أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عصام حافظ الزند - حلف الفضول الحلقة الثانية















المزيد.....

حلف الفضول الحلقة الثانية


عصام حافظ الزند

الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 16:49
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن)
حَلْفُ الفُضُولِ
تَحَدَّثْتُ الكَثِيرَ مِن المَصادِرِ التارِيخِيَّةِ وَالمُعاصَرَةِ مِن الجاحِظِ إِلَى المَسْعُودِي إِلَى نَهْجِ البَلاغَةِ وَاليَعْقُوبِي وَالبَلاذِرِيِّ والأغاني إِلَى جَوادِ عَلِي وَالدُكْتُورِ مُؤْنِس وَالباحِثِ خَلِيل عَبْدِ الكَرِيم عَن هٰذا الحِلْفِ مَتَى حَدَثَ ولماذا، وَمَنْ هِيَ أطرافه وَالزَمَنُ الَّذِي عُقِدَ فِيهِ، وَيَقُولُ أَهْلُ الأخبار أنه عُقِدٌ بَعْدَ عِدَّةِ شُهُورٍ مِن اِنْتِهاءِ حَرْبِ الفُجّارِ الرابِعَةِ، وَهٰذا يَعْنِي وَكَما يَقُولُ الدكتورُ عَلَيَّ، أَنَّ الرَسُولَ مُحَمَّد كانَ عُمْرُهُ عِنْدَما عَقَدَ هٰذا الحَلْفُ عِشْرُونَ سَنَةً، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُقَدَ عامَ 590 م وإن الَّذِي دَعا إليه هُوَ الزُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ. أما سَبَبُهُ أَوْ بِالحَقِيقَةِ الحافِزِ عَلَى عَقْدِهِ، فَسَنَتَّبَعُ رِوايَةَ مُحَمَّد بْنِ حَبِيبٍ البَغْدادِيِّ المتوفى سَنَةَ 859 م 245 ﮪ فِي كِتابِهِ المُنَمَّقِ فِي أخبار قُرَيْشٍ، وَقَدْ كَتَبَ اِبْنُ هِشامٍ عَن هٰذا الحِلْفِ مَعْلُوماتٍ مُخْتَصَرَةً قَبْلَ البَغْدادِيِّ إذ أَنَّ اِبْنَ هِشامٍ توفي سَنَةَ 213 أو 218 ﮪ وَكِلاهُما لا نعرف تارِيخُ وِلادَتِهِما، وَنَعُودُ لِلمُنَمَّقِ لِوُضُوحِ كِتابَتِهِ، وَفِيها الكَثِيرُ مِن التَفْصِيلِ الَّذِي نَخْتارُ مِنْهُ (المنمق في اخبار قريش محمد بن حبيب البغدادي ص51- وما بعدها) وَمِنْ الدكتورِ جواد علي الذي تحدث عنه في الجزء الرابع :
وَبَدَؤُهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي زُبَيْدَةَ جاءَ بِتِجارَةٍ لَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَاِشْتَراها مِنْهُ العاصُ بْنُ وائِل ٍبْنِ هاشِمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ فَمَطَّلَهُ بِحَقِّهِ، وَأَكْثَرَ الزُبَيْدِي الاِخْتِلافَ فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئاً، فَتَمَهَّلَ الزُبَيْدِي لا حتى إِذا جَلَسَتْ قُرَيْشٌ مَجالِسَها، وَقامَتْ أسواقها قامَ عَلَى أبي قُبَيْسٍ فَنادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ:

يا آل فَهَرُ لِمَظْلُومِ بِضاعَتِهِ بِبَطْنِ مَكَّةَ نائِي الأَهْلِ وَالنَفَرِ
إن الحَرامُ لِمَنْ تَمَّتْ حَرامَتُهُ وَلا حَرامَ لِثَوْبِ الفاجِرِ الغَدْرِ
وَإِلَى باقِي الأبيات الَّتِي تَذْكُرُها مُخْتَلِفُ المَصادِرِ بِاِخْتِلافٍ فِي هٰذا وَذاكَ، قالَ تِلْكَ الأبيات وَقُرَيْشٌ فِي مَجالِسِها حَوْلَ الكَعْبَةِ، نادَى رافِعاً ظَلامَتَهُ وَيَطْلُبُ إنصافا مُسْتَجِيراً بِقُرَيْشٍ، فَمَشَتْ قُرَيْشٌ بَعْضَها إِلَى بَعْضٍ فَتَحالَفُوا هُناكَ، وَكانَ الزُبَيْرُ أول مَنْ سَعَى، وَاِجْتَمَعُوا فِي دارِ النَدْوَةِ وَكانَ مِمَّنْ اِجْتَمَعَ فِيها مِنْ قُرَيْشٍ بَنُو هاشِمٍ وَبَنُو المَطْلِبِ وَزَهْرَةَ وَتَيمٍ وَبَنُو الحارِثِ (وَهَمَّ بِالأَصْلِ مِنْ المُطَيِّبِينَ) فَاِتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَنْصِفُوا المَظْلُومَ مِنْ الظالِمِ، ثُمَّ سارُو إِلَى دارِ عَبْدِ اللّٰهِ بْنِ جُدْعانَ (سَنَذْكُرُ اِبْنَ جُدْعانَ فِي مَواقِعَ أُخْرَى) فَتَحالَفُوا " لا يُظْلَمُ بِمَكَّةَ أحد إلا كُنّا جَمِيعاً مَعَ المَظْلُومِ عَلَى الظالِمِ، حَتَّى نأخذ لَهُ مُظْلِمَتَهُ مِمَّنْ ظَلَمَهُ شَرِيفٌ أَوْ وَضِيعٌ مِنّا، أَوْ مِنْ غَيْرِنا ثُمَّ خَرَجُوا . وَكانَ رَسُولُ اللّٰهِ ﷺ مِمَّنْ حَضَرَ ذٰلِكَ الحَلْفَ، وَدَخَلَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إليه بِخَمْسِ سِنِينَ، فَكانَ يَقُولُ وَهُوَ فِي المَدِينَةِ "لَقَدْ حضرت فِي دارِ عَبْدِ اللّٰهِ بْنِ جُدْعانَ حَلَفاً مِنْ حَلْفِ الفُضُولِ ما أحب أني نَقَضْتُهُ، وأن لِي حُمْرُ النِعَمِ، وَلَوْ دُعِيتُ إليه اليَوْمَ لأجبت"
وَتَذَكَّرَ الأخبار عَدَداً مِنْ الحَوادِثِ الَّتِي لجأ فِيها المَظْلُومُ إِلَى الحَلْفِ، فَوَقَفَ الحَلْفُ مَعَهُ في تَحْصِيلِ إما لماذا سُمِّيَ حَلْفَ الفُضُولِ فَهُناكَ الكَثِيرُ مِنْ التَفْسِيراتِ، فَالبَعْضُ يَقُولُ إنه سُمِّي كَذٰلِكَ لأنهم تحالفوا أن يُتْرُكُوا عِنْدَ أحد فَضْلاً يَظْلِمُهُ أحد غَلّا أخذوه لَهُ مِنهُ، قِيلَ سُمِّيَ تَشْبِيهاً بِحَلْفٍ قَدِيمٍ كانَ بِمَكَّةَ أيام جَرِّهِمْ عَلَى التَناصُفِ والأخذ لِلضَعِيفِ مِنْ القَوِيِّ وَالغَرِيبِ مِنْ القاطِنِ، وَسُمِّيَ حَلْفَ الفُضُولِ؛ لأن مَنْ قامَ بِهِ مِنْ رِجالِ جَرِّهِمْ كُلُّهُمْ يسمى الفَضْلَ، فَقِيلَ حَلَفَ الفُضُولُ جَمْعاً لأسماء هٰؤُلاءِ، وَقِيلَ أَيْضاً لأن قُرَيْشاً قالَتْ هٰذا فُضُولٌ مِنْ الحَلْفِ وَهُوَ فِي بَعْضِ الرِواياتِ عَلَى ذٰلِكَ وَهُمْ الفَضْلُ بْنُ شَرّاعَةَ، وَالفَضْلُ بْنُ قُضاعَةَ، وَالفَضْلُ بْنِ نَصاعَةَ فَسُمِّيَ بِاِسْمِهِمْ وَغَيْرِها مِنْ التَفْسِيراتِ.
وَمِن الحَقائِقِ المُهِمَّةِ هُوَ أَنَّ القائِمِينَ بِهِ هُم فِي الأَصْلِ مِن المُطَيِّبِينَ، وقد كانوا فِي أَغْلَبِ تارِيخِ قَبْلُ وَبَعْدَ الإِسْلامِ عَلَى تَوافُقٍ، كَما أَنَّ مِثْلَ هٰذا الحِلْفِ، وَتِلْكَ الأهداف كانَت مَوْجُودَةً بِكَثْرَةٍ فِي تارِيخِ الجَزِيرَةِ فَطَبِيعَةُ البَدْوِ فِي الصَحْراءِ كانَت تَتَطَلَّبُ مِنهُم بَيْنَ آونة وَأُخْرَى التَحالُفَ لِرَدِّ الحُقُوقِ وَالمَسْرُوقِ فِيما بَيْنَها تَجَنُّباً لِلحُرُوبِ المُسْتَمِرَّةِ وَالخِصوماتِ الدائِمَةِ وَحَتَّى الحَدِيثُ عَن الحِبالِ الَّتِي تُحَدِّثُنا عَنها كانَ لا بد لَها مِثْلُ تِلْكَ الإجراءات مِن أجل اِسْتِمْرارِ التَبادُلِ التِجارِيِّ لِمَصْلَحَةِ الجَمِيعِ.
وَيَبْدُو أَنَّ هٰذا الحِلْفَ اِسْتَمَرَّ بَعْدُ حَتَّى بَعْدَ الإِسْلامِ بِسَنَواتٍ، أَوْ أَنَّ مِثْلَهُ أَوْ قِيَمَهُ بَقَتْ تَلْعَبُ دَوْراً فِي الحَياةِ الاِجْتِماعِيَّةِ، فَيُنْقَلُ أنه كانَ بَيْنَ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبي طالِبٍ وَبَيْنَ الوَلِيدِ بْنِ عَتْبَةَ بْنِ أبي سُفْيانَ مُنازَعَةٌ فِي مالٍ مُتَعَلِّقٍ بِالحُسَيْنِ، فَماطَلَهُ الوَلِيدُ فَما كانَ مِنْ الحُسَيْنِ إلا أَنْ قالَ لِلوَلِيدِ: اِحْلِفْ بِاللّٰهِ لِتُنْصِفَنِي مِنْ حَقِّي أَوْ لآخذن سَيْفِي ثُمَّ لا قُومَنَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللّٰهِ ﷺ ثُمَّ أدَعُونَ لِحِلْفِ الفُضُولِ، فَلَمّا بَلَغَ ذٰلِكَ الوَلِيدُ بْنُ عَتَبَةَ أنصف الحُسَيْنُ مِنْ حَقِّهِ"

أما ما يتعلق بِعَبْدِ اللّٰهِ بْنِ جُدْعانَ، وَالَّذِي عُقِدَ فِي بَيْتِهِ حَلْفَ الفُضُولِ، فَيُقالُ إنه مَنْ أكبر أثرياء قُرَيْشٍ، وأنه كانَ كَرِيماً وَقِيلَ إنه أسرف فِي الكَرَمِ فِي أواخر عُمْرِهِ وَاِبْنِ جَدْعانَ هُوَ اِبْنُ عَمِّ والِدِ الخَلِيفَةِ أبو بَكْرٍ الصَدِيقُ، وَيُقالُ إنه كانَ فِي بِدايَةِ الأَمْرِ صُعْلُوكاً تُرِبُّ اليَدَيْنِ كَما يَصِفُهُ الدكتورُ عَلَيَّ وَكانَ شِرِّيراً فاتِكاً، لا يزال يَجْنِي الجِناياتِ فَيُعْقِلُ عَنْهُ أبوه وَقَوْمَهُ، حَتَّى أبغضته عَشِيرَتُهُ، وَنَفاهُ أبوه، وَحَلَفَ أَنَّ لا يؤويه أبدا، فَخَرَجَ فِي شِعابِ مَكَّةَ حائِراً ثائرا يَتَمَنَّى المَوْتَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ، فرأى شَقّاً فِي جَبَلٍ، فَظَنَّ أَنَّ فِيهِ حَيَّةً، فَتَعَرَّضَ لِلشَقِّ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِيهِ ما يقتله فَيَسْتَرِيحَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً ثُمَّ دَخَلَ فِيهِ، فَإِذا هُوَ أَمامَ غارٍ هُوَ مَقْبَرَةٌ مِنْ مَقابِرِ مُلُوكِ جَرِّهِمْ، وَفِيهِ كُنُوزٌ وأموال مِنْ أموالهم مِنْ بَيْنِها ثُعْبانٌ مِنْ الذَهَبِ لَهُ عَيْنانِ مِنْ ياقُوتٍ. ووجد جُثَثُ المُلُوكِ عَلَى أسرة، لَمْ يَرَ مِثْلَها، وَعَلَيْها ثِيابٌ مِنْ وَشْيٍ، لا يَمَسُّ مِنْها شيء إلا اِنْتَثَرَ كَالهَباءِ مِنْ طُولِ الزَمانِ، فأخذ مِنْ الغارِ حاجَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ، وَعَلَّمَ الشَقَّ بِعَلامَةٍ، وأغلق بابَهُ بِالحِجارَةِ وأرسل إِلَى أبيه بِالمالِ الَّذِي خَرَجَ بِهِ مِنْهُ يَسْتَرْضِيهِ وَ يَسْتَعْطِفُهه، وَوَصَلَ عَشِيرَتَهُ كُلُّهُمْ، فَسادَهُمْ، وَجَعَلَ يُنْفِقُ مِنْ ذٰلِكَ الكَنْزِ، وَيُطْعِمُ الناسَ وَيَفْعَلُ المَعْرُوفَ، وَكانَ كُلَّما اِحْتاجَ إِلَى مالٍ ذَهَبَ، فَاِسْتَخْرَجَ ما يَحْتاجُ إليه مِنْ ذٰلِكَ الكَنْزِ، حَتَّى صارَ مِنْ أغنى أغنياء مَكَّةَ.
أما اِبْنُ حَبِيبٍ البَغْدادِيُّ فِي كِتابِهِ المُنَمَّقِ، وَفِي ص 149، فَقَدْ أورد الحِكايَةُ نَفْسَها، وأدخل عَلَيْها ما يحتاجه البِناءِ الأسطوري مِن مُسْتَلْزَمانِ فِيها مِن الغَرابَةِ وَالمُسْتَحِيلِ فَالحِكايَةُ الَّتِي تَبْنّاها دكتور علي نَظَرِيّاً مُمْكِنَةٌ وَالتارِيخُ يُذْكَرُ مِثْلَ تِلْكَ القِصَصِ مِن العُثُورِ عَلَى كُنُوزٍ مِن قِبَلِ أشخاص، فَهٰذا شيء مُمْكِنٌ وَقابِلٌ لِلتَصْدِيقِ، وَلٰكِنَّ اِبْنَ قُتَيْبَةَ الدينوري فِي المَعارِفِ وَعِنْدَ حَدِيثِهِ عَنْ مِهَنِ بَعْضِ القُرَشِيِّينَ أَوْ الصَحابَةِ يَذْكُرُ مِهْنَةً أُخْرَى لَهُ ذَكَرْناها فِي مَوْضِعٍ آخر .
إذن فإن شَخْصِيَّةُ عَبْدِ اللّٰهِ بْنِ جُدْعانَ تُخْلَطُ فِيها الشَرَّ بِالخَيْرِ الحَسَنِ بِالقَبِيحِ، وَلٰكِنَّ المُتَّفَقَ عَلَيْهِ أنه مِنْ شَخْصِيّاتِ قُرَيْشٍ الواسِعَةِ الثَراءِ وَالعَرِيضَةِ الاِسْمِ وَلَهُ دارٌ كَبِيرَةٌ عُقِدَ فِيها حَلْفُ الفُضُولِ مَعَ وَجْبَةٍ دَسِمَةٍ مِنْ الغِذاءِ.
وَكَما قُلْنا أَنَّ مُحْتَوَىً وأهداف الحِلْفِ لَيْسَتْ جَدِيدَةً عَلَى الأَعْرابِ، وَلٰكِنَّهُ أخذ هٰذا الاِهْتِمامَ رُبَّما لأن النَبِيُّ أشار إليه.

بقي لَنا وَنَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَن قُرَيْشٍ وَهُم أَنْ شِئْنا التَحْدِيدَ الدَقِيقَ لَيْسُوا بَدَوْاً بِكُلِّ مُمَيِّزاتِ البَدَوِيِّ، بَلْ أَنَّ اِسْتِقْرارَهُم فِي مَكانٍ واحِدٍ وَخاصَّةً بَعْدَ أَنْ بَنَوَ البُيُوتَ الصَخْرِيَّةَ حَوْلَ الكَعْبَةِ وَاِتَّخَذُوا التِجارَةَ وَخِدْمَةَ الكَعْبَةِ وأصنامها عَمَلاً لَهُم خَرَجُوا عَن تَحْدِيدِ البَدَوِيِّ المُوغِلِ فِي القُفْرِ، وَكانُوا عَلَى ذٰلِكَ لَيْسُوا قَوْماً غازِينَ، بَلْ يَفْضُلون العَلاقاتِ والإقناع وَلِتَحالُفٍ مَعَ الآخرين من أجل أَنَّ المُحافَظَةَ عَلَى أمن التَبادُلِ التِجارِيِّ، وَلٰكِنَّ وَطَبِيعَةُ الحَياةِ تَفْرِضُ أَحْيانا تْخُوضَ مَعارِكَ، وَقَدْ كانَ أشهر ما واجه قُرَيْشٌ ما عرف بِحَرْبِ الفُجّارِ وَهِيَ أربعة، وَقَدْ سُمِّيَتْ بِذٰلِكَ لأنها حَدَثَت في الأشهر الحَرُمَ، والأشهر الحَرَمَ ثَلاثَةُ ذُو القِعْدَةِ وَذُو الحُجَّةِ وَمُحْرَمٍ وَشَهْرٌ رابِعٌ مُنْفَصِلٍ عَنْها وَهُوَ رَجَبٌ، وَتَسْمِياتُها فِي الجاهِلِيَّةِ (ورنة وَبَرَكٌ أَوْ مَيْمُونُ وَمُؤْتَمَرٌ وَرَجَبٌ هُوَ الأصم أَوْ المُحَرَّمُ،) والأربعة هُنَّ فُجّارُ الرَحْلِ أَوْ فُجارُ بَدْرِ بْنِ مَعْشَرٍ الغِفارِيُّ، وَفُجّارُ القِرْدِ، وَفُجارُ المرأة وَالرابِعُ وَهُوَ أَهَمُّها فُجّارُ البَراضِ، وَيُخَصَّصُ المُنَمِّقُ صَفَحاتٍ مُهِمَّةً لِحُرُوبِ الفُجّارِ هٰذِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
"حَدَّثَ أبو البَخْتَرِي عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إبراهيم بْنِ الحارِثِ التَمِيمِيِّ عَن أبي وَجَزَّةِ السَعْدِيِّ قالَ كانَ الَّذِي هاجَ الفُجّارَ الأول بَيْنَ قُرَيْشٍ وَقَيْسٍ عِيلانَ أَنَّ (أوس بْنِ الحَدَثانِ النَصْرِيِّ) باعَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ كِنانَةٍ ذَوْدا لَهُ إِلَى عامٍ قابِلٍ يُوافِي السُوقَ، فَوافَى سَنَةً بَعْدَ سنة وَلا يُعْطِيهِ، وأعدم الكَنّانَيينَ فَوافَى النَصْرِي سُوقَ عُكاظَ بِقِرَدَةٍ فَوَقَفَهُ فِي السُوقِ ثُمَّ قالَ: مَنْ يَبِيعُنِي مِثْلَ قَرْدِي هٰذا بِما لِي عَلَى فُلانٍ الكِنانِيِّ؟ يُرِيدُ أَنْ يُخْزِيَ الكِنانِي بِذٰلِكَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنانَةٍ، فَضَرَبَ القِرْدَ بِالسَيْفِ فَقَتَلَهُ آنفا مِمّا فَعَلَ النَصْرِي، فَصرَخَ النَصْرِيُّ فِي قَيْسٍ وَصَرَخَ الكِنانِيُّ فِي بَنِي كِنانَةٍ فَتَحاوَرَ الناسُ حَتَّى كادَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ قِتالٌ، ثُمَّ تداعوا إِلَى الصُلْحِ وَيَسَّرَ الخَطْبَ فِي أنفسهم وَكَفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، (كِتابُ المُنَمَّقِ فِي أخبار قُرَيْشٍ مُحَمَّدُ بْنِ حَبِيبٍ البَغْدادِيِّ ص 161)
أما الدكتورُ مُؤْنِس، فإنه يَرَى وجهة نَظَرٍ أُخْرَى أَكْثَرَ عُمْقاً فَيَقُولُ: أَنَّ حُرُوبَ الفُجّارِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها هِيَ جُزْءٌ مِن الوَعْيِ العَرَبِيِّ الهامِّ، أسبابها – كَما تُرِيهِ المَراجِعُ – تَبْدُو نِزاعاتٍ صِبْيانِيَّةً، وَلٰكِنَّ الحَقِيقَةَ أَنَّ السَبَبَ الرَئِيسِيَّ هُوَ غيره قَبائِلِ قَيْسٍ عَيْلانِ مِن قُرَيْشٍ لَمّا بَلَغَت الثَرْوَةُ وَالاِزْدِهارَ بِفَضْلِ التِجارَةِ، وَكانَ شِرْيانٌ رئيسياً مِنْ طُرُقِ التِجارَةِ، وَهُوَ الطَرِيقُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى العِراقِ يَمُرُّ بِمَنازِلِ قَيْسٍ عَيْلانَ، فأرادت بَعْضِ بُطُونِها (مِنْ هُوزانَ) إيقاف تِجارَةُ قُرَيْشٍ، وَتَعَمَّدَتْ حادِثاً صَغِيراً لإثارة الحَرْبِ، فَاِسْتِعانَةُ قُرَيْشٍ بِكِنانَةِ (أمها) وأمكن فِي النِهايَةِ حَصْرَ القِتالِ وإيقاف أَعْمالِ العَداوَةِ، وَتِلْكَ هِيَ حَرْبُ الفُجّارِ الأولى" (الدكتورُ مُؤْنِسُ تارِيخِ قُرَيْشٍ ص 188).
واقِعُ تِلْكَ الأحلاف كانَت أنها تحالفات بَيْنَ البُيُوتاتِ لِتَشْكِيلِ قُوَّةٍ بِوَجْهِ البُيُوتاتِ الأُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ الهَدَفُ مِنْها كَما يَعْتَقِدُ، أَوْ يُصَرِّحُ البَعْضُ لِنُصْرَةِ المَظْلُومِ أو الضَعِيفِ.
وَكَما تَخْتَلِفُ الآراءُ حَوْلَ الأحلاف وَعَدَدُها وَوَقْتُ إنشائها تَخْتَلِفُ المَصادِرُ فِي تَحْدِيدِ حُرُوبِ الفُجّارِ وَتَفْصِيلاتِها فَالدكتورُ مُؤْنِسٌ يَنْتَقِلُ مِن الحَرْبِ الأولى إِلَى الرابِعَةِ مباشرة حَيْثُ يُعِدُّها الحَرْبُ الثانِيَةُ وَالدكتورُ جَواد عَلِي يُعْطِي الأهمية لِحَرْبِ الفُجّارِ الرابِعَةِ، وَالَّتِي عُرِفَتْ بِحَرْبِ البَراضِ حَيْثُ تَنْسَبُ إِلَى البَراضِ بْنِ قَيْسٍ، وَالَّذِي قُتَلَ عُرْوَةَ بْن عَتَبَةَ الرِحالَ، وَقادَ لِطِيمَةَ (قافِلَةٍ) النُعْمانُ اِبْنُ المُنْذِرِ إِلَى سُوقِ عُكاظَ، وَيُرَكِّزُ في أن قَتْلَ عُرْوَةَ قَدْ أشعل فَتِيلَ الحَرْبِ بَيْنَ الأطراف. أما الباحِثِ خَلِيل عَبْدِ الكَرِيم، فإنه يَتَحَدَّثُ عَنْ هٰذِهِ الحُرُوبِ، وَيَقُولُ أَنَّ عُمَرَ النَبِيِّ مُحَمَّد كانَ 15 سَنَةً، وأن تِلْكَ الحُرُوبَ اِسْتَمَرَّتْ أربع سَنَواتٍ وانْ الأولى مِنْها كانَ بَيْنَ هوزان وَكِنانَةٍ والثانية بين قريش وكنانة والثالثة بين كنانة وبني نضر بن معاوية والرابعة بين كل من قريش وكنانة كلها وبين هوزان أي انها تجدد كلما اجتمع العرب" ونعتقد هنا الاصح الاعراب" في عكاظ ، على أن عبد الكريم يورد رأيا مهما يقول فيه "شعرت قريش بعد الفجار أن ما أصابها وأصاب مكة جميعا بعد موت هاشم وموت عبد المطلب من تمزق الكلمة وحرص كل فريق على أن يكون صاحب الامر وقد اطمع فيها كل العرب "نعتقد هنا أيضا الاعراب) بعد أن كانت أمنع من أن يطمع فيها طامع"( انظر خليل عبد الكريم قريش من القبيلة الى الدولة المركزية دار الانتشار العربي ص 92 وما بعدها )
عَلَى أَنَّ الدكتور جَواد عَلِي يَخْلُصُ إِلَى أمر مُهِمٍّ وَيَقُولُ: أَنَّ أَغْلَبَ حُرُوبِ الفُجّارِ هِيَ مَعارِكُ وَمُناوَشاتٌ، وَلَمْ تَكُتْ حَرْباً بِالمَعْنَى المَفْهُومِ لِكَلِمَةِ حَرْبِ أما سَبَبَ اِشْتِهارِها فُلانَها وَقَعَت فِي الأشهر الحُرُمِ، وَالَّتِي عادَةً ما تحرم قُرَيْشٍ وَالقَبائِلُ الأُخْرَى الحُرُوبُ فِيها وَهِيَ أشهر الحَجَّ وَالنَشاطُ التِجارِيُّ، وَقَدْ كانَ النَصْرُ فِي الغالِبِ لِجِهَةِ قَيْسٍ عَيْلانَ وَالسَبَبُ فِي ذٰلِكَ واضِحٌ وَمَفْهُومُ فَقُرَيْشٌ قَبِيلَةٌ تُمارِسُ التِجارَةَ، وَتَتْبَعُ لِذٰلِكَ الأساليب السِلْمِيَّةِ وَلَمْ يَكُونُوا رجالاً حروباً وَغَزَواتٍ، وَتَعْتَدُّ حَياتُهُم عَلَى تِلْكَ التِجارَةِ وَالخَدَماتِ الَّتِي يُقَدِّمُونها لِلحُجّاجِ، وَعَلَى العَكْسِ كانَت هَوْزان قَبائِلَ مُحارَبَةً تَعِيشُ عَلَى الغَزْوِ وَالنَهْبِ (المُفْصِلِ الجُزْءُ الرابِعُ 83-85)
وَتُرَكِّزُ البُحُوثُ عَلَى أَنَّ النَبِيَّ كانَ عُمْرُهُ أثناء تِلْكَ الحُرُوبِ عِشْرِينَ عاماً (أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ فِي بَعْضِ المَصادِرِ) وَقَدْ ساهَمَ فِي جَمْعِ السِهامِ الَّتِي تَسْقُطُ عَلَى الأرض، دُونَ أَنْ تُصِيبَ لِيَحْمِلَها إِلَى أعمامه، وأن تِلْكَ المَعْلُوماتِ تَعْنِي أَنَّ تِلْكَ الحُرُوبَ وَقَعَتْ بَعْدَ عِشْرِينَ عاماً مِنْ واقِعَةِ الفِيلِ (أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ عاماً) كَما أَنَّ الأحابيش الَّذِينَ تَحَدَّثْنا عَنْهُم شارْكُوا فِي هٰذِهِ الحُرُوبِ إِلَى جانِبِ قُرَيْشٍ طَبْعاً، وأن القادَةُ فِي تِلْكَ المَعارِكِ هُم رُؤَساءُ القَبائِلِ وَالبُيُوتاتِ مُراعِينَ الاِسْتِقْلالِيَّةَ وَالعَصَبِيَّةَ.
الدكتورُ جَواد عَلِي يَتَطَرَّقُ وبإسهاب إِلَى فِقْرَةٍ مُهِمَّةٍ لَها عَلاقَةٌ مُباشِرَةٌ لِما نَبْحَثُ فِيهِ ألا وَهِيَ فِقْرَةٌ.



#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- احلاف قريش الحلقة الاولى
- قريش الجزء الثاني
- قريش
- مكة وقريش يثرب والانصار الحلقة الثالثة
- مكة وقريش يثرب والانصار الحلقة الثانية
- مكة وقريش يثرب والانصار الحلقة الاولى
- دراسات اخرى عن البدو الحلقة الثانية
- دراسات اخرى عن البدو
- علي الوردي والبدو
- محمد عابد الجابري عصبية ابن خلدون الجزء الثاني
- محمد عابد الجابري عصبية ابن خلدون الجزء الاول
- ساطع الحصري وابن خلدون
- العصبية القبلية عند البدو
- أبن خلدون ومقدمته الجزء الثاني
- ابن خلدون ومقدمته الجزء الاول
- البدو
- الحواضر اليمنية الشمالية الجزء الاخير
- الغساسنة آل جفنة
- المناذرة والغساسنه الجزء الاول
- دولة تدمر


المزيد.....




- المقاومة الإسلامية بالعراق: تنفيذ 33 عملية خلال يوم واحد است ...
- المقاومة الإسلامية في العراق تنفذ 27 عملية بالطيران المسير و ...
- مسيحيون يتحدون إنذارات الجيش الإسرائيلي يبقون في قراهم جنوب ...
- صحفي إسرائيلي يميني يحرّض على قصف المسجد الأقصى
- عراقجي: نستهجن انطلاق بعض الهجمات ضد إيران من دول إسلامية م ...
- لأول مرة.. سقوط شظايا صاروخ إيراني قرب المسجد الأقصى
- حرس الثورة الإسلامية: الموجة 69 من عملياتنا استهدفت تل أبيب ...
- حرس الثورة الإسلامية: تم استخدام المنظومات الاستراتيجية -قدر ...
- المقاومة الاسلامية في لبنان أطلقت صلية صاروخية باتجاه تجمعا ...
- حرس الثورة الإسلامية ينفذ الموجة 68 من عملية الوعد الصادق 4 ...


المزيد.....

- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عصام حافظ الزند - حلف الفضول الحلقة الثانية