|
|
قريش الجزء الثاني
عصام حافظ الزند
الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 16:14
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن) لِنَعُودَ إِلَى قُصِّيٍّ الَّذِي جَمَعَ حَوْلَهُ قُرَيْشٌ مِنْ أَبْناءِ كَعْبٍ وَعامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ؛ وَكَذٰلِكَ بَعْضٌ مِنْ قَوْمِ أخيه أَوْ الأصح شَقِيقَةُ رِزاحِ بْنِ رَبِيعَة العُذْرِيِّ إِلَى قُرْبِ مَكَّةَ مُتَحالِفاً مَعَ بَعْضِ بُطُونِ بَنِي عَذْرَةَ القُضاعَينِ ، كَما يَقُولُ الدكتورُ مُؤْنِسٌ، وَاِحْتَلُّوا مَكَّةَ وَاُخْرُجُوا خَزاعَةً مِنْ بِطاحِها، وَيَحْتَلُّوها هُمْ فَسَمُّوا الاِبْطِحِيُّونَ وَكانَ مَعَهُمْ بَنِي قَلْمَسٍ وَبَنِي تَيْمٍ وَبَنِي يقضه بْنِ مرة، وَأُضِيفَ إليهم بَنُو زهرة بن كِلابَ أولاد عَمِّ قَصِي، وَفَكَّرَ قَصِي أَنْ يُكْثِرَ مَنْ جَمَعَهُ، فدعي إِلَى مَكَّةَ بُنِي فهر بن مالِكُ بْنُ النَضْرِ وَبَنِيَ الحارِثَ، وَبَنَوْا مُحارِبٌ وَبَنُو تَيْمٍ وأنزلهم حَوْلَ مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ كانُوا يُشَكِّلُونَ قُرَيْشَ الظاهِرِ، وَيَذْكُرُ الدكتورُ مُؤْنِسٌ مُسْتَنِداً إِلَى اليَعْقُوبِي أَنَّ الحَرْبَ بَيْنَ قَصِيٍّ، وَمِنْ جَمَعِهُمْ حوله وَالخُزاعِيِّنَ كانَتْ حَرْبٌ طَوِيلَةً وَعَنِيفَةً نَجَمَ عَنْها الكَثِيرُ مِنْ القَتْلَى فِي البَطاحِ إِلَى أَنْ تَوافُقُوا عَلَى الصُلْحِ، وأن يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ رَجُلٌ مِنْ العَرَبِ فِيما اِخْتَلَفُوا فِيهِ، وَمَكَّنَ هٰذا الحُكْمَ قَصِيٌّ مِنْ مَكَّةَ وَحَكَمَ فِي غايَةِ القَسْوَةِ عَلَى خَزّاعَةٍ وَالغَرِيبُ أَنْ يُصْدِرَ هٰذا الحُكْمَ مِنْ كَنانِي مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ خَزّاعَةَ، لأن مِنْ المَعْرُوفِ لاحقا، إن بَنِي كَعْبٍ كانُوا مِنْ ألد أعداء بَنِي هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ سادَة قُرَيْشٍ وَالفَرْقُ بَيْنَ خَزّاعَةٍ وَقُصِيٍّ أَنَّ خَزاعَةً كانَتْ فِي مَكَّةَ فِي النَهارِ فَقَطْ. أما فِي اللَيْلِ فَيَذْهَبُونَ إِلَى خِيامِهِمْ خارِجَها. أما قَصِيٌّ فَقَدْ سَكَنَ بَكَّةَ أو مكة على نحو دائم، وَيَكُونُ بِذٰلِكَ أول المُسْتَقِرِّينَ على نحو دائم خاصَّةٍ بَعْدَ أَنْ حَفَرُوا الآبار، وَمِنْ هُنا أصبحنا عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ مَوْلِدِ مُحَمَّد وَعَبْدِ المُطَّلِب هُوَ حَفِيدُ قَصِّيٍّ وَهُوَ مَنْ اِرْتَبَطَ اِسْمَهُ بِزَمْزَمَ وَقِصَّةُ فِدْيَةِ عَبْدِ اللّٰه والِدِ مُحَمَّدِ. وَهٰكَذا اِصْبَحْ لِقُصِيِّ رِئاسَةَ مَكَّةَ وَالحِجابَةَ عَلَى الكَعْبَةِ، وَما كانَ مِنْ بُعْدٍ لأبنائه الأربعة عَبْدِ مَناف وَعَبْدُ الدارِ وَعَبْدُ العزى وَعَبْدُ قَصِي. وَهٰكَذا فإن قُرَيْشُ البَطاحِ كانَتْ مُؤَلَّفَةً مِنْ تِلْكَ البُطُونِ الأربعة يُضاف وَبِشَكْلٍ أدق، فإن البَطاحَ تتألف مِنْ بُيُوتٍ قُرَشِيَّةٍ مِثْلِ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، بَنُو عَبْدِ الدارِ، وَبَنُو عَبْدِ العَزِّي، وبنو عبد قُصَيُّ بْنِ كِلابٍ، وَبَنُو زَهْرَةَ بْنِ كِلابٍ، وَبَنُو تَيْمِ بْنِ مَرَّةٍ، وَبَنُوٌّ مَخْزُومٍ وَبَنُو سَهْمٍ. هَصِيصُ بْنُ كَعْبٍ بِفَرْعَيْهِمْ سَهْمٌ وَجَمَحٌ ثُمَّ تَيْمُ بْنُ مَرَّةٍ ويقظة بْنُ مَرَّةٍ إضافة إِلَى بَنُو زَهْرَةَ بْنِ قُصَيٍّ، وَمَنْ تَفَرَّعَ عَنْهُمْ بَنُو الحارِثِ وَبَنُو عَبْدِ مَنافٍ وَمِنْ عَبْدِ مَنافِ بْنِ قُرَيْشٍ، وَيَتَفَرَّعُ مِنْهُ بَنُو هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ وَبَنُو المُطْلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ وَبَنُو عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ وبنو نوفل بْنِ عَبْدِ مَنافٍ ذٰلِكَ كَما قُلْنا ما ذَكَرَهُ الدكتورُ مُؤْنِسٌ مُسْتَنِداً إِلَى اليَعْقُوبِي، وَيَذْكُرُ الدكتورُ جواد علي أَنَّ الأباطح وَقُرَيْشَ البَطّاحِ هُمْ صَمِيمُ قُرَيْشٍ وَهُمْ أشرف وأكرم مِنْ قُرَيْشِ الظَواهِرِ، وَالَّذِينَ يتألفون مِنْ بَنُو مَعِيصِ بْنِ عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَتِيمٍ الأدرم بْنِ غالِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَالحارِثُ اِبْناً فَهْرٍ، وَبَنِي هِلالِ بْنِ مالِكِ بْنِ ضَبَّةٍ وَعَمَّةِ بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَلٰكِنَّ هٰذِهِ المَعْلُوماتِ يَتَداوَلُها آخرون قَبْلَهُم، وَعَلَى رأسهم اِبْنُ الكَلْبِيِّ وَكَثِيرٌ مِنْ كُتُبِ السِيرَةِ أَوْ المَغازِي مِنْ مُعاصِرِي اِبْنِ الكَلْبِيِّ، وَمِنْ بعده وَحَتَّى بَعْضٍ مِمَّنْ قَبْلَهُ. وَيَكادُ يَتَّفِقُ الجَمِيعُ عَلَى أَنَّ قَصِيَّ هُوَ مَنْ أرسى الدَعائِمَ الأَساسِيَّةَ الأولى لِقُرَيْشٍ فِي مَكَّةَ، وَبَنَوْا دارَ النَدْوَةِ الَّتِي كانَت المَقَرَّ لِكُلِّ الأَحْداثِ وَالقَراراتِ وَالفَعالِيّاتِ وَحَفْرِ الآبار وَقِسَّمَ الأَعْمالَ بَيْنَ أولاده فَنالَ عَبْدٌ مَنافٍ السِقايَةَ وَالرِئاسَةَ. وَهُنا لا بد لَنا مِنْ التأكيد عَلَى حَقِيقَةٍ سَنَتَحَدَّثُ عَنْها أَكْثَرَ فِي مَواضِعَ أُخْرَى، مُتَمَثِّلَةً فِي تِلْكَ التَوازُناتِ أفادت فِي عَدَمِ اِسْتَطاعَتْ مِنْ عارِضِ مُحَمَّدٍ أَنْ يَتَّخِذَ إجراءات صارِمَةً بِحَقْهِ؛ لأن ذٰلِكَ سَيُؤَدِّي إِلَى تَصَدُّعٍ كَبِيرٍ فِي التَحالُفِ القَرِيشِي وَلِذا نَرَى أَنَّ أبا طالِبٌ مَثَلاً، رَعَى مُحَمَّد وَحَماهُ، رَغْمَ أنه لَمْ يَسْلَمْ، فَقَدْ كانَ تأثير العَصَبِيَّةِ أقوى مِنْ قَضِيَّةِ الإيمان أو الدين أَوْ عَدَمِهِ، تِلْكَ القِصَّةُ التارِيخِيَّةُ الَّتِي تُفْضِي إِلَى أَنْ يَحْظى قُصِي بِرِئاسَةِ مَكَّةَ وَكَعْبَتِها وَ وَرَفادَةِ وَسِقايَةِ حُجاجِها، وَبَعْدَ وَفاةِ قُصِيٍّ آلت إِلَى عَبْدٍ مَناف، يُسَجِّلُها الدكتورُ مُونِس بِتَفاصُلِيها المُتَماشِيَةِ مَعَ مَنْهَجِهِ الفِكْرِيِّ، وَلٰكِنَّهُ عَلَى ما يَبْدُو وَتَحاشِياً لِلنَقْدِ يُشِيرُ بأسلوب مُقْتَضَبٍ إِلَى تَفاصِيلَ تارِيخِيَّةٍ أُخْرَى تُوَضِّحُ كَيْفَ حَصَلَ قَصِيٌّ عَلَى مَفاتِيحِ الكَعْبَةِ، فَيَقُولُ " وَلِبَعْضِ المُؤَرِّخِينَ رِوايَةٌ أُخْرَى شَيِّقَةُ الطابَعِ- وَكانَ الرِوايَةُ الَّتِي تَبَنّاها لَيْسَت كَذٰلِكَ- نَذْكُرُها لِمُجَرَّدِ الإحاطة بِها لا لأننا نُفَضِّلُها عَلَى الرِوايَةِ التارِيخِيَّةِ، وَقَدْ أوردها اليَعْقُوبِي، وَهٰذِهِ الرِوايَةُ وإن كانَ قِسْمٌ كَبِيرٌ مِنها مُتَطابِقٌ إلا أنها تَخْتَلِفُ فِي كَيْفِيَّةِ حُصُولِ قَصِيٍّ عَلَى مِفْتاحِ الكَعْبَةِ (ينظر تأريخ قريش د/ حسين مؤنس خاصة ص 98 – وما بعدها حيث توجهنا الى اختصار ما رواه ) .عَلَى أننا تابَعْنا الرِوايَةَ فِي مَصْدَرٍ آخر كَما قُلْنا أَكْثَرُ جرأة وَهُوَ الباحِثُ خَلِيل عَبْدُ الكَرِيم فِي مُؤَلِّفِهِ قُرَيْشٌ مِنْ القَبِيلَةِ إِلَى الدَوْلَةِ المَرْكَزِيَّةِ يَقُولُ: وَالحَقُّ أنني لَمُ أجد فِيما قرأت عَن قُصِيٍّ، خَيْراً مِمّا خَطَّهُ الإمام مُحَمَّد اِبْنُ يُوسُف الصالِحِي الشامِي وَهُوَ مِن مُؤَرِّخِي القَرْنِ العاشِرِ الهِجْرِيِّ، وَرُبَّما أتاح لَهُ تأخره النِسْبِيُّ الاِطِّلاعَ عَلَى كُتُبِ التَوارِيخِ وَالسَيْرِ، مُنْذُ عَصْرِ التَدْوِينِ حَتَّى زَمانِهِ،... وَهٰذا ما جاءَ بِها عَنْ قُصَيِّ بْنْ كِلابٍ (قالَ الرَشاطِيُّ -رحمه اللّٰهِ تعالى- وَسَنَتْرُكُ القِسْمَ الأول مِن الحِكايَةِ مِن وِلادَتِهِ، وَمَوْتِ والِدِهِ فَتَزَوَّجَتْ أمه رجلا من رَبِيعَةً، فَتَرَبَّى هُناكَ وَعِنْدَما كَبُرَ حَدَثَتْ لَهُ مُشادَّةٌ، فَعِيَّرُوهُ بأنه غَرِيبٌ حَيْثُ عادَ إِلَى أمه، وَشَكا لَها ما حصل فَقالَتْ لَهُ أنت مَنْ أكرم الناسَ، وأبوك شانَهُ عَظِيمٌ فِي مَكَّةَ عِنْدَ البَيْتِ الحَرامِ، فَقَرَّرَ الذَهابَ إِلَى مَكَّةَ، وَفِي مَكَّةَ فِي الأشهر الحَرَمِ أَيْ مَوْسِمِ الحَجِّ وَهُناكَ عَرَفُوا أصله وَوالِدَهُ، وَكانَ لَهُ أَنْ تُزَوِّجَ فَخَطَبَ (حُبِّي) بِنْتُ حَلِيلِ بْنِ حَبَشِيَّةٍ وَحَلِيلُ هٰذا الخُزاعِيِّ كانَتْ بِيَدِهِ مَفاتِيحُ المَكَّةِ فَخَزّاعَةٌ هُمْ بَطّاحُ مَكَّةَ آنذاك وَقَبْلَ أَنْ يَتَوَفَّى حَلِيلٌ أوصى بِوِلايَةِ البَيْتِ لِاِبْنَتِهِ حُبِّي، وَيَبْدُو أنه لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ يَرِثُهُ، فَقالَتْ اِبْنَتُهُ لا أقدر عَلَى فَتْحِ البابِ وغلقه، فَجَعَلَ ذٰلِكَ إِلَى أبي غَبْشانَ وَاِسْمُهُ المُحْتَرِشَ بْنِ حَلِيلٍ وَكانَ عَقْلُهُ فِي خَلَلٍ، فَاِشْتَرَى مِنْهُ قُصِيُّ وِلايَةِ البَيْتِ بزقه خَمْرٍ، وَقُعُودٍ( ناقَةٍ عَجُوزٍ) فَضَرَبَتْ بِهِ العَرَبُ المَثَلَ فَقالَتْ: أخسر صَفْقَةً مِنْ أبي غَشّانَ. وَهٰكَذا حَصَلَ قَصِي عَلَى مَفاتِيحِ الكَعْبَةِ وَلٰكِنَّ خَزاعَةً أنكرت ذٰلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ الحَرَمُ لِغَيْرِ خُزاعِيٍّ، وَجَمَعُوا عَلَى حَرْبٍ قُصِيٍّ وَطَرْدِهِم مِن مَكَّةَ، فَجَمَعَ قَصِي مِن حَوْلِهِ مِن الأقوام ما ذكرنا والأهم أنه اِسْتَنْجَدَ بِشَقِيقِهِ مِن أمه، وَالَّذِي تَرَبَّى مَعَهُ رِزاحُ بِن رَبِيعَة، فَحَضَرَ هُوَ وإخوته وَمِنْ ناصِرِهِم وَبَقِيَّةِ القِصَّةِ وَالحَرْبِ ذَكَرْناها؛ ومن هنا فإن المُؤَرِّخِينَ المُسْلِمِينَ وَبِما جَبِلُوا عَلَيْهِ مِن القُدْسِيَّةِ لِلنَظَرِ لِهٰذِهِ القِصَصِ، وإن كانَتْ تَتَعَلَّقُ بِقَوْمٍ فِي ظِلِّ الجاهِلِيَّةِ، وَلَسْنا هُنا فِي مَعْرِضِ تَفْضِيلِ هٰذِهِ الحِكايَةِ عَلَى تِلْكَ وَنُعاكِسِ الدكتورِ مُؤْنِسٍ، بَلْ إننا نأخذها كَحِكايَةٍ وَرَدَّت فِي التارِيخِ مِثْلَ غَيْرِها مِن الحِكاياتِ التارِيخِيَّةِ الشَفاهِيَّةِ لا يمكن التَحَقُّقَ مِن مَدَى صِدْقِيَّتِها، وَكَمْ تَقْتَرِبُ مِنْ الواقِعِ، عموما هي باعتقادنا من الاساطير ننظر اليها كما نظر تونبي الى الاساطير (يَنْظُرُ قَرَيْشٌ مِنْ القَبِيلَةِ إِلَى الدَوْلَةِ المَرْكَزِيَّةِ خَلِيل عَبْدِ الكَرِيم ص 35- وما بعدها) وَبَعْدَ أن اِسْتَتَبَّ الأَمْرُ لِقُصِيٍّ، وَجَمْعَ قُرَيْشٍ فِي البَطاحِ هَيْمَنَ عَلَى حِجابَةِ البَيْتِ وَسِقايَةِ الحُجّاجِ وَالرِفادَةِ كَما أَشَرْنا، وَفَرَضَ عَلَى قُرَيْشٍ خُرّاجاً تَدْفَعُهُ إليه مِنْ أموالها، فَيُصْنَعُ بِهِ طَعاماً وَشَراباً لِلحُجّاجِ فِي مَكَّةَ وَعَرَفَةَ ، وَلِتَحْقِيقِ غَرَضِ السِقايَةِ حَفَرا بِئْراً كانَتْ الأولى سَمّاها (العُجُولُ) كَما أمر بإيقاد النارِ عَلَى جِبالِ وَمُرْتَفَعاتِ المُزْدَلِفَةِ، لِيَراها مَنْ دَفَعَ مِن عَرَفَةَ، وَهٰكَذا اِنْتَعَشَت الأسواق وَمِنها عُكاظٌ وَذِي المَجَنَةِ فَالحَجُّ أصبح مَوْسِماً لَيْسَ دِينِيّاً وَحَسْبَ، بَلْ وَاِقْتِصادِيٍّ وَثَقافِيٍّ. إن عَبْقَرِيَّةً، وَبَعْدَ نَظَرٍ قَصِيٍّ تَتَمَثَّلُ فِي أنه عُرَفَ أَنَّ مَكَّةَ وَبَكَّةَ تُمَثِّلُ مَرْكَزاً مَهْماً تَسْتَقْطِبْ العَرَبُ يَسْتَوْلِي عَلَى البَطاحِ سَيَكُونُ لَهُ شأن فِي كُلِّ جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَعَمَدَ إِلَى تَوْفِيرِ الأسس الَّتِي لا بد مِنها لِتَحْقِيقِ تِلْكَ الأهداف فَسَكَنَ مَكَّةَ وَبَكَّةَ وَحَفِرَ بِئْرالَعَجَول، عَلَى أننا نَوَدُّ أَنْ نُنَبِّهَ عَلَى حَقِيقَةٍ أُخْرَى تَتَمَثَّلُ فِي أَنْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ سَكَنَ مَكَّةَ البَطاحَ أَوْ مَكَّةَ الظاهِرُ آنذاك مِنْ القَرِيشَيْنِ، فَقَدْ سَكَنَ فِيها قِسْمٌ مِن خَزاعَةٍ مِمَّنْ كانُوا قَبْلَ اِسْتِيلاءٍ قُصِيٍّ عَلَيْها، وَسَكَنَها أعراب آخرون لَمْ يَكُونُوا يُشَكِّلُونَ خَطَراً أَوْ أهمية بِالنِسْبَةِ لِلقُرَشِيِّينَ. وَكَما أَشَرْنا أعلاه، فإن رُؤَساءُ الشَعْبِ وإشراف البُيُوتاتِ هُم العُلَماءُ وَالسادَةُ وَهُم أَعْلَى مَنْزِلَةٍ مِن غَيْرِهِم وَلَهُم الرأي النِهائِيُّ، وَكَما يَقُولُ الدكتورُ جواد علي أنهم مُحافِظُونَ حَرِيصُونَ عَلَى كُلِّ ما وَصَلَ إليهم لا يردون تَغْيِيراً وَلا تَبْدِيلاً مَهْماً بَدا لَهُم فِي الجَدِيدِ مِن مَنْطِقٍ وَحَقٍّ {أَوْ لَوْ جِئْتُكُم بأهْدَى مِمّا وَجَدْتُم عَلَيْهِ آباءكم. قالُوا إنا بِما أرسلتم بِهِ كافِرُونَ (24)} (63/43 سُورَةَ الزُخْرُفِ مَكِّيَّةَ عَدَا آية 54 عَدَدُ الآيات 89 الآية 24) فِي القُرْآنِ آيات أُخْرَى تَبَيَّنَ لَنا تَمَسُّكُ نُخْبَةِ مَكَّةَ وَرِجالِ المِلة بِحُقُوقِهِمْ وَبِما وَرِثُوهُ مِنْ عُرْفٍ مَكَّنَهُمْ مِنْ السيادة فَهُم لا يقبلون تجديدا وَلا تَطْوِيراً وَسُنَّتَهُمْ التَعَلُّقُ بِالماضِي {وَإِذا قِيلَ لَهُم اِتَّبَعُوا ما أنزل اللّٰهُ قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما ألفينا عَلَيْهِ آباءنا أولو كانَ آباؤهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً، وَلا يَهْتَدُونَ (170)} (87/2 البَقَرَةُ مَدَنِيَّةٌ عَدَدُ آياتها 286 الآية 170) يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ البَغْدادِيُّ فِي كِتابِ المُنَمَّقِ فِي أخبار قُرَيْشٍ فِي حَدِيثِ إيلاف حَدَّثَنا أبو بَكْرٍ الحَلَوانِي قالَ حَدَّثَنا أبو سَعِيد السُكَّرِيُّ قالَ أخبرنا أبو جَعْفَر مُحَمَّدُ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ اِبْنِ الكَلْبِيِّ قالَ: "كانَ مِنْ حَدِيثِ الإيلاف أَنَّ قُرَيْشاً كانَتْ تُجّاراً، وَكانَتْ تِجارَتُها لا تَعْدُو مَكَّةَ، إنما يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمْ الأعاجم بِالسِلَعِ، فَيَشْتَرُونَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَتَبايَعُونَهُ بَيْنَهُمْ، وَيَبْيعُونَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ العَرَبِ، فَكانَتْ تِجارَتُهُمْ كَذٰلِكَ حَتَّى رَكِبَ هاشِمُ بْنِ عَبْدٍ مُنافٍ إِلَى الشامِ، فَنَزَلَ بِقَيْصَرَ اِسْمٌ هاشِم يَوْمَئِذِ عَمْرو، فَكّا يَذْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ شاةً، فَيَصْنَعُ جَفْنَةً ثريداً وَيَدْعُوا مِنْ حَوْلِهِ فيأكلون، وَكانَ هاشِمٌ فِيما زَعَمُوا أحسن الناسَ عَصَباً وأجمله فَذَكَرَ لِقَيْصَرَ وَقِيلَ" ها هُنا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُهَشِّمُ الخُبْزَ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَيْهِ المَرَقُ يَفْرَغُ عَلَيْهِ اللَحْمُ، وإنما كانَتْ الأعاجم تَضَعُ المَرَقَ فِي الصِحافِ، ثُمَّ تأتَدَمَ بِالخُبْزِ فلذلك سُمِّيَ عَمْرو هاشِماً "، وَبَلَغَ ذٰلِكَ قَيْصَرَ فَدَعا بِهِ، فَلَمّا رآه وَكَلَّمَهُ أعجب بِهِ، يُرْسِلْ إليه فَيَدْخُلْ عَلَيْهِ، فَلَمّا رأى مَكانَهُ مِنْهُ قالَ لَهُ هاشِمٌ: أيها المَلِكُ! أَنَّ لِي قَوْماً وَهُمْ تُجّارُ العَرَبِ، فانْ رأيْت أَنْ تَكْتُبَ لَهُمْ كِتاباً تُؤَمِّنُهُمْ، وَتُؤَمِّنُ تِجارَتَهُمْ فَيُقْدِمُوا عَلَيْكَ بِما يَسْتَطْرِفُ مَنْ أدم الحِجازِ وَثِيابِهِ، فَيَكُونُوا يَبِيعُونَهُ عِنْدَكُمْ فَهُوَ أرخص عَلَيْكُمْ. فَكَتَبَ لَهُ كِتاباً بأمان مَنْ أتى مِنْهُمْ، فَاِقْبَلْ هاشِمٌ بِذٰلِكَ الكِتابِ فَجَعِلَ كُلَّما مَرَّ بِحَيٍّ مِنْ العَرَبِ بِطَرِيقِ الشامِ أخذ مِنْ أشرافهم إيلافاً والإيلاف أَنْ يأمنوا عِنْدَهُمْ فِي أرضهم بِغَيْرِ حَلْفٍ، وإنما هُوَ أمان الناسِ، وَعَلَى أَنَّ قُرَيْشاً تَحَمَّلَ لَهُمْ بَضائِعَ، فَيُكَفُّونَهُمْ حُمْلانَها وَيَرُدُّونَ إليهم رأس مالِهِمْ وَرِبْحَهُمْ، فأخذ هاشِمَ الإيلاف مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشامِ حَتَّى مَكَّةَ، فأتاهم بأعظم شَيْءٌ أتوا بِهِ" وَيُكْمِلُ الرِوايَةَ إِلَى وَفاةِ هاشِمٍ بِغَزَّةَ؛ وَمِنْ ثمة أكمل المِشْوارُ المُطْلَبُ بْنُ عَبْدٍ مَنافٍ حَيْثُ أخذ مِن مُلُوكِهِم عَهْداً لِمَنْ تَجُرُّ قَبْلَهُم مِن قُرَيْشٍ، وَهٰذا اِزْدَهَرَت التِجارَةُ بَيْنَ مَكَّةَ وَتِلْكَ البِقاعِ ( لِمَزِيدٍ مِن المَعْلُوماتِ العَوْدَةُ إِلَى كِتابِ المُنَمَّقِ فِي أخبار قُرَيْشٍ مُحَمَّد بْنِ حَبِيبٍ البَغْدادِيِّ المتوفى سَنَةَ 245 ﮪ، 859 م صَحَّحَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ خُورْشِيد أَحْمَد فارِق عالَمَ الكُتُبِ ص 41، وَما بَعْدَهُ) وأما الدُكتورُ عَلِي، فَقَدْ عُرَفُوا بِ (قُرَيْشِ التُجّارِ) جاءَ عَلَى لِسانٍ كاهِنَةٍ مِن كُهانِ اليَمَنِ قَوْلُها (لِلّٰهِ دَرُّ الدِيارِ، لِقُرَيْشِ التُجّارِ) (لِلتَوَسُّعِ فِي كُلِّ تِلْكَ المَوْضُوعاتِ يُرْجَى العَوْدَةُ أَيْضاً إِلَى الشَرْحِ الوافِي فِي المِفْصَلِ الجُزْءِ الرابِعِ، وَالَّذِي خَصَّصَ لَهُ جَوادَ عَلِي حَوالَيْ 120 صَفْحَةً) وَهٰكَذا فإن تِجارَةَ قُرَيْشٍ عَزَّزَت مِن مَكانَةِ مَكَّةَ، كَما أَنَّ مَكَّةَ وَالكَعْبَةَ بِدَوْرِها عَزَّزَت مِن مَكانَةِ قُرَيْشٍ وَتِجارَتِها، وَعَزَّزَت تِلْكَ المَكانَةَ المُجْتَمَعَ القُرَيشِيَّ بِاِعْتِبارِهِ مُجْتَمَعَ تُجّارٌ تَفَوُّقٍ عَلَى كُلِّ أعراب الجَزِيرَةِ المُحِيطَةِ، وَجُنْحٍ لِلسِلْمِ ولا يركن إِلَى الحَرْبِ وَالغَزْوِ إلا دِفاعاً، بَلْ وَقَدْ قِيلَ إن قُرَيْش لا تحسن القِتالُ، وإن قاتَلَت خَسِرَت ( فَقَدْ خَسِرَت ثَلاثَ حُرُوبٍ مِن حُرُوبِ الفُجّارِ الأربعة) وَعَزَّزَت تلك الحالة مِن حَضَرِيَّةِ المُجْتَمَعِ عَلَى أَنَّ ذٰلِكَ كا يَتَطَلَّبُ التَوافُقَ وَالتَصالُحَ بَيْنَ البُطُونِ وَالفُرُوعِ وَالبُيُوتاتِ القُرَشِيَّةِ وَضَمانَ أمن وَسَلامَةَ الجَمِيعِ سَواءٌ سُكّانُ البَطاحِ أَوْ الظاهِرِ، بَلْ كافَّةُ القَبائِلِ البَدَوِيَّةِ الَّتِي كانَت تأتي فِي الأشهر الحَرَمِ لِزِيارَةِ أصنامها الَّتِي ذَكَرْنا أنها بَلَغَت أَكْثَرَ مِن 360 صِنَماً كما ذكرنا سابقا وَلِتَحْقِيقِ ذٰلِكَ عَقَدَت الكَثِيرَ مِن الأحلاف فيما بين مُخْتَلِفَ البُيُوتاتِ القُرَيشِيَّةِ وَغَيْرِ القُرَيشِيَّةِ ، وأن كانت تلك التحالفات أيضا لحماية تلك البيوتات في صراعها مع الاخرين وَلَعَلَّ مَنْ أأهَم تِلكَ الاحلافْ:
#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قريش
-
مكة وقريش يثرب والانصار الحلقة الثالثة
-
مكة وقريش يثرب والانصار الحلقة الثانية
-
مكة وقريش يثرب والانصار الحلقة الاولى
-
دراسات اخرى عن البدو الحلقة الثانية
-
دراسات اخرى عن البدو
-
علي الوردي والبدو
-
محمد عابد الجابري عصبية ابن خلدون الجزء الثاني
-
محمد عابد الجابري عصبية ابن خلدون الجزء الاول
-
ساطع الحصري وابن خلدون
-
العصبية القبلية عند البدو
-
أبن خلدون ومقدمته الجزء الثاني
-
ابن خلدون ومقدمته الجزء الاول
-
البدو
-
الحواضر اليمنية الشمالية الجزء الاخير
-
الغساسنة آل جفنة
-
المناذرة والغساسنه الجزء الاول
-
دولة تدمر
-
الحواضر العربية الشمالية
-
الجزء الثالث المدنيات العربية
المزيد.....
-
ذكرى مذبحة الثوار.. شراكة الدم بين الجيش والإخوان في السودان
...
-
الرياض تستضيف اجتماعا لوزراء خارجية دول عربية وإسلامية لبحث
...
-
لبنانيون مسيحيون يرفضون إخلاء قراهم في جنوب لبنان رغم الأوام
...
-
لبنان: في سهل البقاع.. قرية مسيحية تصبح ملجأً للنازحين الشيع
...
-
رغم هدف الأساقفة قلة تفرض شرط تزويج الأزواج من نفس الجنس
-
هكذا يودع المقدسيون شهر رمضان المبارك هذا العام- لا صلاة ولا
...
-
السعودية تستضيف اجتماعا لدول عربية وإسلامية في الرياض لبحث أ
...
-
الإمارات تمنع إقامة صلاة عيد الفطر في الأماكن المكشوفة وتقرر
...
-
الأزهر يطالب إيران بوقف فوري وغير مشروط لاعتداءاتها على دول
...
-
المقاومة الإسلامية في العراق تعلن عن تنفيذ 47 عملية قصف
المزيد.....
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|