|
|
ابن خلدون ومقدمته الجزء الاول
عصام حافظ الزند
الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 18:50
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن)
ابن خلدون ومقدمته البدو أقدم من الحضر، وسابقﹲ عليه يستنج ابن خلدون (في الباب الثاني من "أن البدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم، العاجزون عما فوقه، وأن الحضر المعتنين بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم. ولا شك أن الضروري أقدم من الحاجيّ والكمالي، وسابق عليهما لأن أول مطالب الإنسان الضروري، ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلا، فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة..... ومما يشهد لنا أن البدو أصل للحضر ومتقدم عليه، أنا إذا فتشنا أهل مصر من الأمصار وجدنا أولية أكثرهم من أهل البدو الذين بناحية ذلك المصر (وفي قراه، وأنهم أيسروا فسكنوا المصر) وعدلوا إلى الدعة والترف الذي في الحضر، وذلك يدل على أن أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة، وأنها أصل لها" (الباب الثاني الفصل الثالث ص 127) (وهذه الفكرة تحتاج إلى مناقشة وهي غير صَحِيحَة خاصة في ظل تطور المعارف وعمليات الاركيولوجيا). إن ذلك التقسيم العام بين البدو والحضر يقسمه ابن خلدون إلى درجات أكثر تفصيلا فالبدو المنتحلون للمعاش الطبيعي "أما من كان معاشهم الإبل" فهم أكثر ظعنا وأبعد في القفر مجالا وهم أشد الناس توحشا، وينزلون من أهل الحواضر منزلة الوحش غير المقدور عليه والمفترس من الحيوان العُجم، وهؤلاء هم العَرَبُ" ومن كان معاشه في السائمة مثل الغنم والبقر فهم ظُعن في الأغلب لارتياده المسارح الطيبة، ولا يبعدون في القفر وهؤلاء مثل البربر والترك وإخوانهم من التركمان والصقالبة، وأخيرا الممتهنون للزراعة وهم من عاشوا على أطراف البادية كما يقسم الحضر أيضا إلى درجات حسب المستوى الصناعي أو الإنتاجي (يلاحظ الفصل الثاني من الباب الثاني المقدمة 126) قد يبدو تفسير ابن خلدون لأول وهلة مقبول؛ لأنه منطقي ومستجيب مع أسلوب الحياة وطموحات الإنسان منذ الخليقة، ولكن التمعن في هذا التفسير لا يقود إلى القناعة التامة فالسؤال الأول يمكن أن يطرح، ولكن من أين جاء البدو أصلا ولم إذا اتخذوا ذلك الأسلوب من الحياة (الشديد القسوة والمشقة) كما أن هناك مجموعات بشرية عاشت منذ البداية على ضفاف الأنهار وأحواض المياه فكيف يكون البدو سابقين لوجودهم وهناك اعتراض آخر وهو الأهم في نظرنا المتمثل في أن ابن خلدون في إقرار ذاك يعتبر أن البداوة مرحلة أو تشكيلة اجتماعية تمر بها البشرية كلها قبل انتقالها إلى الحضارة (أعلم أن هذه الأطوار طبيعية للدول..... فطور الدولة من أولها بداوة.......... فصار طور الحضارة في الملك يتبع طور البداوة ضرورة...... هذه المقتطفات وغيرها الكثير ينظر في كثير من الفصول في المقدمة، ومنها مثلا الباب الثالث الفصل الخامس عشر في انتقال الدولة من البداوة إلى الحضارة) وذلك ما يسميه طه حسين "قانون الأطوار الثلاثة"(كل مجتمع سياسي مهما يكن شكله يحكمه قانون هو القانون الأساسي لمذهب ابن خلدون الاجتماعي، وهو ما يمكن تسميته قانون الأطوار الثلاثة" (الدكتور طه حسين فلسفة ابن خلدون الاجتماعية تحليل ونقد مطبعة الاعتماد 1925 ص 82) أما الدكتور علي الوردي فإنه يخالف ، وهو محق في هذا الأمر فهو لا يعترف أن البداوة مرحلة اجتماعية تمر بها جميع الأمم قبل دخولها مرحلة الحضارة أنه يذهب إلى أن البداوة نظام اجتماعي لا ينشأ إلا في الصحراء وهو لا يتغير، ولا يتطور ما دام باقيا في الصحراء، بل إنه يذهب إلى وصف تونبي للبداوة، ويقول بأنها "حضارة مجمدة"( أن اقتباس الدكتور على الوردي لهذا التشخيص غير دقيق تماما مع قربه من وصف تونبي، فقد ذهب توتنبي وحسبما تحققنا إلى أنه قال إن البداوة مجتمع بلا تاريخ (Nomadism is essentially a society without a history A STUDY OF HISTORY ARNOLD J. TOYNBEE OXFORD STR.169) وقد ذهب الدكتور طه باقر في ترجمته لهذا المؤلف إلى التعبير الصحيح مجتمع بلا تاريخ (ينظر أيضا تونبي بحث في التاريخ ترجمة الدكتور طه باقر ص 313) (الدكتور علي الوردي دراسة في طبيعة المجتمع العراقي مطبعة ثامن الحجج -عليه السلام- ص 17 وما بعدها ثم إلفصل الثاني ماهي البداوة ص 34) وفي موقع آخر من دراسته يعد تونبي حضارة البدو من الحضارات الثلاثة "المتوقفة" "arrested "الى جانب البولينيزية والاسكيمو( ينظر المبحث الرابع تدهور الحضارات او توقفها بالعربية 429 ومابعدها والاصل الإنكليزي 244 ومابعدها) وفي كل الأحوال فإن ذلك يعني أنها لا تتغير إلا ببطء شديد حتى وإن انتقلت إلى المدن أو ضواحيها، وهذا الرأي في تقديرنا أقرب إلى الصواب، ويعزز هذا الاعتقاد أن المنظومة الفكرية الأخلاقية الأساسية للبدو لا تزال موجودة إن لم نقل مزدهرة في البلدان التي شهدت وتشهد موجات وتوطن البداوة. ونظرة على عراق اليوم من حيث القيم الاجتماعية والثقافية، بل وحتى العمرانية تؤكد ذلك. كما أن مونجمري وات في الكتاب المترجم له "البدو " هو الاخر يذهب إلى رأي معاكس تماما لرأي ابن خلدون، إذ يقول "إن العدد الضخم من المواقع الأثرية التي لم يرتدها بعد أحد في الصحراء العربية، ثم اتساع نطاق الجفاف منذ استخدام الجمل لأول مرة، والإشارات التاريخية في المصادر الأدبية للعصر الجاهلي، تدل على أن جل البدو من العرب ينحدرون من صلب فلاحين وتجار وأصحاب قوافل انصرفوا إلى الرعي إبان القرون الأولى من هذا العصر بسبب كساد الأعمال وجدب الأرض ِأنهم في هذا شأن رعاة البقر والمشتغلين بالرعي في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا الذين ينحدرون من صلب أناس من أهل الريف والحضر أفادوا من الأراضي التي اكتشفت حديثا، وتنحصر الفترة، التي تطورت خلالها الحياة البدوية العربية وتبلورت، بين عصر المسيح وعصر محمد (ص)"وهو رأي قد يقترب من راي ارلوند تونبي في بعض عناصره كما سنأتي عليه (مونجمري وات البدو لجنة ترجمة دار الكتاب اللبناني بيروت ص 11) لقد بحثنا قدر ما تيسر لنا من مصادر وهي كثيرة ومهمة في هذا المجال، ولم نجد ما يثبت أصل البدو إلا اليسير الذي سنأتي عليه بمعنى لماذا تميزوا عن باقي العرب في الحواضر العربية وأساسا لماذا اختاروا الصحراء موطنا والتنقل المستمر أسلوبا للحياة من أجل العشب والماء ولماذا تميزت أخلاقهم وقيمهم الاجتماعية سلبا وإيجابا عن عرب الحواضر، فليس من المنطق أن يكون الإنسان أولا في القفر فالحياة دائما وجدت عند المياه على أقل تقدير. لست من أنصار العودة إلى المثيولوجيا لتفسير أو للكشف عن الحقائق التاريخية مهما كانت، ومنها أصل الأقوام أو فيما يتعلق بالحضارات (وفي هذا أنا بالضد من ابن خلدون، والذي آمن بالخوارق والمعجزات وبل، وجعل لها مكانة خاصة في مقدمته، وبنى عليها الكثير من استنتاجاته ولو أنَهُ أحْيانا ينكرها كما في سبب سحنة سواد أهل السودان) ومن هنا فإننا لا نعير اهتماما لقصة هابيل الراعي ابن آدم مع أخيه قايين (قابيل) المزارع إلا بالقدر الرمزي الصراع الحضاري والأدبي الممتع والتجسيدي لفعل أو حدث ما لتلك الأسطورة كما يشمل نفس الأمر الاهتمام ذاك كل القصص الأسطورية الأخرى التي بنيت بصورة مباشرة أو غير مباشر على تلك الأسطورة، ولا ننظر إلى أسطورة الخليقة ومعارك الإله مردوخ مع تيامة إلا باعتبارها أعمالا أدبية كبيرة يصل فيها الخيال إلى مدايات لم يصلها حتى اليوم، وإن كانت تمدنا بالتاريخ والرمزية، وتعيننا على التفسير أنها هنا مثلها مثل الشعر العربي الذي اعتبر ديوان العرب، فكل الباحثين بمن فيهم أعداد مهمة من المستشرقين اعتمدوا على الشعر لتعزيز هذا الرأي، أو ذاك بل ولشرح نمط الحياة أو حتى التواريخ مع ذلك، فأنا أميل إلى التفسيرات الاستنتاجية المبنية على العلم والاستكشافات المعرفية، ومن هنا نقبل بشكل واثق اكبر تفسير أرنولد توينبي (ارلوند تونبي في مؤلفه بحث في التاريخ ترجمة وتعليق طه باقر الوراق للنشر المبحث الثاني ص 125 وتكوين الحضارة المصرية 148-149 وفي فقرات أخرى وفي أصله الإنكليزي ص 68 وما بعدها) والذي يقول بأن منطقة سهوب افراسيا (أفريقيا وآسيا) والتي تمتد من جزيرة العرب إلى أفريقيا الشمالية لم تكن منطقة صحراوية (الامتداد الصحراوي الحاضر واضح، ولا يفصله سوى شق البحر الأحمر، وتعد هذه المنطقة من أكبر المناطق الصحراوية على الكرة الأرضية تبلغ مساحة الوطن العربي بحدود 14 مليوناً كم مربع نسبة الصحراء فيه أكثر من 90%) بل إنها كانت منطقة شديدة المطر فيما سبق نتوقع فيها المروج والغابات والمراعي والحيوانات المختلفة، وأنها لم تبدأ بالتصحر، إلا بعد انزياح الدور الجليدي نحو الشمال، وأن هذا الحدث أجبر سكان افراسيا (كما يشير إلينا "الاركيولوجيون")على أن يتخذوا قراراً بتغيير نمط الحياة، فانقسموا إلى فريقين أساسين الأول اتجه إلى أحواض الأنهار المجاورة (النيل، ما بين النهرين) وامتهن الزراعة والاستقرار، ومن هنا بناء الحضارات والمجموعة الثانية لم ترغب في ترك المنطقة أي تغيير موطنها، فمارست الرعي مدجنا حيوانات معينة تعينه على الحياة والتنقل في آن واحد وهم أهل الوبر، والذين ارتبط تاريخهم بتدجين الإبل، وأصبح متنقلا وراء العشب والماء في موطنه الأول راضين بعيش فقير، وهذه الفئة هي التي شكلت، أو تشكل منها البدو "الموغل في القفر على حد تعبير ابن خلدون"أي أنهم قاموا بتغيير أسلوب حياتهم في ظل البقاء في موطنهم، ولكن تونبي يقول أن هناك مجموعة ثالثة في تلك الأثناء التحول إلى الجفاف والتصحر وهم المجموعة التي رفضت أن تبدل موطنها ولا أن تبدل أسلوب حياتها، فكان مصيرها الهلاك" (وفي هذا الاستنتاج الأخير يحتمل أن نجد أيضا إجابة مقبولة للعرب البائدة التي تحدث عنها الكثير وأشرنا إليها مثل طسم وجديس وعبيل وجرهم و العماليق غيرهم، والذين تعددت التفسيرات بسبب إبادتهم) وهو نفس الأمر الذي جرى في أوراسيا وطبعا، فإن ذلك حدث إبان طور العصر الحجري والتجمعات البدائية. أو ما يعرف بالعصر الجليدي الرابع، ويؤيد هذا الرأي الكثير من الباحثين مثل شايلد وكريمر الذي سبق أن أشرنا إليه وبذلك، وفي موقع آخر يعود بنا تونبي إلى رمزية الأساطير، ويذكر خروج آدم من الجنة، ومن ثمة الخصومة بين قايين وهابيل ترمز إلى تلك التحولات وهنا يستعيد مبدأ أن تلك القصص الخيالية ملأى بالتاريخ ("لقد قيل إن من يشرع في قراءة الإلياذة على أنها تاريخ يجدها ملأى بالخيال، ولكن يصح القول أيضا أن من يشرع في قراءتها على أنها خيال يجدها ملأى بالتاريخ، وتشبه جميع التواريخ الإلياذة إلى الحد الذي لا تستطيع فيه "هذه التواريخ" أن تستغني عن عنصر الخيال بالمرة" (تونبي فقرة التاريخ والعلم والقصة المصدر السابق ص 104 والأصل الإنكليزي43) إذن، فهذه الأساطير مدّتنا بالتاريخ، ومن أجل ذلك وبالرمز الذي يساعد على الاستنتاج والعلم، ولكن يجب أن لا نذهب بعيدا، حتى نصدق بأحداث وشخوص الأسطورة. ونتبنى أحداثها على أنها كانت فعلا، أو ما يشبه ذلك، وإن على سبيل المعجزات، وأن بعض الباحثين وحتى الغربيين منهم يبنون نظرياتهم، ويؤكدونها فقط لأنها وردت في أحد الكتب المهمة أو المقدسة. وفي هذا السياق نشير الى أن سيغموند فرويد كان قد كتب في كتابه الطوطم والتابوالصادر عام 1913 الى "أن الأسطورة ملأى بالرموز التي وان فسرت زودتنا بفهم عميق لنفس الانسان" (الطوطم والتابو سيغموند فرويد ترجمة بو علي ياسين دار الحوارللنشر والتوزيع ص 16) إن رأي تونبي وبُحُوث مونجمري ساعدتنا على الأقل في التعرف على الكيفية الأكثر منطقية التي تكون، أو نشأ فيها البدو كشكل اجتماعي ارتبط بالصحراء والقفر. ولكن هناك جوانب أخرى لغوية من التاريخ تساعدنا على معرفة من هم البدو؟ من أهم الدراسات التي تتبعناها في ذلك هي دراسات تتعقب لفظة البدو وكيف استخدمت للدكتور جواد علي في مؤلفه المفصل وكما أوردنا منه في فصولنا الأولى بعض المقتطفات، نورد هنا ما يؤكد نواحي أخرى لتاريخ البدو فيقول أن لفظ أعراب كان يقصد منه البدو "الآشوريين "يقصدون بكلمة (عربي) على اختلاف أشكالها بداوة ومشيخة كانت تحكم في أيامهم البادية تميزا لها عن قبائل أخرى كانت مستقرة في تخوم البادية" ووردت في الكتابات البابلية جملة (ماتواربي)Matu Arabaaiومعنى (ماتو) (متو) ارض فيكون المعنى أرض عربي، أي أرض العرب أو بلاد العرب، إذ قصد بها البادية وكانت تحفل بالأعراب" (د. جواد علي المفصل الجزء الأول ص 17) وإن ذكرنا ذلك سابقا واشرنا الى هذا الموضوع في فقرات أخرى. وبهذا المعنى أي معنى البداوة والأعرابية والجفاف والقفر وردت في اللفظة في العبرانية، وفي لغات سامية أخرى، وإذا راجعنا المواضيع التي وردت فيها كلمة عربي وعرب في التوراة نجدها بنفس المعنى، ففي سفر (أشعياء) نراها استعملت بمعنى بداوة وأعرابية (ولا يخيم هناك أعرابي) و(وحي من جهة بلاد العرب، في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين) فقصد بلفظة عرب في هذه الآية الأخيرة البادية موطن العزلة والوحشة والخطر، ولم يقصد بها قومية وعلمية لمجلس معين بالمعنى المعروف المفهوم. وبنفس المعنى في وردت في إصحاح (أرميا) وكما في العبرانية وادي العربة ومعنى وادي الجفاف (عربة بالعبرانية الجفاف) وهكذا أيضا في الكتابات اليونانية، وكذا الأمر في الكتابات العربية الحضرية سواء منها النصوص الجنوبية أو الشمالية (اعرب ملك حضرموت) أي واعراب ملك حضرموت وأخيرا، فإن القرآن "النص الوحيد الذي وردت فيه لفظة (العرب) علما على العرب جميعا من حضر واعراب" بدو، ونعت فيه لسانهم باللسان العربي هو القرآن الكريم {وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195)} (47/26 سورة الشعراء مكية عدد الآيات 227 عدا 197،224،227 الآيات 192-195) بل إننا وحتى الآن لا نزال ننعت أهل البادية بالعرب، وهو تميز عن الحضر، ولكنه وصف للقومية (يقدم الدكتور جواد علي شرح طويل وفعلا مفصل وممتع لهذا الموضوع في الجزء الأول من مؤلفه المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام نوصي بالعودة إليه) كما أن مونجمري وات يذكر بأن "تاريخ البداوة في الجزيرة العربية يرتبط "ارتباطا وثيقا بكلمة أعراب، وكانت هذه الكلمة لا تطلق في اللغات السامية والعصور الجاهلية إلا على سكان المناطق البدوية والواحات شمال الربع الخالي، وكانت تدل على الأخص على البدو الذين يستخدمون الإبل، وإن كان معناها ينسحب أيضا إلى سكان الواحات، بل أن محمدا (ص) لم يطلق كلمة أعراب إلا على البدو، وانفرد الإغريق بنقل اللقب إلى شبه الجزيرة العربية بأسرها"(مونجمري وات البدو دار الكتاب اللبناني بيروت ص 87-88). وأخيرا، فإن ابن خلدون نفسه في مقدمته استخدم كلمة العرب أو "الأعراب" بمعنى البدو، وهذا ما أدى إلى (كما يذكر ساطع الحصري) إلى الالتباسات، وإلى أحيانا فهم خاطئ لابن خلدون بل اعتبره القوميون معاديا للعرب، وأدى ذلك بالتالي إلى تشديد الهجوم عليه (أبو خلدون ساطع الحصري دراسات عن مقدمة ابن خلدون طبعة موسعة دار المعارف بمصر 1953) (ويقوم الحصري بشرح وافي، ويعيد كتابة مقالة سبق أن نشرها عندما جرى الهجوم في إحدى المناسبات في بغداد على ابن خلدون تراجع الصفحة 151، وما بعدها في كتابه) ونعود من جديد إلى مونجمري وات في دراسته البدو حيث يشير إلى معلومات مهمة في هذا الموضوع فيقول: "أعتقد أن في وسعنا أن نستنتج أن "قائمة الشعوب" نقصد "بني يقطان" الشعوب الزراعية في جنوب الجزيرة العربية، وأرى أن ما ورد في سفر التكوين يدل على أن البدو الذين كانوا يركبون الجمال في وسط الجزيرة العربية وشمالها الغربي قد فهم أنهم أبناء يشماعيل، (اسماعيل) وقد جاء في سفر التكوين، وفي سفر القضاة "وسكنوا بنو يشماعيل من حويلا إلى شور، التي أمام مصر حينما تجيء نحو آشور" (سفر التكوين إصحاح 25 / 16- الكتاب المقدس 18) ويبدو أنهم عاشوا في مثلث السهب الصحراوي بين الأقاليم الزراعية في جنوب الجزيرة العربية (خولان) ومصر وآشور ..... "إن البداوة العربية رهن باستئناس الجمل (في حدود 1100ق م) الذي يتيح للبدو أن يعتمدوا في معيشتهم تماما على قطعانهم من الجمال، يشربون لبنها ويطعمون من خاثره، ويأكلون من لحمها ويظعنون في أقاليم لا يعيش فيها سوى الجمل، ويقومون برحلات سريعة تستغرق عدة أيام، إذا دعت الحاجة في صحراء خالية من الماء". (مونجمري وات البدو ترجمة دار المعارف الإسلامية دار الكتاب اللبناني-بيروت ص 70-71) إن ما أورده مونجمري يقترب بطريقة أو بأخرى ما جاء به تونبي وهو الرأي الأصوب فيما نراه؛ لأنه معلل علميا واركولوجيا ولا يعتد بالقصص الخرافية والقيل والقال والتاريخ الشفوي الذي يعتمد عليه الكثير من ذوي الشأن وغيرهم من العرب خاصة من أجل إثبات هذا الرأي التاريخي القومي أو الديني. إن تلك الاستنادات تساعدنا في أن نصل إلى أمر هو أن أصل البدو هو نفس أصل العرب ككل أي أنهم من الأقوام السامية (وجدت من الباحثين من يرجع أصل العرب ليس إلى السامين، بل يقول إنهم أقوام كما يسمونهم سائية، وذلك لغلبة حرف السين في كلامها تميزا لها عن الأقوام الحائية، أي التي تكثر من لفظ الحاء في كلامها وهو يرجع أصل العرب شعوبا وقبائل شمالية وجنوبية إلى أن مصدرها الهند، ولا نناقش في هذا الرأي لأننا لم نجده شائعا إضافة إلى ضعف استناداته وأشرنا في مواضع أخرى إلى بعض الآراء أخرى في أصل الساميين والعرب) (انظر مثلا، أحمد عبد الباسط حسن كتاباه دراسات في تاريخ سكان الجزيرة العربية في العصور القديمة وكتابه التاريخ السياسي والحربي لسكان الجزيرة العربية من البدو العرب) ومن ثم، فإن الاتفاق والاختلاف في أصول العرب تمثل (الحضر والبدو)ولذلك يرجع اختلافهم في أسلوب العيش وإنهم في الأصل واحد، لكن التغيرات المناخية في المنطقة أدت إلى التفرق إلى جماعات وهجرات، واتخذت كل مجموعة نمط الحياة الذي ميزه عن الآخر ومن هنا تربى اجتماعيا وفق معطيات البيئة إن صح التعبير، وعليه نؤكد مجددا أن ما أشار إليه تونبي يكاد يكون مقبولا، تماما ضمن ما يتوفر لدينا من معلومات عن هذا الموضوع حتى الآن. وبعد أن يحدد ابن خلدون في أن البدو أقدم من الحضر، وسابق عليه وأن البادية أصل العمران (يستخدم ابن خلدون مصطلح العمران، ويعني به الاجتماع) وهذا ما يفهم من خلال كل استخداماته في المقدمة وأبوابها وفصولها، وهذا أيضا ما يؤكده ساطع الحصري حيث يقول "إن ابن خلدون استعمل الكلمة المذكورة (يقصد العمران) بمعنى الاجتماع عموما ولهذا السبب كثيرا ما قرن تركيب "العمران البشري "بتركيب" الاجتماع الإنساني" (ساطع الحصري دراسات عن مقدمة ابن خلدون طبعة موسعة در المعارف بمصر 1953 ص 148) في الفصل الثالث من الباب الثاني ينتقل إلى تحديد خواص البداوة في الفصول اللاحقة
#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
البدو
-
الحواضر اليمنية الشمالية الجزء الاخير
-
الغساسنة آل جفنة
-
المناذرة والغساسنه الجزء الاول
-
دولة تدمر
-
الحواضر العربية الشمالية
-
الجزء الثالث المدنيات العربية
-
الجزء الثاني من المدنيات العربية
-
المدنيات العربية
-
العرب قبل الاسلام (2)
-
العرب قبل الاسلام الحواضرالعربية
-
من يحكمنا
-
الاسلام والبداوة
-
الأمن الوطني العراقي يصادر كتابي -البدو والإسلام جذور التطرف
...
-
أخسر صفقة من أبي غبشان
-
كُتُبَنا كَثِيرَة مَعأرِفُنا قَلِيلَة
-
مربط الفرس
-
ألويس موسيل
-
جذور المشكل العراقي
-
الأحابيش من قريش الى فارس
المزيد.....
-
الاحتلال يعتقل 18 فلسطينيا من الضفة ويهدم مباني بسلفيت وجنين
...
-
الفاتيكان يؤكد زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر بين
...
-
حذف العبارات الدينية من سيارات نقل الأموات بالمغرب يثير جدلا
...
-
كيف وجدت أميركا نفسها إلى جانب الإخوان في اليمن؟
-
الجامع الكبير بصنعاء.. روحانية رمضان تعانق عبق التاريخ
-
مصر.. قرار حكومي بإنشاء كلية للقرآن الكريم بطلب من شيخ الأزه
...
-
جامع الجزائر.. قبلة للصلاة والدروس الدينية ومعلم سياحي
-
في ذكرى مجزرة الحرم الإبراهيمي.. هوية إسلامية راسخة في قلب
...
-
الثامن من رمضان.. دولة الإسلام الأولى تتحدى القوى الكبرى
-
نتنياهو: نشكل تحالفا إقليميا جديدا لمواجهة إيران والإخوان ال
...
المزيد.....
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|