|
|
البدو
عصام حافظ الزند
الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 18:51
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن)
وقال ديفرجيه:" قدْ يَكُونْ أَظْهَر مافي ألأعراب هو أنهم جماع الأضداد، فالنهب والكرم، والسلب والجود، والقسوة والنبل...وغيرها من الصفاتْ تدعو الى المقت والإعجاب في وقت واحد غوستاف لوبون حضارة العرب ص75 وقد قالت العرب افصح من ذلك"نّهابْ وَهّاب"
بَدْوُ نَجْدٍ وَالحِجاز
قَدَّمنا فِيما سَبَقَ بَعْضُ التَعْرِيفاتِ العامَّةِ، وما يتعلق بِمُقَدِّماتِ أولية عن العَرَبِ، وَأَشَرْنا مِن خِلالِها إِلَى البَدْوِ فِي الفُصُولِ الأول والثاني، والتي أردنا مِن خِلالِها أَنْ نُبَيِّنَ أَنَّ هُناكَ "إن صَحَّ التَعْبِيرُ" عُرْبانَ العَرَبِ الحَضَرِ وَالعَرَبِ البَدُوَ (الدكتور طه حُسَيْن فِي أطروحته فَلْسَفَةَ اِبْنِ خَلْدُونَ الاِجْتِماعِيَّةِ نَقْدٌ وَتَحْلِيلٌ عَلَى أهمية وَرَصانَةُ هٰذِهِ الدِراسَةِ، فإنه بِحَسَبِ رأينا وَقَعَ فِي الغالِبِ بِسُوءِ فَهْمِ اِبْنِ خَلْدُونَ فِى بَعْضِ الجَوانِبِ فَاِبْنٌ يَخْلُدُونَ فِي مُقَدِّمَتِهِ يَتَحَدَّثُ فِيها عَن العَرَبِ البَدْوِ فِي الغالِبِ، فِي حِينِ أَنَّ طٰهٰ حُسَيْن اِعْتَبَرَهُ أحيانا يقصد جَمِيعَ العَرَبِ، وَرَغْمَ أَنَّ هٰذا الأَمْرَ وَقَعَ فِيهِ بعض الشيء الكَثِيرُ مِمَّنْ بَحَثَ اِبْنَ خَلْدُونَ، غَيْرَ أَنَّ ساطِعَ الحَصْرِيِّ شَرَحَ هٰذا الأَمْرَ بِصُورَةٍ واضحة وَهُوَ ما أعاننا إِلَى هٰذا الرأي، وَلا يَزالُ الكَثِيرُ مِن الباحِثِينَ أَوْ الكِتابِ لا يميزون بَيْنَ العَرَبِ وَالأَعْرابِ، وَيُخْلِطُ بَيْنَ قِيَمٍ وثقافة وَتارِيخِ الاِثْنَيْنِ) وَقَدَّمْنا فِي مُخْتَصَرٍ شَدِيدٍ عَرْضاً لِلحَضاراتِ العَرَبِيَّةِ وأصولها وَمُنْجَزاتِها، وأن مِن حَقِّ العَرَبِ الحَضَرِ حَتَّى اليَوْمِ أَنْ يَفْتَخِرُوا بِتِلْكَ الحَضاراتِ فَهُم فِي تارِيخِ مُنْجَزاتِ البَشَرِيَّةِ سَبَقُوا أمما فِي بَعْضِها، وَشارَكُوا أمما فِي بَعْضِها الآخَرِ أعطوا، وأخذوا تَفاعُلُوا وَتَصارَعُوا مَرُّواً بِمَراحِلَ كانُوا فِيها كِبارٌ يَنْظُرُ إليهم بِاِحْتِرامٍ وَمَهابَةٍ يَنْهَلُ مِن عِلْمِهِم، وَيُسْتَفادُ مِن دَوْرِهِم وَيُوصَفُونَ مَن أنهم لَمْ يَكُونُوا دُوَلَ حَرْبٍ، بَلْ دول تجارة وتعاون وحضارة وعمارة، ولكنهم مروا بأزمان ضعف وتمزق وتبعية وبكل اختصار أدوا دورهم في التاريخ القديم بكل جدارة أن نجحوا، وفشلوا على الرغم من قلة المعلومات بشتى مصادرها، والتي توفرت حتى الآن عن ذلك التاريخ وقرئنا وبالدلائل أن هناك ارتباطاً بين قوة المدنية والتطور والبداوة، فكلما زادت عناصر البداوة انحطت المدنية، وعجزت عن البناء والعكس صحيح، فكلما ابتعدت القيم البدوية كلما كان التطور والتفاعل. (طالب الباحث جواد على في مفصله الجهات المسئولة العربية بدعم عمليات التنقيب، وأن تشمل العديد من المناطق التي يعتقد أنها موطن الحضارات العربية، ولكن يبدو أن هناك تجاهلاً أحيانا مقصوداً لأسباب متعددة دينية وسياسية بعدم كشف ذلك الماضي وزيادة المعلومات عنه) ومحاولات البعض زج أجناس أخرى، ونسبهم إلى العرب بهذه الذريعة، أو تلك من أجل تعظيم ذلك التاريخ، نقول في كل الأحوال، فإن التاريخ المحقق وحده كافٍ لنعته تاريخ مشرف للعرب الأقحاح الحضر وهو قد يرقى إلى فترة زمنية تصل إلى ثلاثة آلاف سنة أو حتى ضعف ذلك قبل الميلاد كما أشرنا ولكن العرب الحضر هم ليسوا كل العرب (جواد علي كما سنشير إليه وكذلك لساطع الحصري دراسات في مجال التسمية ما بين العرب والأعراب، ويبدو أن هناك لبساً تاريخي في هذا، فكان المقصود بالأعراب البدو والعرب هم سكان الأمصار، ثم عممت فيما بعد تسمية العرب لتشمل البدو) فهناك العرب البدو،الذين يختلف تاريخهم ودورهم التاريخي في قليل أو كثير عن العرب الحضر، (على الرغم من أغلب الدراسات تنسبهم، وهذا اعتقادنا أيضا إلى نفس نسب العرب أي أنهم ساميون)، بل أن البدو وفي أحيان كثيرة ناصبوا العرب الحواضر العداء وغزوهم (على شعار من تحضر، فسد) ولكن أيضا وفي فترات أخرى تحالفوا مع العرب الحضر (دول المدن التجارية) من أجل توفير الأمان للقوافل التجارية وإقامة محطات عبور وراحة لها، بل وحتى تزودهم بالجمال للقوافل، وعقدوا الأحلاف فيما بينهم من أجل ذلك أو مع تلك المدن والممالك، وأن تلك التحالفات كانت ممكنة في كثير من الأوقات؛ لأن موطن البداوة كانت تحيط به مدن الحضارات من، كل الجوانب عدا جوانب البحر، وكان من مصلحة الجميع التحالف في كثير من الحالات، فطريق القوافل يمر عبرهم (عوضا عن نهبها مكافاة حمايتها) بل وأكثر من ذلك فإن بعض الباحثين يؤكدون أن تدهور تلك الحضارات التجارية أدى أيضا إلى تدهور أوضاع البدو القائمة على الإبل، ويذكر مونجمري أن ذلك حدث في القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد، وهذا ما أدى طبعا إلى زيادة التنازعات والصراعات البدوية والغزو ومهاجمة القوافل كما سنشير إليه في أماكن أخرى.وفي نفس الموضوع يقول الريحاني " سكان البادية يقسمون في الماضي الى قسمين: البدو والعرب، فالبدو غزاة ،والعرب رعاة ولا أَكار بينهم ولا من يتنازل عن الأرض" "( تاريخ نجد الحديث وملحقاته أمين الريحاني ص 243 هنداوي وفي الكتاب الذي عنيت بنشره وطبعه مؤسسة دار الريحاني بيروت الفصل الثامن والعشرون البدو والهجر ص261) إذن لا بد لنا أن نتعرف على هذا القسم من العرب أساسا، الذين نعتقد أنّ قيمهم الاجتماعية هي المغذي الأول للارهاب الذي طبع كل تاريخ المنطقة بما فيه أرهاب اليوم كما أن هناك سببا آخر يدفعنا إلى معرفة البدو ودراستهم بشكل أدق وأكثر تفصيلا اجتماعيا واقتصاديا مما فعلناه مع العرب الحضر هذا السبب المستند إلى حقيقة مهمة نعرفها جميعا وهى أن بزوغ الدعوة الإسلامية كانت عندهم وبينهم وهم المسلمون الأوائل وهم من لعبوا وخاصة بعد سنوات قليلة من بداية نشر الدعوة الإسلامية ( وكانت كل الحواضر العربية آنذاك التي تحدثنا عنها قد سقطت، أو اندرست) لا تتعدى في أحسن أحوالها عقد من الزمان (خاصة بعد وفاة محمد) الدور الأكبر والأهم في نشر الدعوة، بل وفي صياغة فكرها العام في الغالب، ففي زمنهم كتب القرآن و قيل أن اولى المحاولات جرت في زمن أبى بكر، أو أن اولى المحاولات الكبرى الأساسية، والتي يتحدث عنها المسلمون لجمع القرآن جرت في زمن الخليفة عثمان بن عفان الخليفة الثالث، أي بعد 13 سنة من وفاة محمد وقام، كما قيل، بالاستناد إلى نسخة كانت لدى حفصة بنت عمر ابن الخطاب زوجة الرسول وصاحبة القصة المشهورة بإعداد نسخة القرآن، وأنْ قِيلَ غير ذلك أيضا وهكذا نستطيع أن نرى أن تلك المحاولة جرت في ظل سطوة بنى أمية الأكثر بداوة بين قريش. (سنأتي إلى تفصيل الموضوعات وخاصة جمع القرآن والروايات المختلفة في هذا الشأن في فصول لاحقة) وفي زمنهم، وفي سنوات لاحقة كتب الحديث (أكبر جامع للحديث هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبة الجعفي البخاري تولد 193هجرية من بخارى وقصته مع الحديث مشوقة وبعضها يدخل في باب الأسطورة، وعلى العموم فإنه شخصية إشكالية كتب عنها، وانتقدها كثير من الفقهاء من أهل السنة، ومن الشيعة قديما وحديثا (ومؤلفه يعرف بصحيح البخاري) وصحيح أنه لم يكن بدويا، لكن من استند عليهم في الرواية كانوا جمعيا بدو (من بدوى لبدوي لخمسة أو ستة أو حتى سبعة أشخاص "محدثين") وفي نفس السياق يمكن الحديث عن أبى الحسين مسلم بن الحجاج ابن مسلم القشيري النسابوري (صحيح مسلم) وسنن النسائي وسنن أبى داود وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة وابن حنبل هذا ، وصحيح أن كتاب الحديث الأساسيين الستة التي يأخذ بها المسلمون وخاصة السنة كانوا من أصول غير عربية الا أن من اعتمدوا عليهم جميعا في إسناد الحديث كانوا من البدو وعاشوا الدولة الأموية خاصة، إضافة إلى أن للشيعة أحاديثهم، والتي ينسبونها إلى النبي ولهم أيضا أحاديث الأئمة الاثني عشر وخاصة الإمام علي بن أبى طالب والإمام جعفر الصادق، وهم ينزلون هذه الأحاديث بمنزلة الأحاديث النبوية)، وفي زمنهم (زمن البدو) تبلوره وبدأت بالتشكل المذاهب الإسلامية الكبرى (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي ما بين القرن الأول والثاني الهجري) والفرق والجماعات والمدارس الفقهية (الشيعة والخوارج، وما تفرع عنهم من جماعات وفرق اندثرت غالبيتها، وبقى منها جماعات حتى يومنا هذا، وإن اتخذت أشكالا وأسماء أخرى والصوفية ومدارسها المتعددة المعتزلة والكلاميين عموما والظاهرية وغيرهم) وفي زمنهم ومنهم كان الزنج والقرامطة والفاطميين وعلوم التفسير والجرح والتعديل والمغازي وحتى الأنساب العربية دونت في القرنين الثاني والثالث وبصراحة رسمية "إن صح التعبير" كتب بعضها لأغراض تخدم العصبية القبلية وأخرى الاغراض السياسية، أو تملقيه كما يصف الدكتور طه حسين أي باختصار صيغ شكل ومحتوى التاريخ الإسلامي اللاحق، بل وفي زمنهم كتب وأن يسيرا حتى تاريخ الجاهلية وديوانها (الشعر الجاهلي) (لطه حسين بحث مشوق، أشرنا إليه، ومهم بعنوان في الشعر الجاهلى مقنع بما جاء فيه من أسباب اعتباره أن أغلب الشعر الجاهلي منحول، رغم معارضة البعض لتك الآراء كما كتب المستشرق ديفيد صموئيل مرجليوت بحثا في نفس الاتجاه) أي أنهم تحدثوا، وصاغوا مجمل التاريخ قبل وبعد الإسلام، وفي زمانهم حرم وحلل، وكتبت المغازي والسير بل وأشير إلى الناسخ والمنسوخ، بل والجرح والتعديل، وسموا الصحابة، وسردوا مآثرهم"(ألف السيد مرتضى العسكري كتاب في علم الرجال تحت عنوان خمسون ومائة صحابي مختلق عرض فيه أسماء 150 صحابي عرضت مآثرهم، وسير حياتهم ودورهم في حياة الرسول والإسلام، ولم يكن لهؤلاء في حقيقة الأمر وجود) ففي واقع الأمر نريد أن نقول، عوضا عن يسيروا وفق خطوات الدين الجديد الذى أراد تخليصهم من بعض عاداتهم السيئة أنهم سيروا الدين وفق خطواتهم حتى إننا لا نزال نعيش في أفكار وممارسات ذلك التاريخ البدوي الذى استطاع أن يأكل الدعوة والدين الجديد؛ ومن ثم المدينة الحضرية وان يكيّفها وفق مفاهيمه هو لا وفق الدين المكي الجديد، بل وإن في تصرفات وتفكير كل واحد منا، وبعد أكثر من أربعة عشر قرنا (أبناء الشرق وبخاصة المواجهون للصحراء أو أبناء القبائل) وحتى الآن شيء من البداوة الأصلية أو المكتسبة أو عصبيتها (أو تحت جلودنا بدويا صغيرا أو كبيرا نعرفه، أو لا نعرفه نراه أو لا نراه نعترف به أو ننكره وذلك ما سنراه معا في الفصول اللاحقة التي تمثل الموضوع الأساس في الكتاب. في الفقرة السابقة أجبنا أيضا ضمنا على التساؤل لماذا نحدد عرب نجد والحجاز في دراستنا، بل ونجد بالذات والتي استحوذت فيما بعد على الإسلام الذي بدا قريشيا، ولكنه وبالتدريج سيطر النجديون أو قرن الشيطان كما أشار إليها أحد الأحاديث النبوية وهم في الواقع من شكلوا الموجات الجديدة من المهاجرين حيث كانوا القوة الأكبر في الجيش الذي غزا فارس وبيزنطة ""، فهناك قبائل بدوية في اجزاء أخرى من الجزيرة بل إن بعضها ساهم وراس بعض الحضارات التي تحدثنا عنها، ولعل أوضحها حضارة كندة وهناك أسباب أخرى مهمة لتحديدنا مثل الدراسات الكثيرة التي أشارت إلى نجد والحجاز باعتبارهما وعاء أو منبع البداوة الأصلية تاريخيا قبل وبعد الإسلام. فغالبية الهجرات الكبرى من القبائل العربية في العراق أساسا وسوريا والأردن وقبيل الإسلام وخاصة بعده أصلها من نجد والحجاز "(وفي هذا المعنى يراجع غالبية المصادر التي أشارت إلى ذلك، ومنها عباس العزاوى عشائر العراق بأجزائه وجرجى زيدان العرب قبل الإسلام، الدكتور جواد علي المفصل بأجزائه العشرة، وماكس اوبنهايم البدو بأجزائه الثلاثة وابن خلدون المقدمة، أبى المنذر هشام الكلبي جمهرة الأنساب، أحمد أمين في ثلاثيته التي تبدا بفجر الإسلام، الدكتور توفيق برو تاريخ العرب القديم، الدكتور على الوردي دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، والدكتور فليب حتي تاريخ العرب المطول بأجزائه وغيرها الكثير سنوردها في مواقع أخرى") وفليب حتي في مؤلفه في الفصل الثالث وتحت عنوان حياة البدو يقسم سكان الجزيرة العربية إلى قسمين بدو رحل وحضر مقيمين، ومع أننا وبناء على كثير من الدراسات نعتقد أن ذلك التقسيم غير دقيق تماما والأصح هو، على ما نعتقد والحديث عن تلك الحقبة، بدو رحل وبدو مقيمين (اي لم يمارسوا التنقل والترحال) خاصة إذا أخذنا الأساس القيم الفكرية التي تحكم، وهو نفسه في أسطر لاحقة يتحدث عن" الحضر من أنهم بدو سابقين وأحوالهم غامضة، وأنهم لم يخلعوا مظاهرالبِداوَةُ وَهُناكَ مُلاحَظاتٌ أُخْرَى، وَلٰكِنْ يَبْقَى المَسارُ العامُّ لِلمَبْحَثِ سَلِيمٍ يُؤَكِّدُ فِيهِ عَلَى قِيَمِ البِداوَةِ، وَفِي مُقَدِّمَتِها الغَزْوُ وَالَّتِي "فَالبَدَوِيُّ يُصِرُّ عَلَى أَنَّ مِن حَقِّهِ أَنْ يَسْلُبَ ما يَحْتاجُهُ مِن مَوارِدِ العَيْشِ." وَيُشِيرُ إِلَى أنه يُمارِسُ المُقايَضَةَ أَيْضاً، وَهُوَ يُسَمِّى البَدَوِيَّ قُرْصانَ البَرِّ، ثُمَّ يَقُولُ وَالبَدَوِيُّ" بِاعْتِبارِهِ جِنْساً مِنْ أجناس البَشَرِ لا يزال عَلَى حالَتِهِ كَما كانَ بالأمس وَكَما سَيَكُونُ فِي الغَدِ (سَنَتَناوَلُ هٰذِهِ الأَفْكارَ فِي أماكن أُخْرَى كَثِيرَةٍ) وَيَقُولُ إن حَياةَ الصَحْراءِ هِيَ الَّتِي صاغَتْ تِلْكَ القِيَمَ، وَصاغَتْ طَرِيقَةُ تَفْكِيرِ البَدَوِيِّ فَهُوَ لا يَرَى سِوَى مَصْلَحَتِهِ وَمَصْلَحَةِ قَبِيلَتِهِ، وَيُورِدُ حَدِيثاً رَواهُ أبو هُرَيْرَةَ عَنْ أعرابي جاءَ يَزُورُ النَبِيَّ [قامَ رَسُولُ اللّٰهِﷺ إِلَى الصَلاةِ، وَقُمْنا مَعَهُ فَقالَ الأَعْرابِيُّ فِي الصَلاةِ اللّٰهُمَّ ارحمني وَمُحَمَّداً، وَلا تَرْحَمْ مَعَنا أحدا] ولا بأس مِن إكمال الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ التِرْمِذِيُّ فِي مَصْدَرِهِ أعلاه [... فَألْتَفَتَ إليه النَبِيَّ ﷺ فَقّال: "لَقَدْ تَحَجَّرَتْ واسِعاً"، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ تبول فِي المَسْجِدِ، فأسرع إليه الناسَ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: " أهْرِيقُوا عَلَيْهِ سِجِلّاً مِنْ ماءٍ- أَوْ: دَلْواً مِنْ الماءِ"، ثُمَّ قالَ:" اِنْما بَعَثْتُمْ مَيَسِّرِينَ وَلَمْ تَبْعَثُوا مُعْسِرِينَ" ] وَقَدْ قالَ أبو عِيسَى هٰذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ذٰلِكَ هُوَ البَدَوِيُّ الَّذِي تَحَدَّثَ عَنْهُ التُراثُ وَالحَدِيثُ (تَحَجَّرَتْ بِمَعْنىً ضَيِّقَتْ ما وَسِعَهُ اللّٰهُ وَسَجَّلا الدَلْوَ المَمْلُوءَةَ ماءً) (تأكدنا بِدَوْرِنا مِنْ الحَدِيثِ فِي سُنَنِ التِرْمِذِيِّ وَهُوَ الجامِعُ الكَبِيرُ المُجَلَّدُ الأول 111 بابَ ما جاءَ فِي بابِ البَوْلِ يُصِيبُ الأرض ص 148/368) وَيُؤَكِّدُ فليب حَتِّي عَلَى أَنَّ الغَزْوَ لِصُوصِيَّةٍ، وأنه غَدا نَوْعاً مِن الرِياضَةِ القَوْمِيَّةِ، وَنَعْتَمِدُ عَلَى الدكتورِ حَتِّي فِي مَواقِفَ وآراء أُخْرَى فِي مُخْتَلِفِ المَوْضُوعاتِ (عَدَدٌ كَبِيرٌ مِن المُهاجِرِينَ العَرَبِ فِي أوربا وأمريكا يَحْتالُونَ، أَوْ يَتَجَنَّبُونَ الاِلْتِزامَ بِبَعْضِ القَوانِينِ، وَمِنْها مثلا، التِجارِيَّةُ وَالضَرِيبِيَّةِ فِي مُؤَسَّساتِهِم وَحَياتِهِم الخاصَّةِ بِحُجَجٍ مُخْتَلِفَةٍ، دُونَ أَنْ يُفَكِّرُوا بأن ذٰلِكَ مِساساً لِلكَرامَةِ وَالأَمانَةِ وَالقَوانِينِ الَّتِي يُفَسِّرُها وِفْقَ بِداوَتِهِ، أَوْ أنه حَتَّى لا يشغل نَفْسَهُ فِي تَفْسِيرِها (تاريخ العرب (مطول) د/فليب حتي والدكتور أدورد جرجي وجبرائيل جبور الجزء الأول 1949 دار الكشاف للنشر والطباعةص 31 والبحث أيضا في الصفحات قبلها وبعدها) . نَحْنُ نَمِيلُ إِلَى اِبْنِ خَلْدُونَ بِتَحْدِيدِهِ البَدَوِيِّ "الخالِصِ أَوْ الحَقِيقِيِّ وَالأَكْثَرِ تَوَحُّشاً أَهْلَ الوَبَرِ إن صَحَّ التَعْبِيرُ" البَدَوِيُّ المُوغِلُ فِي القَفْرِ كَما يَصِفُهُ، وَالَّذِي سَنَتَحَدَّثُ عَنْ حَياتِهِ وَخَصائِصِهِ فِي هٰذِهِ الدِراسَةِ وَالبَدْوِ الَّذِينَ سَنَتَناوَلُهُمْ فِي الدِراسَةِ هُمْ الَّذِينَ يَقُولُ عَنْهُمْ أَوْ يَصِفُهُمْ أمين الرَيْحانِيُّ" البَدْوُ مُنْذُ القَدَمِ غُزاةً، عُصاةً، عَتاةً، وَلَهُمْ غَرِيزَةٌ دِينِيَّةٌ غَذَّتْها الخُرافاتُ، وَمَطامِعُ تَكادُ تَنْحَصِرُ بالأقوات." (الوصف الكامل للريحاني نذكره في الفصل الأخير) (أمين الرَيْحانِي تارِيخُ نَجْدِ الحَدِيثِ وَمُلْحَقاتُهُ وَعَناوِينُ فَرْعِيَّةٌ أُخْرَى المَطْبَعَةُ العِلْمِيَّةُ لِيُوسُف صادِر –بَيْرُوتُ 1928 ص 232 أو نفس العنوان ص 241 هنداوي) فِي البِدايَةِ لا بد مِن الإشارة كرة أخرى للتأكيد ولأهمية ذٰلِكَ لِمَعْرِفَةِ صُعُوبَةِ دِراسَةِ مِثْلِ هٰذا المَوْضُوعِ مِن الاِسْتِعانَةِ بِوَصْفِ المُحامِي وَالمُؤَرِّخِ عَبّاس العَزْواي، وَالَّذِي يَقُولُ "إن المَراجِعِ التارِيخِيَّةِ، وإن كانَت كَثِيرَةً إلا أنها قَلِيلَةُ المادَّةِ" (عَبّاس العَزْواي عَشائِرَ العِراقِ الجُزْءُ الأول مَكْتَبَةُ الصَفا وَالمَرْوَى لَنْدَن ص 9) وَالسَبَبُ الأَساسِيُّ أَشَرْنا إليه فِيما سَبَقَ وَالمُتَمَثِّلُ أَنَّ هٰذِهِ القَبائِلَ لَمْ تُسَجَّلْ، وَلَمْ تَتْرُكْ أثر تَسْجِيلِي يَعْتَدُّ بِهِ وَيَكُونُ دَلِيلُنا عَلَيْهِم؛ لأنها لَمْ تَكُنْ تَعْنِى بِالكِتابَةِ، بَلْ إنها لا تعرفها أَصْلاً، بَلْ وَتَحْتَقِرُها خاصَّةً قَبْلَ الإِسْلامِ، كَما أنها لَمْ تَكُنْ مُسْتَقِرَّةً لِتَبْنِيَ بَعْضِ العُمْرانِ أَوْ حَتَّى المَعابِدِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَدِلَّ مِنهُ الباحثين وَالاثارِيَيْنَ (القَبِيلَةَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤَسِّسَ المَدِينَةَ قَبْلَ أَنْ تَتَّخِذَ شَكْلَ الدَوْلَةِ المُنَظَّمَةِ وَتَجْتَمِعَ قُوَّتُها فِي الحُكُومَةِ (طٰهٰ حُسَيْن فَلْسَفَةُ اِبْنِ خَلْدُونَ الاِجْتِماعِيَّةِ تَحْلِيلٌ وَنَقْدٌ مَطْبَعَةُ الاِعْتِمادِ بِشارِعِ حَسَن الأكبر بِمِصْرَ ص140 الطَبْعَةُ الأولى 1925 وَهِيَ رِسالَةُ الدكتوراه فِي السوربون قامَ بِتَرْجَمَتِها مِن الفَرَنْسِيَّةِ مُحَمَّد عَبْدُاللّٰه عِناق المُحامِي وبإشراف طٰهٰ حُسَيْن نَفْسِهِ ") وإن كانَت لِبَعْضِها أصنام فِي الكَعْبَةِ تَزُورُها فِي أوقات مُعَيَّنَةٍ وَلَرُبَّما عِنْدَما تأتى إِلَى مَكَّةَ لِلتَبَضُّعِ، وأن ما كتب عَن ذٰلِكَ بدأ تَقْرِيباً فِي الغالِبِ فِي القَرْنِ الثانِي الهُجْرَى وما بعده. وَسَنَطَّلِعُ عَلَى أخبارها مِن مَصادِرَ هِيَ الأهم الَّتِي كَتَبَت فِي هٰذا المَوْضُوعِ عِلْماً بأننا سَنُرَكِّزُ عَلَى جَوانِبَ مِن حَياةِ وَقِيَمِ البَدْواةِ، دُونَ أَنْ نَتَطَرَّقَ اِوْنَعْنِي عَلَى سَبِيلِ المِثالِ بِما عَرَضَهُ الباحِثُ الأَلْمانِيُّ ماكْس فرايهير فون اوبنهايم وَنَعْنِي بِهِ الأَنْسابَ وَالشُيُوخَ وَمَناطِقَ تَواجُدِهِم فِي مُؤَلِّفِهِ"البَدُوِ" بَلْ سنأخذ ما سَمّاهُ رُوحَ البَداوَةِ القَدِيمَةِ، وَالَّتِي لا تزال حَيَّةٌ فِيهِم جَمِيعاً،عَلَى عَكْسِ المَدَنِيِّينَ (العَرَبِ الحَضَرِ) أَوْ الفَلّاحِينَ العَرَبِ الَّذِينَ لا ينحدرون مِن قَبائِلَ بَدَوِيَّةٍ قَدِيمَةٍ (البَدْوُ الجُزْءُ الثانِي فِلَسْطِينُ-سِيناءُ-الأردن-الحِجازُ ماكْس فرايهير فون اوبنهايم ارْش برونيلش وَ فرنركاسكل ص 14). بُودنا فِي البِدايَةِ أَنْ نُنَبِّهَ إِلَى مُلاحَظَةٍ عامَّةٍ قَدْ لا تروق لِلجَمِيعِ، وَلٰكِنَّها مِنْ الناحِيَةِ الواقِعِيَّةِ صَحِيحَةٌ تَماماً خاصَّةً فِيما يَتَعَلَّقُ بِالبَدْوِ مَوْضُوعُ البَحْثِ: البَدَوِيُّ"وكما يقول الويس موسيل" بِطَبِيعَتِهِ لا يقدس المَكانَ وَلا الأشياء، وَلا يُؤْمِنُ بِوَسِيطٍ بَيْنَهُم وَبَيْنَ اللّٰهِ وَلَيْسَ لَدَيْهِم أماكن عِبادَةٍ وَهُم فِي الواقِعِ لا يُؤَدُّونَ عُمُومَ العِباداتِ، وَنَسْتَطِيعُ القَوْلَ إنهم مُسْلِمُونَ بِالاِسْمِ (أيْ عَكْسَ سُكّانِ القُرَى) كَما كانُوا قَبْلَ الإِسْلامِ لَيْسَ لَدَيْهِم فِي تَنَقُّلاتِهِم أصنام وَمَعابِدُ، بَلْ كانُوا يَزُورُونَ فِي مَواسِمِ مُحَدَّدَةِ مَعابِدَ فى أماكن مُحَدَّدَةٍ كَما فِي أصنامهم فِي مَكَّةَ، و"البداوة والايمان العميق لايتفقان" كما يقول الدكتور الشيبي (الصلة بين التصوف والتشيع الدكتور كامل مصطفى الشيبي المجلد الأول ص 37ٍ) وَالبَدَوِيُّ لا يُحْتَرَمُ وَلا يَفْتَخِرُ، ولا يضحى إلا عَلَى نَسَبِهِ وَعَشِيرَتِهِ (العَصَبِيَّةِ القَبَلِيَّةِ راجِعْ فَقَراتٍ لاحِقَةً) وَبِالنِسْبَةِ إليه، فإن جَمِيعُ الآخرين هم مادَّةً لِلسَبْيِ (للتأكيد يُلاحَظُ أَيْضاً الوِيس موسيل آل سُعُود ص 55) . وَفِي ذٰلِكَ السِياقِ، وَما يُوَضَحُ أَيْضاً ما سَنَنْقُلُهُ فِي الفَقَراتِ العَدِيدَةِ اللاحِقَةِ أَنْ نَذْكُرَ بِما قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبي طالِبٍ " وَأَعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الهِجْرَةِ أَعْرَباً، وَبَعْدَ المُوالاةِ أَحْزاباً، ما تَتَعَلَّقُونَ مِنْ الإِسْلامِ إِلّا بِإِسْمِهِ، وَلا تَعْرِفُونَ مِنْ أَلْإِيمانَ إِلّا رَسْمَهُ" (نَهْجُ البَلاغَةِ شَرْحُ مُحَمَّد عبده 192 القاصِعَةِ ص 440) وَمِن التَعْرِيفاتِ العامَّةِ المُتَداوَلَةِ كَثِيراً أَنَّ البَدْوَ هُم سُكّانُ البادِيَةِ، وَفِي قامُوسِ لِسانِ العَرَبِ "البَدْوُ هُم ضِدُّ الحَضَرِ"وَالبَدْوِ العَرَبِ هُم بِالأَساسِ سُكّانُ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ وَالصَحْراءِ العِراقِيَّةِ وَالسُورِيَّةِ والأردنية وَصَحْراءُ النَقَبِ، وَمِنهُم مَنْ اِمْتَدَّ إِلَى الكَثِيرِ مِن مُدُنِ تِلْكَ البُلْدانِ كَما يَتَواجَدُ البَدْوُ فِي البُلْدانِ الأُخْرَى بِنِسَبٍ مُتَفاوِتَةٍ وأهم ما يميزهم بِالأَساسِ تارِيخِيّاً هُوَ التَرْحالُ المُسْتَمِرُّ وَراءَ العُشْبِ وَالماءِ، وَقَدْ لا ينطبق ذٰلِكَ التَحْدِيدُ عَلَى البَدْوِ المُهاجِرِينَ، أَوْ الَّذِينَ اِسْتَقَرُّوا فِي المُدُنِ أَوْ ضَواحِيها فِي العَصْرِ الراهِنِ فَهُم لا يعيشون حَياةَ البَدَوِيِّ بشكل كامل، بَلْ أَنَّ البِداوَةَ تَظْهَرُ فِي سُلُوكِهِم وَطَرِيقَةِ تَفْكِيرِهِم وَالعَصَبِيَّةِ بأشكالها لا تزال تَتَحَكَّمُ بِتَصَرُّفاتِهِم (أعضاء بَرْلَمانٍ أَوْ مَناصِبَ رَسْمِيَّةٍ حالَما يَتَعَرَّضُ ما يعتبره اِنْتِهاكاً لَهُ يُطالِبُ فَوْراً بِفَصْلٍ عَشائِرِيٍّ) إن الطَبِيعَةَ الَّتِي تُحِيطُ بِالبَدَوِيِّ هِيَ العامِلُ الأَساسِيُّ الَّذِي صاغَ طِباعُهُ وَعاداتُهُ وَتَقالِيدُهُ أَنَّ صِراعَهُ مِنْ أجل البَقاءِ قاسِياً وَحادّاً؛ وَلِذٰلِكَ فإن مُمارَساتُهُ وَطَرِيقَةُ حَياتِهِ أقرب إِلَى الوَحْشِيَّةِ حَسَبَ رأى الحَضَرِ، وَقَدْ بَحَثَ العَلّامَةُ اِبْنُ خَلْدُونَ ذٰلِكَ فِي مُقَدِّمَتِهِ "وَذٰلِكَ اِنْما اِخْتَصُّوا بِهِ مِنْ نَكَدِ العَيْشِ وَشَظَفِ الأحوال وَسُوءِ المُواطِنِ، حَمَلَتْهُمْ عَلَيْها الضَرُورَةُ الَّتِي عُيِّنَتْ عَلَيْهِمْ تِلْكَ القِسْمَةُ، وَهِيَ لَمّا كانَ مَعاشُهُمْ مِنْ القِيامِ عَلَى الإبل وَنِتاجِها وَرِعايَتِها، والإبل تَدْعُوهُمْ إِلَى التَوَحُّشِ فِي القَفْرِ لِرَعْيِها مِنْ شَجَرِهِ وَنِتاجِها فِي رِمالِهِ كَما تَقَدَّمَ، وَالقَفْرِ مَكانَ الشَظَفِ وَالسَغَبِ، فَصارَ لَهُمْ ألفا وَعادَةً وَرُبِّيَتْ فِيهِ أجيالهم، حَتَّى تَمَكَّنَتْ خُلُقاً وَجَبْلَةً،" (المُقَدِّمَةُ الفَصْلُ التاسِعُ البابُ الثانِي ص 133، وما بعدها) "وَذٰلِكَ أنهم بِطَبِيعَةِ التَوَحُّشِ الَّذِي فِيهِمْ أَهْلُ اِنْتِهابٍ وَعِيثٍ، يَنْتَهِبُونَ ما قدروا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُغالَبَةٍ ولا ركوب خَطِرٍ، وَيَفِرُّونَ إِلَى مُنْتَجَعِهِمْ بِالقَفْرِ، وَلا يَذْهَبُونَ إِلَى المُزاحَمةِ وَالمُحارَبَةِ إلا إِذا دَفَعُوا بِذٰلِكَ عَنْ أنفسهم (الفَصْلُ الخامِسَ وَالعِشْرُونَ البابَ الثانِيَ ص 151) والإشارات وَالشُرُوحَ فِي مُقَدِّمَةِ اِبْنِ خَلْدُونَ عَلَى هٰذا الأَمْرِ كَثِيرَةً وَمُفْزِعَةً وَحَقائِقَ نَراها حَتَّى اليَوْمِ فِي يَوْمِنا هٰذا " وَأَيْضاً فَهُمْ مُتَنافِسُونَ فِي الرِئاسَةِ، وَقَلَّ أَنْ يُسْلِمَ أحدا مِنْهُمْ الأَمْرَ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ كانَ أبوه أَوْ أخوه أَوْ كَبِيرَ عَشِيرَتِهِ، إلا فِي الأقل وَعَلَى كُرْهٍ مِنْ أجل الحَياءِ، فَيَتَعَدَّدُ الحُكّامُ مِنْهُمْ وَالأُمَراءَ، وَتَخْتَلِفُ الأيدي عَلَى الرَعِيَّةِ فِي الجِبايَةِ والأحكام، فَيُفْسِدُ العُمْرانَ وَيَنْتَقِصُ..." (الفَصْلُ السادِسُ والعشرون الباب الثانِي ص 151، وما بعدها) وَلِذٰلِكَ أَنَّ البَدَوِيَّ الَّذِي سَيَكُونُ مَرْكَزُ اِهْتِمامِنا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ هُوَ ذٰلِكَ البَدَوِيُّ الَّذِي بحثه أبن خلدون والذي تَحَدَّثَ عَنْهُ الباحِثُ وَالمُسْتَشْرِقُ التْشِيكِيُّ الوِيس موسيل (وَالَّذِي يَعْتَبِرُهُ أشهر المُخْتَصِّينَ العَرَبِ، مِنْ أَكْثَرِ الباحِثِينَ الأجانب دِقَّةً وَمَعْرِفَةً بِالبادِيَةِ العَرَبِيَّةِ، وَالَّذِي عاشَ لِفَتَراتٍ طَوِيلَةٍ مَعَ بَدْوِ المِنْطَقَةِ وَخاصَّةً قَبائِلَ الرولة الَّتِي كانَتْ تُعَدُّ مِنْ أقوى القَبائِلِ البَدَوِيَّةِ فِي المِنْطَقَةِ، وَلَعِبَتْ دَوْراً مُهِمّاً فِي الأَحْداثِ لِفَتَراتٍ طَوِيلَةٍ : "وَفِي الجِهَةِ الجَنُوبِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ اِنْفَتَحَت المَداخِلُ عَلَى مَمَرّاتِ الهِرْيان (Heriyyan) الثَلاثَةِ، وَالَّتِي كانَ فِي أوسطها يَرْقُدُ جُثْمانَ تُرْكِيِّ بْنِ مَهِيدٍ (Turki eben Mheyd) زَعِيمِ الفُدْعانِ. كانَ هٰذا أخا لِتُرْكِيَّةِ أرملة الراحِلِ الأمير سُطام. وَكانَ جَمِيعُ الغُزاةِ وَاللُصُوصِ يُقَدِّسُونَ قَبْرَهُ. "لِمَإِذا تَحْتَرِمُونَ قَبْرَ تُرْكِي" سالَتْ بِليهان." كُنْتُ أعتقد أنكم لا تُقِيمُونَ التَماثِيلَ لِلعِرابِينَ كَما يَفْعَلُ الحَضَرُ". فأجاب: "نَحْنُ البَدْوُ لَيْسَ لَنا عَرابُونَ مِثْلُ أولئك الحَضَرِ الَّذِينَ يُعْلِنُونَ أننا لَنْ نَدْخُلَ الجَنَّةَ. وَإِذا كانَ لِي أَنْ أقول الحَقَّ فانْنِي أقول لا نَرْغَبُ حَتَّى الدُخُولَ إِلَى الجَنَّةِ حَيْثُ يَسْكُنُ الحَضَرُ. نَحْنُ نُكَرِّمُ تُرْكِيّا لأنه كانَ مَحْبُوباً مِنْ اللّٰهِ. لَقَدْ تَكَفَّلَ بِغَزَواتٍ لا حَصْرَ لَها وَعادَ مِنْها كُلُّها سالِماً بِغَنائِمَ كَثِيرَةٍ، فِي إحدى المَرّاتِ كانَ مَعَ رِفاقِهِ الغُزاةُ يُقاسُونَ مِنْ عَذاباتِ العَطَشِ الهائِلِ فِي الصَحْراءِ. دَعا تُرْكِي وَهُوَ فِي مِحْنَتِهِ قائِلاً"يا اللّٰهُ يا لهى! أشفق عَلَيْنا وأرسل المَطَرَ". تَخَيَّلْ يا موسى ما حدث. لَقَدْ حَقَّقَ اللّٰهُ لَهُ رَغْبَتَهُ، أرسل مِنْ الجِهَةِ الشَمالِيَّةِ الشَرْقِيَّةِ غَمامَةً سَوْداءَ، وأمرها مُلّاكُها أَنْ تَهْطِلَ فَوْقَ رُؤُوسٍ مُرافِقِيٍ تُرْكِي". وَيُعَلِّقَ موسيل عَلَى ذٰلِكَ مَعَ نَفْسِهِ جَهْلُ الأَعْرابِ وَاِفْتِقارُهُمْ إِلَى العِلْمِ بِالشَرِيعَةِ الإِسْلامِيَّةِ. فَهُوَ لا يَرَى قِطَعَ الطَرِيقِ سَيِّئَةً وَلا يُحِبُّ دُخُولَ الجَنَّةِ؛ لأن الحَضَرَ فِيها وَنَسِيَ أَنَّ المِقْياسَ الحَقِيقِيَّ قَوْلَ اللّٰهِ تعالى {إن أكرمكم عِنْدَ اللّٰهِ أتقاكم (13)} فالآية هِيَ مِقْياسُ دُخُولِ الجَنَّةِ" (الوِيس موسيل فِي الصَحْراءِ العربية 66) (106/49 سُورَةَ الحُجُراتِ هِجْرِيَّةُ عَدَدِ الآيات 18 الآية 13) وسَنرَكزُعلى دِراسَة ابن خلدون فإن إحدى أهم نِقاطِ القُوَّةِ والواقعية فِي بَعْضِ وُجْهاتِ نَظَرٍ وَدِراسَةِ اِبْنِ خَلْدُون إنه نشأ، وَعَمَلٍ وَكُتُبِ دِراساتِهِ فِي مُجْتَمَعٍ سادَت فِيهِ البِداوَةُ، وأثرت فِي جَمِيعِ مَفاصِلِ الحَياةِ، وَلَعَلَّهُ زَمَنٌ وَصَلَت فِيهِ البِداوَةُ إِلَى قِمَّةِ قُوَّتِها وتأثيرها حَيْثُ حَكَمَت فِعْلِيّاً مِنْطَقَةً كامِلَةً بأفكارها، وَنَهْجِها كَما أَنَّ اِبْنَ خَلْدُون وأن دَرَسَ الفَلْسَفَةَ القَدِيمَةَ وَخاصَّةً أرسطو، وَاِسْتَفادَ مِنها بَلْ وَاِسْتَخْدَمَ مُصْطَلَحاتِها وَقِياساتِها، إلا أنه لَمْ يُصِبْها كَقالِبٍ فِي تَحْلِيلاتِهِ، بَلْ حَلَّلَ الحَياةَ الواقِعِيَّةَ، وَالَّتِي كانَت تنأى عَن ذٰلِكَ المَنْطِقِ القَدِيمِ وَهٰذا أمر مُهِمٌّ فِي أهمية دِراسَةِ اِبْنِ خَلْدُونَ (يُناقِشُ الدُكْتُورُ عَلِي الوَرْدِي هٰذا المَوْضُوعَ فِي كِتابِهِ مَنْطِقَ اِبْنِ خَلْدُونَ دارَ كُوفان لِلنَشْرِ تَوْزِيعَ دارِ الكُنُوزِ الأدبية بَيْرُوتَ ص 13 وَمَواقِعَ أُخْرَى) وَلِهٰذا وَكَما أَشَرْنا فِي بِدايَةِ الدِراسَةِ أننا سَنَعْتَمِدُ فِي الكَثِيرِ عَلَى بَعْضِ ما جاء بِهِ اِبْنُ خَلْدُونَ فِي هٰذا الشأن ولعله أول من قال أن العربي (ويقصد البدوي) متوحش نهاب سلاب إذا أخضع مملكة سارع اليها الخراب (وَلٰكِنْ، وَقَبْلَ ذٰلِكَ نَوَدُّ أَنْ نُنَوِّهَ إِلَى أَنَّ هُناكَ طَبْعاتٍ كَثِيرَةً لِمُقَدِّمَةِ اِبْنِ خَلْدُونَ بَعْضُها واسِعٌ وَالآخَرُ مُخْتَصَرٌ يُرَكِّزُ بَعْضُها عَلَى غَيْرِ ما يركز عَلَيْهِ الآخَرُ بَعْضُها مليء بالأخطاء المَطْبَعِيَّةِ، بَلْ وَحَتَّى تَبْدِيلِ كَلِماتٍ بِأُخْرَى بَعْضُها مُتَرْجِمٌ عَن الفَرَنْسِيَّةِ وأخريات مِن لُغاتٍ أُخْرَى أو محققة مَعَ المَخْطُوطَةِ، وَنَحْنُ لَسْنا فِي مَوْضِعِ تَقْيِيمِ تِلْكَ الطَبْعاتِ أَوْ عَرْضِها، بَلْ إن بَعْضَها يَرْقَى إِلَى القَرْنِ التاسِعَ عَشَرَ وَالآخَرِ وَخاصَّةً العَرَبِيَّةَ إِلَى الرُبْعِ الأول مِن القَرْنِ الماضي وَبَعْضِها فِي أيامنا المُعاصِرَةِ وَطَبْعاً، فإن المَعارِفُ وَالغاياتُ اِخْتَلَفَت فِي بَعْضِ الوُجُوهِ (اُنْظُرْ مُؤَلِّفَ عَبْدِ الرَحْمٰن بدوى مؤلفات أبن خلدون فِي مَكانٍ آخر) وَلٰكِنَّنا سَنَعْتَمِدُ عَلَى مَجْمُوعَةٍ مِن التقييمات وَخاصَّةً مِنها لِطٰهٰ حُسَيْن وَلِساطِعِ الحَصْرِيِّ، وَمِن الجِيلِ الآخَرِ الأحدث الدُكْتُورُ عَلِي الوَرْدِي وآخرين سَيَرُدُّ ذِكْرُهُم فِي النَصِّ أينما كانَ ذٰلِكَ
#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحواضر اليمنية الشمالية الجزء الاخير
-
الغساسنة آل جفنة
-
المناذرة والغساسنه الجزء الاول
-
دولة تدمر
-
الحواضر العربية الشمالية
-
الجزء الثالث المدنيات العربية
-
الجزء الثاني من المدنيات العربية
-
المدنيات العربية
-
العرب قبل الاسلام (2)
-
العرب قبل الاسلام الحواضرالعربية
-
من يحكمنا
-
الاسلام والبداوة
-
الأمن الوطني العراقي يصادر كتابي -البدو والإسلام جذور التطرف
...
-
أخسر صفقة من أبي غبشان
-
كُتُبَنا كَثِيرَة مَعأرِفُنا قَلِيلَة
-
مربط الفرس
-
ألويس موسيل
-
جذور المشكل العراقي
-
الأحابيش من قريش الى فارس
-
تكملة القسم الثالث. النصولي والدولة الاموية
المزيد.....
-
السعودية ترقم 92 بابا في التوسعة الثانية بالحرام لسهولة التن
...
-
المسلمون الجدد في ماليزيا بين الإقبال والاعتقادات الخاطئة
-
سياسة الإبعادات عن المسجد الأقصى في رمضان: انتهاكات بحق الدي
...
-
البطاقة الممغنطة.. سلاح الاحتلال الرقمي لتقييد الوصول إلى ال
...
-
ماذا تعرف عن البطاقة الإسرائيلية -الممغنطة- وما علاقتها بالم
...
-
لم يكن وداعا فقط.. بل كان فراغا يسكن الروح.. حيا باق فينا..
...
-
شهر رمضان: واحة الروح وموسم الغفران
-
الصهيونية المسيحية بين العقيدة والسياسة: قراءة في مقابلة الس
...
-
25 عاما من النداء.. حكاية صوت يصدح من مآذن الجامع الأموي بدم
...
-
خريطة البرامج الدينية في رمضان 2026
المزيد.....
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|