِلَى اليَهُودِ، أَوْ إِلَى الأوس وَالخَزْرَجِ وَغَيْرِها. وَيُمَكِّنُ العَوْدَةَ إِلَى المَصادِرِ لِتَتَبُّعِ تِلْكَ القِصَصِ. أَنَّ ما يهمنا أَنْ نُنَبِّهَ أَنَّ مِنْ مُجْمَلِ الرِواياتِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ تارِيخَ إنشاء يَثْرِبَ يَعُودُ إِلَى قُرُونٍ طَوِيلَةٍ قَبْلَ ظُهُورِ الإِسْلامِ، والأرجح أَنَّ اليَهُودَ سَكَنُوها فِي وَقْتٍ لاحِقٍ. ولا معقولية فِي ذِكْرِ أَنَّ مُوسَى مَرَّ بِها، وأعجبته لِذا تَخَلَّفَ بَعْضُ أتباعه لِيَسْكُنَ فِيها. وَلَوْ عُدْنا إِلَى الطَبَرِيِّ، وَالَّذِي يُعَدُّ عَبِيلَ أول مِنْ سَكَنٍ يَثْرِبُ وَعَبِيلٍ (أَوْ عَمُّو بالٍ أَوْ عُوبالٍ كَما وَرَدَتْ فِي العَهْدِ القَدِيمِ سَفَرُ التَكْوِينِ [الإصحاح العاشِرُ 28.] 28 - وَعُوبال و أبيمايل وَشَبا 29 – واوفير وَحَوِيلُهُ وَيُوبابُ. جَمِيعُ هٰؤُلاءِ بَنُو يَقِطانٍ] (سَفَرُ التَكْوِينِ الإصحاح العاشِرُ 28-29). وَعَبِيلٌ هِيَ مِن البائِدَةِ كَما أَشَرْنا فِي بَحْثٍ سابِقٍ وَلَقَدْ لَعِبَتُ عَبِيلُ دَوْراً فِي كَثِيرٍ مِن الرِواياتِ وَالأَساطِيرِ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ وَوادِي الرافِدَيْنِ فَهُم أحفاد نُوحِ أَبْناءٍ يَقِطّان وَكانُوا فِي بابِلَ. وَقَوْلُ الدكتورِ عَلِي أَنْ يَثْرِبَ ذَكَرَتْ فِي الكِتاباتِ المُعَيَنِيَّةِ، ثُمَّ صارَتْ إِلَى السبئيين بَعْدَ زَوالِ مَمْلَكَةٍ مُعَيَّنٍ، وَلَعَلَّ هٰذا السَكَنَ هُوَ الَّذِي حَمَلَ النَسابِينَ عَلَى إرجاع نِسَبِ أَهْلِ يَثْرِبُ إِلَى اليَمَنِ، وَقِيلَ فِي اِسْمِها يَثْرِبُ مِن التَثْرِيبِ (الثَرْبِ شَحْمٌ خَفِيفٌ يُغْشِي الكِرْشَ والأمعاء، وَجَمْعَهُ ثُرُوبٌ وَلَهُ معان أُخْرَى عَدِيدَةٌ، وَقِيلَ المَثْرِبِ هُوَ قَلِيلُ العَطاءِ) وأن النَبِيُّ لِمّا نَزَلَ فِيها كُرْهُ اِسْمِها، فَسَمّاها طَيِّبَةً أَوْ طابَّةً وَذَكَرَ الدُكْتورُ عَلِيّ أَنَّ لَها تِسْعاً وَعِشْرِينَ اِسْماً مِنها جابِرَةٌ وَمِسْكِينَةٌ وَمَحْبُورَةٌ وَدارَ الهِجْرَةِ وَالمَحْبُوبَةِ وَالمُخْتارَةِ وَالقاصِمَةِ وَغَيْرَها جاءها الأوس وَالخَزْرَجُ بَعْدَ سَيْلِ العِرَمِ، وَعِنْدَما وَصَلُوا وَجَدُوا اليَهُودَ، وَقَدْ مَلَكُوا الآطام وَالنَخْلَ فَعَقَدُوا مَعَهُم الحِلْفَ، وَعَمِلُوا لَدَيْهِم إلا أن اليَهُودَ حَنِثُوا بِالاِتِّفاقِ. وأقدم مَوْرِدُ أشير فِيهِ إِلَى يَثْرِبَ يَعُودُ إِلَى المَلِكِ "نبونيد" مَلِكٌ بابِلَ كَذٰلِكَ ذُكِرَت عِنْدَ بطليموس وَعِنْدَ (اِسطِيفانِ البِيزَنْطِيِّ) (المُفَصَّلُ د/ جَواد عَلِي المُجَلَّد الرابِعُ الفَصْلَ الثالِثُ والأربعون يَثْرِبُ وَالطائِفُ ص 128-157) وَكانَ أَهْلُها كَما هِيَ دِيانَةُ باقِي الأَعْرابِ مَن عبدة الأصنام، وَكانَ لَهُم أصنام فِي بُيُوتِهِم وَيَثْرِبُ مِثْلَ مَكَّةَ فِيها شِعابٌ يَسْكُنُ فِي كُلٍّ مِنْها. أما الأوس أَوْ الخَزْرَجِ أَوْ اليَهُودِ، وَلَيْسَ هُناكَ سُورٌ يَحْمِي المَدِينَةَ كَما الطائِفِ إلا أنها كَما أَشَرْنا عَكْسَ مَكَّةَ فأراضيها خِصْبَةً، وَفِيها واحاتُ النَخِيلِ، وَفِيها الماءُ كَثِيرٌ وَأَحْيانا الابارٌ فِي البُيُوتِ وَحَتَّى جَوُّها أفضل مِنْ جَوِّ مَكَّةَ. سُكّانٌ يَثْرِبُ
عِنْدَما نَتَحَدَّثُ عَنْ مَكَّةَ، فَنَحْنُ نَعْنِي أَساساً قُرَيْشٌ وَخاصَّةً إِذا تَعَلَّقَ الأَمْرُ بِبِطاحِها، وإن كانَتْ قُرَيْشُ بُيُوتاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أما إِذا تَحَدَّثْنا عَن يَثْرِبَ، فإننا هُنا نَتَحَدَّثُ هُنا عَن الأوس وَالخَزْرَجِ (وإن كانُوا قَدِيماً كَما يُقالُ مَنْ أب واحِدٌ) وَنَتَحَدَّثُ عَن مَجْمُوعاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ اليَهُودِ لَهُم أحياؤهم وَمَزارِعُهُمْ وَحَرْفَيْهِمْ، وَلا نَتَحَدَّثُ عَنْ اِجْتِماعِهِمْ حَوْلَ حَرَمٍ أَوْ مَعْبَدٍ، بَلْ عَيْشِهُمْ فِي الأراضي خِصْبَةً كَثِيرَةَ الآبار.، كَما أَنَّ بُيُوتاتِ قُرَيْشٍ عاشَتْ فِي سَلامٍ نِسْبِيٍّ، وإن كانَتْ هُناكَ مُشاحَناتٌ وَاِخْتِلافاتُ، إلا أنها لَمْ تَكُنْ فِي الغالِبِ دَمَوِيَّةً، كَما هُوَ الحالُ بَيْنَ الأوس وَالخَزْرَجِ. هُناكَ الكَثِيرُ مِنْ الرِواياتِ التارِيخِيَّةِ عَنْ عَلاقَةِ الأوس بِالخَزْرَجِ وَعَلاقَةِ اليَهُودِ بِالخَزْرَجِ والأوس يَرْوِي جَوادَ بَعْضٍ مِنْها. وَقَوْلُ الدكتورِ عَلِيّ أَنَّ الأوس هُوَ اختصار لِجُمْلَةِ (أوس مُناةٍ) وَمُناةٍ كَما هُوَ مَعْرُوفٌ أحد الأصنام، وَقِيلَ أَنَّ جَدَّهُمْ هُوَ الأوس وَهُوَ فِي عُرْفِ النَسّابِينَ (أوس بْنِ حارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو ... بْنُ عَبْدِ اللّٰهِ بْنِ الأزد) وَهُمْ عَلَى عِدَّةِ بُطُونٍ. أما الخَزْرَجُ فَهُمْ إخوة الأوس فَالخَزْرَجُ وَهُوَ جَدُّهُمْ هُوَ أخو أوس أَيْ إنه (الخَزْرَجُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ...... بْنْ عَبْدِاللّٰه بِنِ الأزد). وَبِالرَغْمِ مِنْ صِلَةِ الرَحِمِ تِلْكَ فَقَدْ وَقَعَت الحُرُوبُ دَوْماً بَيْنَ الأوس وَالخَزْرَجِ، وَفِي هٰذا الأَمْرِ فَهُمَ كَما أَشَرْنا عَكْسَ التَعايُشِ العامِّ الَّذِي شَهِدَتْهُ بُيُوتاتُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَكُنْ بَيْنَها مِثْلُ تِلْكَ الحُرُوبِ. وَعَلَى هٰذا فإن الأوس وَالخَزْرَجُ (الأَنْصارُ) أقرب إِلَى البِدَواةِ، وَرُبَّما كانَ هٰذا واحِداً مِنْ الأسباب الَّتِي جَعَلَت الآيات المَدَنِيَّةَ أشد وأقسى مِنْ الآيات المَكِّيَّةِ. وأنهم اِخْذُو يَنْخَرِطُونَ فِي الغَزَواتِ بَعْدَ أَنْ شَعَرُوا بِقُوَّتِهِمْ بَعْدَ أَنْ انضم اليَهِمُ المُسْلِمُونَ، يَقُولُ الدكتورُ جَواد عَلِي فِي ذٰلِكَ "كانُوا قَدْ تَحَضَّرُوا وَاِسْتَقَرُّوا، غَيْرَ أنهم لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِن التَخَلُّصِ مِن الرُوحِ الأَعْرابِيَّةِ تَخَلُّصاً تامّاً، بَلْ بَقَوْا مُحافِظِينَ عَلَى أَكْثَرِ سَجاياها، وَمِنها النَزْعَةُ إِلَى التَخاصُمِ وَالتَقاتُلِ، فآلهتهم هٰذِهِ النَزْعَةُ عَن الانصراف إِلَى غَرْسِ الأرض وَالاِشْتِغالِ بِالزِراعَةِ كَما فَعَلَ اليَهُودُ، وَعَن الاِشْتِغالِ بِالتِجارَةِ بِمِقْياسٍ كَبِيرٍ عَلَى نَحْوِ ما فعل أَهْلِ مَكَّةَ." (المِفْصَلُ الجُزْءُ الرابِعُ ص 141) عَلَى أَنَّ الأوس وَالخَزْرَجَ أَيْضاً مارَسُوا التِجارَةَ بَلْ أَنَّ اليَهُودَ كانُوا أنشط فِي ذٰلِكَ فَالتِجارَةُ مَعَ الشامِ كانَتْ قائِمَةً لِسَدِّ الاِحْتِياجاتِ الَّتِي تَتَطَلَّبُها الحَياةُ، وَتَتَحَدَّثُ الأخبار عَنْ "الساقِطَةِ" وَهُمْ التُجّارُ الَّذِينَ كانُوا يَتَسَقَّطُونَ الأخبار مِنْ المَدِينَةِ، وَخاصَّةً بَعْدَ الإِسْلامِ، وَيَنْقُلُوها إِلَى الرُومِ، وَلٰكِنْ لَيْسَ لَدَيْنا مَعْلُوماتٌ عَنْ هٰؤُلاءِ وَعَنْ جِنْسِيّاتِهِمْ هَلْ هُمْ مِنْ الرُومِ أم مِنْ العَرَبِ أم اليَهُودِ، وما هي حَجْمِ وَخُطُورَةِ المَعْلُوماتِ المَنْقُولَةِ، وَيَبْدُو أَنَّ هُناكَ تَجَمُّعاتٍ عَرَبِيَّةً وُجِدَت إِلَى جانِبِ الأوس وَالخَزْرَجِ، أَوْ قَبْلَهُم وَهُم أَيْضاً مِن غَيْرِ اليَهُودِ حَيْثُ نُصادِفُ كَثِيراً عبارة اليثربيين، وَلٰكِنْ لَيْسَ لَدَيْنا مَعْلُوماتٌ كافية حَوْلَهُم أَوْ رُبَّما جُزْءٌ مِنهُم النَصارَى الَّذِينَ تواجدوا فِي يَثْرِبَ أَيْضاً، وَمِن هٰؤُلاءِ مَثَلاً بَنُو الحِرْمانِ وَبَنُو مُرْتَدٍّ وَبَنُو نَيْفٍ وَبَنُو مُعاوِيَةَ وَهُم عُمُوماً مِن إعراب اليَمَنِ. أما اليهود فيُنْقَلُ وات مونتجومري فِي كِتابِهِ مُحَمَّد فِي المَدِينَةِ أَنَّ قائِمَةَ القَبائِلِ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي يَذْكُرُها السُمْهُودِيُّ تشمل (بَنِي مَرْثَد، بَنِي جُذَماءُ، بُنِّيٌّ ناغِصَةٌ، بَنِيَ زَعَوَراءَ، بَنِي ثَعْلَبَةٍ) (مُحَمَّد فِي المَدِينَةِ مونتجمرِي وات ص 293-294 وَلَمْ نستطع التَحَقُّقَ مِنْ السَمْهُودِيِّ نَفْسِهِ) وَقَدْ أَشَرْنا أعلاه كَما أشار واتَّ نَفْسُهُ أَنَّ هٰذِهِ القَبائِلَ فِي أصلها يَمَنِيٌّ. وَهُناكَ الكَثِيرُ مِن الرِواياتِ التارِيخِيَّةِ حَوْلَ أصل اليَهُودِ اليثربين هَلْ هُم مِن المُهاجِرِينَ مِن فِلَسْطِينَ، أَوْ مَنْ أماكن أُخْرَى ومتى هاجَرُوا ، ام هَلْ أنهم مِن العَرَبِ اليثربيين الَّذِينَ تَهَوَّدُوا لِسَبَبٍ مِن الأسباب، وَقَدْ أَشَرنا إِلَى بَعْضِ تِلْكَ القِصَصِ، وَلَعَلَّ ما ذكره الدُكْتُورَ جَواد عَلِي مَقْبُولٌ مِن أَنَّ قسماً مِنهُم كانُوا مِن المُهاجِرِينَ الَّذِينَ وصلوا فِي أوقات مُخْتَلِفَةٍ وَخاصَّةً أيام القَيْصَرِ طَيطُوس أَوْ هَدْرِيّانَ وَالقِسْمَ الآخَرَ مِن العَرَبِ، وَكانُوا عَلَى الوَثَنِيَّةِ وَبِفِعْلِ حَمَلاتِ التَبْشِيرِ اِتَّخَذُوا الدِينَ الجَدِيدَ، وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ يُمْكِنُ إضافة أنهم مِن أولئك التُجّارِ الَّذِينَ سَبَقَ لَهُم التِجارَةُ مَعَ المِنْطَقَةِ (وَاليَهُودُ مَعْرُوفِينَ بِالتِجارَةِ وَاِخْتِيارِ الأماكن النائِيَةِ أَوْ المَعْزُولَةِ)، وأنهم في آخر المطاف ولأسباب مُخْتَلِفَةٍ اِسْتَوْطَنُوا فِي هٰذِهِ البِقاعِ المُلائِمَةِ لِلزِراعَةِ وَلِمَوْقِعِها عَلَى طَرِيقِ القَوافِلِ، أما مَنْ يَقُولُونَ بأصلهم العَرَبِيُّ، فَهُم يُدَلِّلُونَ عَلَى ذٰلِكَ بِعِدَّةِ أمور أولا أَنَّ لُغَتَهُم كانَت العَرَبِيَّةَ؛ وَكَذٰلِكَ أسمائهم وَحَتَّى شُعَرائِهِم لَمْ تَكُنْ لَهُم لُغَةٌ شِعْرِيَّةٌ تُمَيِّزُهُم عَن العَرَبِ وَبِالمُقابِلِ فَالقَوْلُ إن هٰذِهِ الإشارات غَيْرُ كافِيَةٍ، ولا يمكن أَنْ يَهْدِيَ بِالضَرُورَةِ إِلَى الجِنْسِ أَوْ المنشأ. وَمِثْلُ تِلْكَ الرِواياتِ وَالأَساطِيرِ قِيلَت عَن العَمالِقَةِ وَالَّذِينَ جاءَ ذِكْرُهُم أَيْضاً فِي العَهْدِ القَدِيمِ فِي مَواقِعَ عِدَّةٍ مِنها الإصحاح الرابِعَ عَشَرَ [7- ثُمَّ رَجَعُوا وَجاءُوا إِلَى عَيْنِ مِشْفاطٍ الَّتِي هِيَ قادِشٌ. وَضَرَبُوا كُلَّ بِلادِ العَمالِقَةِ، وَأَيْضاً الأُمُورِيينَ الساكِنِينَ فِي حُصُونِ تامار] (الإصحاح الرابِعَ عَشَرَ سفر التكوين فِي الكِتابِ المُقَدَّسِ العَهْدِ القَدِيمَ) وَهٰكَذا تَذْكُرُ الرِواياتُ التارِيخِيَّةُ صِراعاتٍ وَحُرُوبٍ مَرِيرَةً بَيْنَ العَمالِيقِ وَاليَهُودِ كَما فِي الإصحاح السادِسِ وَالسابِعِ مِن سَفَرِ القُضاةِ، وَجاءَت العِباراتُ فِي الأسفار قاسِيَةً تَماماً، وَهٰذا ما أَشَرْنا إليه مِنْ قَساوَةِ اليَهُودِ كَما يُبَيِّنُهُ العَهْدُ القَدِيمُ [3 – فالآن اِذْهَبْ وَاِضْرِبْ عَمالِيقَ وَحَرِّمُوا كُلَّ ما لَهُ، وَلا تَعْفِ عَنْهُمْ، بَلْ اُقْتُلْ رَجُلاً وامرأة، طِفْلاً وَرَضِيعاً، بَقَراً وغنما جُمَلاً وَحِماراً] (سفر صموئيل الأول 15:3) عَلَى أَنَّ ذٰلِكَ التارِيخَ لا يمكننا مِن مَعْرِفَةٍ فِي أَيِّ أزمان بِالتَحْدِيدِ سَكَنُوا يَثْرِبَ فَالمَصادِرُ مُتَناقِضَةٌ فِي سَرْدِهِ وَكَثِيرٍ مِن المُؤَرِّخِينَ فِيما بَعْدُ مِثْلَ اِبْنِ خَلْدُونَ أخذوا بِهِ وكأنه حَقِيقَةً، وَلٰكِنْ آخرين تجاهلوه وَلَمْ يَذْكُرُوا مِنهُ شَيْءَ الأَمْرِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نُقِرَّ بِهِ أَنَّ العَمالِيقَ رُبَّما كانُوا لِفَتَراتٍ طويلة وَهُم أول مِنْ زَرْعِ النَخِيلِ كَما يَذْكُرُ البَعْضُ، وَلَيْسَ فِي التوراة لما يشير أَنَّ مُوسَى نَفْسَهُ جَهَّزَ جَيْشاً وَقَضَى عَلَيْهِمْ.
#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
وجهاء واسماء في مكة
-
حلف الفضول الحلقة الثانية
-
احلاف قريش الحلقة الاولى
-
قريش الجزء الثاني
-
قريش
-
مكة وقريش يثرب والانصار الحلقة الثالثة
-
مكة وقريش يثرب والانصار الحلقة الثانية
-
مكة وقريش يثرب والانصار الحلقة الاولى
-
دراسات اخرى عن البدو الحلقة الثانية
-
دراسات اخرى عن البدو
-
علي الوردي والبدو
-
محمد عابد الجابري عصبية ابن خلدون الجزء الثاني
-
محمد عابد الجابري عصبية ابن خلدون الجزء الاول
-
ساطع الحصري وابن خلدون
-
العصبية القبلية عند البدو
-
أبن خلدون ومقدمته الجزء الثاني
-
ابن خلدون ومقدمته الجزء الاول
-
البدو
-
الحواضر اليمنية الشمالية الجزء الاخير
-
الغساسنة آل جفنة
المزيد.....
-
حرس الثورة الإسلامية: تدمير صاروخين من طراز -AGM-158 كروز- خ
...
-
حرس الثورة الإسلامية: التدمير تم بواسطة منظومات دفاع جوي متط
...
-
المقاومة الإسلامية تستهدف تجمعا لجنود العدو في موقع مسكاف عا
...
-
المقاومة الإسلامية تستهدف تجمعا لجنود العدو وآلياته في محيط
...
-
المقاومة الإسلامية تستهدف تجمّعًا لآليات وجنود العدوّ الإسرا
...
-
حرس الثورة الإسلامية: استهدفنا محطات استقبال الأقمار الإصطنا
...
-
حرس الثورة الإسلامية: استهدفنا قواعد - الأزرق، الشيخ عيسى، ع
...
-
فوكو في طهران.. هل كان الثورة الإسلامية ظاهرة روحانية حقا؟
-
قوى الأمن الداخلي تعتقل 466 خائنا مرتبطا بأعداء الثورة الاسل
...
-
المقاومة الإسلامية في لبنان تستهدف دبابة -ميركافا- على طريق
...
المزيد.....
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ يل دونالد والش
-
شركة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
صداقة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
شركة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|