أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - قاسم محمد داود - هل الدين ضد التقدم؟ أم نحن ضد السؤال؟














المزيد.....

هل الدين ضد التقدم؟ أم نحن ضد السؤال؟


قاسم محمد داود
كاتب

(Qasim Mohamed Dawod)


الحوار المتمدن-العدد: 8530 - 2025 / 11 / 18 - 16:26
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يُثار كثيراً السؤال القديم المتجدد:
هل يقف الدين والمعتقدات الدينية حائلاً دون تقدّم الشعوب؟
سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه في العمق يختبر علاقة الإنسان بعقله وبإيمانه في آنٍ واحد. الدين في جوهره… قوة لا عائق: الدين في أصله ليس عدواً للتقدم، بل كان دائماً منظومة قيمية وروحية تمنح الإنسان معنىً ومسؤولية. الدين ليس مجرد طقوس أو معتقدات غيبية، بل هو منظومة قيمية عميقة تمنح الإنسان معنى لوجوده، وتربطه بمصدر للحق والعدل والخير. إنه يوقظ في الإنسان حسّ المسؤولية تجاه ذاته والآخرين والعالم من حوله، فيجعل من السلوك الأخلاقي والتزام الواجب أفعالاً نابعة من الإيمان لا من الإكراه، ويحوّل الحياة من عبثٍ إلى غاية، ومن أنانيةٍ إلى رسالة.
في لحظات الازدهار الحضاري الكبرى، لم يكن الإيمان عائقاً أمام العقل، بل كان محرّكاً له. فالإيمان الذي يُلهم الإنسان السعي نحو العدالة والصدق والعلم، يلهم الدين الإنسان السعي نحو العدالة والصدق والعلم لأنه يربط هذه القيم بإرادة الخالق ومعنى الوجود. فالإيمان يجعل العدالة واجبًا لا مصلحة، والصدق فضيلة لا وسيلة، والعلم عبادة لا ترفًا. ومن خلال هذا الارتباط، يتحول السعي نحو الحقيقة والمعرفة إلى طريق للتقرب إلى الله وخدمة الإنسان، لا إلى مجرّد طموح دنيوي.
لا يمكن أن يكون ضد النهضة، بل هو وقودها الأخلاقي والمعنوي. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الدين من تجربة روحية إلى سلطة بشرية تحتكر التفسير وتُقصي المختلف حين يُختزل في مؤسسات تحتكر حقّ النطق باسمه، وتفرض تفسيرًا واحدًا للحقيقة. عندها يُستبدل جوهر الإيمان بالولاء للجماعة أو المذهب، وتُقمع حرية الضمير باسم "الحماية من الضلال". وهكذا يصبح الدين أداة للسيطرة لا وسيلة للتحرر، وتغيب روحه التي جاءت لتوقظ الإنسان لا لتقيّده. حينها يغدو النص ذريعة للجم التفكير، والإيمان مطيّة للهيمنة. فبدلاً من أن يكون الدين طريقاً إلى الحرية، يتحوّل إلى قيدٍ على السؤال.
بين الدين والتدين: من الخطأ الخلط بين الدين كقيمة إنسانية، والتدين كنمط اجتماعي قد يخضع للجهل أو التعصب أو السياسة. الدين هو المبادئ الإلهية الثابتة التي تنظم علاقة الإنسان بخالقه وبالناس، أما التديّن فهو الطريقة التي يعيش بها الإنسان تلك المبادئ ويفهمها ويمارسها. فالدين واحد في جوهره، بينما التديّن متنوع بتنوع العقول والثقافات والتجارب، وقد يكون التديّن صادقًا يعبّر عن روح الدين، أو شكليًا يُفرّغ الدين من معناه.
التدين المنفتح يُنتج الإبداع والرحمة، بينما التدين المنغلق يُنتج الخوف والكراهية.
وحين يصبح التدين مقياساً للولاء لا للأخلاق، تبدأ المجتمعات بالتراجع نحو الانغلاق والتكرار.
أوروبا: من وصاية الكنيسة إلى نهضة العقل
في القرون الوسطى، كانت أوروبا أسيرة لسلطة الكنيسة الكاثوليكية التي احتكرت الحقيقة، وحاربت العلماء والمفكرين باسم الإيمان. لكن مع عصر التنوير، تمرد العقل الأوروبي على هذه الوصاية، فلم يرفض الدين ذاته، بل رفض أن يُستخدم الدين كأداة قمع للعقل.
قال فولتير: “اسحقوا العار” — وكان يعني الجهل والتعصب لا الإيمان.
وهكذا، تحرر الدين من سلطة الكهنوت، وتحرر العقل من الخوف، فبدأت النهضة العلمية، والثورة الصناعية، ثم ولدت قيم الحرية والعدالة الحديثة.
العالم الإسلامي: من إشراق العقل إلى غروب الاجتهاد
في العصر الذهبي الإسلامي، كانت بغداد وقرطبة وسمرقند منارات للعقل والعلم. ابن سينا، ابن الهيثم، الفارابي، والرازي جسّدوا التفاعل الخلّاق بين النص والعقل. كان الدين عندهم دعوة للتفكر، لا سيفاً على رقبة السؤال. لكن حين أغلق باب الاجتهاد، وتحوّل الفكر إلى تكرارٍ للنصوص دون مقاصدها، تراجع العقل أمام النقل، وساد الخوف من الجديد. فأظلمت المراكز التي كانت يوماً مشاعل للمعرفة.
شرق آسيا: توازن الروح والعقل
اليابان والصين وكوريا قدّمت نموذجاً مختلفاً. هناك لم يُطرح السؤال: “هل الدين ضد التقدم؟” بل: “كيف يجعلنا الإيمان أكثر انضباطاً وعطاءً؟”. فالبوذية والشنتوية ظلّتا روحاً للأمة، لكن القرار السياسي والعلمي بقي مستقلاً عن سلطة المعبد. فكانت النتيجة نهضة صناعية وأخلاقية مذهلة خلال عقود قليلة.
الخلاصة: ليس الدين هو المشكلة
حين نفصل بين المقدّس كقيمة والمؤسسة كسلطة، يتفتح طريق التقدم. وحين يُعاد الدين إلى مجاله الأخلاقي والروحي، يستعيد العقل حريته، والمجتمع توازنه.
البعد حين يُفهم الدين كقيمة حين يُفهم الدين كسلطة
الفكر يحرر العقل يقيده
الأخلاق يبني العدالة يبرر القمع
المجتمع يشجع العلم والنهضة يعيد إنتاج الجهل
الدولة تسعى للإنسان تسعى للسيطرة

في الختام:
ليست الأديان هي التي أغلقت نوافذ العقل، بل الذين جعلوا من الإيمان قيداً لا بوابة.
فالعقل لا يهدد العقيدة، بل يطهّرها من الوهم، والمعرفة لا تقتل الإيمان، بل تمنحه لغة أعمق. حين يكون الدين نبعاً للأخلاق والمعنى، فإنه يحمل الشعوب نحو النور، وحين يتحول إلى أداة تخويف وتكفير، فإنه يجرّها إلى الظلام. التحدي إذن ليس في النصوص، بل في القرّاء؛ ليس في الإيمان، بل في من يحتكر تأويله. فالدين لا يقف ضد التقدم... نحن فقط نكفّ عن التقدم حين نخاف أن نسأل.



#قاسم_محمد_داود (هاشتاغ)       Qasim_Mohamed_Dawod#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العزوف الانتخابي في العراق: الأسباب العميقة ل -مقاطعة الإحبا ...
- الولاءات المتعددة... دولة ممزقة بين الهويات
- بعد حرب غزة: من يرسم خريطة الشرق الأوسط… ونهاية الوهم وبداية ...
- الانتداب الناعم على غزة كيف تعيد خطة ترامب إنتاج الوصاية الد ...
- العراقي وصور المرشحين: قراءة اجتماعية–سياسية في مواسم الدعاي ...
- قمة قطر الطارئة: محاولة للتضامن العربي والإسلامي في مواجهة ا ...
- من يملك حق الخوف في الشرق الأوسط؟
- العشيرة والمال السياسي… حين تُختطف الديمقراطية في العراق كيف ...
- فشل التجربة الديمقراطية في العراق بعد 2003: تحليل العوامل ال ...
- -اتفاقيات أبراهيم- مع إسرائيل: تطبيع بلا مقابل
- هل يتكرر مصير مملكة القدس في دولة إسرائيل؟
- مشروعان متصادمان على حساب العرب: إيران وإسرائيل وصراع الهيمن ...
- لا منتصر ولا مهزوم: كيف تدير واشنطن الصراع بين إيران وإسرائي ...
- ازدواجية المعايير في النظر إلى البرامج النووية: إيران تُدان ...
- البرلمان العراقي ومصلحة المواطن: تشريعات غائبة وتغيير مؤجل
- انتخابات بلا ناخبين: أزمة ثقة في الديمقراطية العراقية
- نحو مشروع عربي تكاملي لمواجهة الأطماع الصهيونية والرأسمالية ...
- الأسس التوراتية لجرائم الصهيونية في غزة والضفة الغربية
- حقائق عن الصراع العربي الإسرائيلي
- العراق: التناقض الصارخ بين الثروة الوطنية والواقع المعيشي لل ...


المزيد.....




- مراقبون: أكثر الجماعات المتطرفة دموية ولدت من رحم -الإخوان- ...
- هل نجحت الحملة الأمنية الواسعة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في ...
- مستوطنون يقتحمون مسجدًا في سلفيت.. وإصابة 15 فلسطينيًا باعتد ...
- رئيس مجلس الشورى الاسلامي يرد على تصريحات ترامب التدخلية
- وزارة الأوقاف: مستوطنون اقتحموا مسجدا ودنسوا حرمته بسلفيت
- الضفة.. مستوطنون إسرائيليون يقتحمون مسجدا بأحذيتهم في سلفيت ...
- دول عربية وإسلامية تطالب بإغاثة فورية لغزة وفتح المعابر
- مستوطنون يعتدون على اهالي شمال اريحا ويقتحمون مسجدا في سلفيت ...
- الأردن ودول عربية وإسلامية يعربون عن قلقهم إزاء تدهور الوضع ...
- واشنطن بوست: المسلمون قوة سياسية وديمغرافية صاعدة في نيويورك ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - قاسم محمد داود - هل الدين ضد التقدم؟ أم نحن ضد السؤال؟