أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قاسم محمد داود - الضربة التي فتحت أبواب الجحيم: ديناميات الانفجار بين إيران وواشنطن وتل أبيب (2026)















المزيد.....

الضربة التي فتحت أبواب الجحيم: ديناميات الانفجار بين إيران وواشنطن وتل أبيب (2026)


قاسم محمد داود
كاتب

(Qasim Mohamed Dawod)


الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 14:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في منعطف تاريخي بالغ الخطورة، ومع أواخر فبراير 2026، انكسرت قواعد "حرب الظل" التي حكمت التفاعل بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى لعقود طويلة، لتتحول التوترات المزمنة إلى مواجهة عسكرية مباشرة وشبه شاملة. لم يكن هذا الانفجار وليد لحظة مفاجئة، بل جاء نتيجة تراكمات استراتيجية معقدة، مدفوعة بتقارير استخباراتية متقاطعة أشارت إلى اقتراب إيران من "العتبة النووية"، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة وحلفاؤها تهديداً وجودياً من شأنه إعادة تشكيل ميزان القوى في إقليم يحتضن أهم شرايين الطاقة العالمية وأكثرها حساسية.
انطلقت العمليات العسكرية عبر حملة جوية – بحرية مركّزة اتسمت بالسرعة والكثافة، استهدفت مراكز القيادة والسيطرة، والبنية التحتية العسكرية، والمنشآت النووية الإيرانية، في محاولة لإحداث "صدمة استراتيجية" تشل القدرة على الرد المنظم. وبينما قدم التحالف الأمريكي–الإسرائيلي هذه العمليات بوصفها "ضربة وقائية" تهدف إلى منع تحول إيران إلى قوة نووية عسكرية، قرأتها طهران باعتبارها محاولة مباشرة لتقويض سيادتها وفتح الباب أمام تغيير نظامها السياسي. وهكذا، بدا الصدام وكأنه الذروة المنطقية لمسار طويل من الاحتكاكات، بدأ يتصاعد منذ عامي 2024 و2025، حيث تداخلت عمليات الظل مع الضربات المحدودة، وصولاً إلى لحظة الانفجار الكبير.
وقد اتسمت المرحلة التمهيدية لهذا الصراع بتصعيد محسوب، جمع بين العمل الاستخباراتي والضربات الانتقائية، من الهجمات الإيرانية المباشرة خلال عام 2024، إلى العمليات الإسرائيلية الدقيقة ضد المنشآت النووية في صيف 2025 بدعم أمريكي غير معلن بالكامل. ورغم فترات التهدئة الهشة، ظلت حرب الناقلات في البحار، وعمليات الاغتيال، والهجمات السيبرانية، عناصر ضغط مستمر غذّت بيئة الانفجار، وأبقت المنطقة في حالة "لا حرب ولا سلم".
في 28 فبراير 2026، جاءت لحظة التحول الحاسمة عبر ما يمكن وصفه بـ"الموجة الكاسحة"، حيث نُفذت مئات الضربات الجوية والصاروخية خلال ساعات قليلة، مستفيدة من تقنيات متقدمة مثل أسراب الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي في إدارة النيران وتحديد الأهداف، إضافة إلى تكامل غير مسبوق بين القدرات الفضائية والاستخباراتية. غير أن السمة الأكثر خطورة في هذه الضربة لم تكن فقط في كثافتها، بل في طبيعة أهدافها القيادية؛ إذ نجحت الضربات الأولى في إحداث "قطع رأس" شبه متزامن في هرم القيادة الإيرانية، عبر استهداف مواقع شديدة التحصين بدقة عالية.
ففي الساعات الأولى من الهجوم، قُتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، ثم بعد ذلك تم قتل علي لاريجاني رئيس مجلس الأمن القومي، وعدد من كبار قادة الحرس الثوري، في عملية تُعد من أكثر العمليات دقة واختراقاً في تاريخ الصراعات الحديثة. وقد شكّل هذا الحدث صدمة استراتيجية عميقة، ليس فقط بسبب حجم الخسارة البشرية في قمة الهرم، بل لما يحمله من دلالات على مستوى الاختراق الاستخباراتي وقدرة الخصم على الوصول إلى قلب النظام.
ويمثل هذا التطور تحولاً نوعياً في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم يعد استهداف القيادات مجرد عمل تكتيكي، بل أصبح أداة استراتيجية لشل الدولة من الداخل عبر تفكيك مركز القرار وإرباك منظومة السيطرة. كما يكشف عن مستوى غير مسبوق من الاختراق البنيوي، سواء عبر العمل الاستخباراتي البشري أو التقني، أو عبر دمج الاثنين في منظومة عملياتية واحدة، الأمر الذي يفسر جزئياً حجم الإرباك الذي أصاب مراكز القرار في الساعات الأولى للحرب.
في المقابل، جاء الرد الإيراني سريعاً ومتعدد المسارات، مستنداً إلى عقيدة "الدفاع الموزع" والحرب غير المتكافئة، وهي عقيدة صُممت أساساً لمواجهة سيناريو "قطع الرأس". أُطلقت موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بهدف إنهاك منظومات الدفاع الجوي، واستنزاف قدرتها الاعتراضية عبر الإغراق الكمي والتشويش النوعي. ولم يقتصر الرد على الجبهة المباشرة، بل امتد إلى القواعد الأمريكية في المنطقة، واستهدف منشآت الطاقة، في محاولة لرفع كلفة الحرب على الخصوم وإدخال الاقتصاد العالمي في دائرة الضغط.
كما شكّل إغلاق مضيق هرمز نقطة تحول استراتيجية، لما يمثله من عقدة حيوية يمر عبرها نحو خُمس تجارة النفط العالمية، الأمر الذي وضع الأسواق الدولية أمام حالة من الذعر وعدم اليقين. ويُلاحظ هنا أن طهران، رغم الضربة القاسية التي طالت قمة هرمها القيادي، سعت إلى إثبات أن "الدولة العميقة" لا تزال قادرة على العمل، وأن فقدان القيادات لا يعني بالضرورة انهيار النظام، في رسالة مزدوجة للداخل والخارج.
ومع اتساع رقعة الاشتباك، تحولت الحرب إلى مشهد إقليمي متعدد الجبهات، حيث فُعّلت الساحات المرتبطة بمحور إيران، من جنوب لبنان إلى العراق، في نمط يعكس استراتيجية "تشتيت الجهد المعادي" وفتح جبهات متزامنة لتقليل فاعلية التفوق العسكري المقابل. هذا التوسع حوّل الشرق الأوسط إلى مسرح عمليات مفتوح، تتداخل فيه الحسابات المحلية بالإقليمية والدولية، وتتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية والعقائدية.

حتى منتصف مارس 2026، لا تزال المعركة مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل غياب أفق سياسي واضح. المؤشرات الأولية تتحدث عن خسائر بشرية متصاعدة، ودمار واسع في البنية التحتية، مع موجات نزوح داخلي وخارجي تضغط على الدول المجاورة. كما أن فقدان عدد كبير من القيادات في بداية الحرب ألقى بظلاله الثقيلة على تماسك القرار الإيراني، وفتح الباب أمام تساؤلات معقدة حول آليات الخلافة وإدارة الأزمة في ظروف استثنائية غير مسبوقة.
أما اقتصادياً، فقد دخل العالم فعلياً في "صدمة طاقة"، تمثلت في تذبذب الإمدادات، وارتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين، وتعطل جزئي في سلاسل التوريد العالمية، ما ينذر بعودة سيناريوهات "الركود التضخمي" التي شهدها العالم في سبعينيات القرن الماضي، ولكن في سياق أكثر تعقيداً وتشابكاً.
وفي قراءة استشرافية لمآلات الصراع، يمكن تصور أربعة مسارات رئيسية لا تزال تتنافس على التشكل. الأول يتمثل في احتمال حدوث تغيير جذري داخل البنية السياسية الإيرانية تحت ضغط الحرب والعقوبات والاضطرابات الداخلية، خاصة في ظل غياب قمة الهرم القيادي، وهو سيناريو يبقى رهناً بعوامل داخلية معقدة وليس بالضغط العسكري وحده. الثاني هو "الدبلوماسية القسرية"، حيث تقود حالة الإنهاك المتبادل إلى العودة لطاولة المفاوضات، ولكن بشروط أكثر صرامة، تعيد إنتاج اتفاق نووي بصيغة مختلفة وأكثر تقييداً. أما الثالث فهو سيناريو الاستنزاف المفتوح، حيث تتحول الحرب إلى نمط طويل الأمد منخفض الحدة نسبياً، يعتمد على الوكلاء، والهجمات غير المباشرة، والعمليات السيبرانية، بما يجعل الصراع عبئاً دائماً على الجميع دون حسم واضح. ويبقى السيناريو الرابع، وهو الأخطر، مرتبطاً بانزلاق نحو "حافة نووية"، سواء عبر اختبار فعلي أو تصعيد غير محسوب، بما قد يستدعي تدخلاً مباشراً من قوى كبرى ويهدد بتوسيع نطاق الحرب إلى مستوى عالمي.
تداعيات هذه الحرب تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة للصراع. إقليمياً، يواجه الشرق الأوسط احتمال إعادة تشكل في موازين القوى، قد ينتج عنه فراغ أمني في بعض الساحات الهشة، مقابل صعود أدوار قوى إقليمية أخرى تسعى لملء هذا الفراغ. كما تجد الدول الخليجية نفسها أمام معادلة صعبة بين حماية أمنها الوطني وضمان استقرار أسواق الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. أما على المستوى الدولي، فقد عمّقت الحرب من حالة الاستقطاب بين القوى الكبرى، حيث تميل بعض الدول إلى دعم طهران سياسياً ولوجستياً في مواجهة النفوذ الأمريكي، بينما تسعى أطراف أخرى، خاصة في أوروبا، إلى الدفع نحو تسوية دبلوماسية تجنبها تداعيات اقتصادية وأمنية قاسية، بما في ذلك موجات لجوء محتملة واضطراب إمدادات الطاقة.

وفي البعد الأعمق، تكشف هذه الحرب عن تحولات جوهرية في طبيعة الصراعات الحديثة؛ إذ لم تعد الحروب تُحسم فقط عبر المواجهة العسكرية المباشرة، بل باتت ساحة مركبة تشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والإعلام، والفضاء السيبراني، وهو ما يجعل أي "نصر" عسكري غير مكتمل ما لم يُترجم إلى استقرار سياسي مستدام.
خاتمة
إن حرب 2026 ليست مجرد جولة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية قد تعيد تعريف شكل النظام الإقليمي، وربما الدولي. فهي اختبار حقيقي لحدود القوة العسكرية في فرض الوقائع السياسية، وفي الوقت ذاته إنذار مبكر بمخاطر الانزلاق نحو فوضى مفتوحة إذا ما غابت قنوات الاحتواء الدبلوماسي. وبين منطق القوة ومنطق التسوية، ستتحدد ملامح المرحلة القادمة: إما نظام أكثر صلابة يقوم على توازنات جديدة، أو "صندوق باندورا" جيوسياسي يُطلق موجات متتالية من عدم الاستقرار يصعب احتواؤها لسنوات طويلة.



#قاسم_محمد_داود (هاشتاغ)       Qasim_Mohamed_Dawod#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العرب في عصر التكتلات الكبرى: لماذا أصبح القطب العربي ضرورة ...
- سوريا 2026: عام التأسيس أم هدنة ما قبل الانفجار؟
- ترشيح المالكي: عودة “رجل المرحلة الصعبة” أم إحياء منظم لفشلٍ ...
- إيران بين غضب الخبز وضغوط الخارج: احتجاجات مفتوحة على كل الا ...
- العائدات المليارية والفرص المهدورة: لماذا أخفق العراق في «تط ...
- رئيس وزراء العراق: بين -مطرقة- الولاء الداخلي و-سندان- الفيت ...
- العقل المأسور: كيف تحوّل المقدّس إلى أداة للسلطة؟
- هل الدين ضد التقدم؟ أم نحن ضد السؤال؟
- العزوف الانتخابي في العراق: الأسباب العميقة ل -مقاطعة الإحبا ...
- الولاءات المتعددة... دولة ممزقة بين الهويات
- بعد حرب غزة: من يرسم خريطة الشرق الأوسط… ونهاية الوهم وبداية ...
- الانتداب الناعم على غزة كيف تعيد خطة ترامب إنتاج الوصاية الد ...
- العراقي وصور المرشحين: قراءة اجتماعية–سياسية في مواسم الدعاي ...
- قمة قطر الطارئة: محاولة للتضامن العربي والإسلامي في مواجهة ا ...
- من يملك حق الخوف في الشرق الأوسط؟
- العشيرة والمال السياسي… حين تُختطف الديمقراطية في العراق كيف ...
- فشل التجربة الديمقراطية في العراق بعد 2003: تحليل العوامل ال ...
- -اتفاقيات أبراهيم- مع إسرائيل: تطبيع بلا مقابل
- هل يتكرر مصير مملكة القدس في دولة إسرائيل؟
- مشروعان متصادمان على حساب العرب: إيران وإسرائيل وصراع الهيمن ...


المزيد.....




- الإمارات تعلن -تفكيك شبكة إرهابية مرتبطة بحزب الله اللبناني ...
- التلفزيون الإيراني يعرض إنقاذ رجل من تحت أنقاض جنوب خراسان
- مباشر: نتنياهو ينفي أن يكون قد -جرّ- واشنطن إلى الحرب مع إير ...
- محمد بن زايد يبحث مع ترمب الاعتداءات الإيرانية على الإمارات ...
- من الهند إلى هوليود.. -صوت هند رجب- يواجه محاولات المنع والت ...
- صعود رجل المرحلة.. قاليباف يزداد نفوذا في إيران
- 4 شهداء في غزة وإعادة فتح معبر رفح لعدد محدود من المرضى
- الحرس الثوري ينشر فيديو لاستهداف طائرة -إف 35- الأمريكية
- خبير عسكري: الصواريخ الإيرانية تجمع 5 أنظمة أربكت الدفاعات ا ...
- نتنياهو لـCNN: لست متأكدًا من يُدير إيران حاليًا


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قاسم محمد داود - الضربة التي فتحت أبواب الجحيم: ديناميات الانفجار بين إيران وواشنطن وتل أبيب (2026)