يزن تيسير سعاده
الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 20:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في عمان، لا نستيقظ على صوت الصواريخ، لكننا نستيقظ على أخبارها. صور من طهران، تحليلات عن ضربات من الولايات المتحدة، توتر يمتد في الخليج، وأسئلة ثقيلة تدخل بيوتنا دون استئذان. قد لا تسقط القنابل فوق رؤوسنا، لكنها تسقط في داخلنا بطريقة أخرى: قلق يتسلل، وصمت يطول، وشعور بأن العالم أكبر من قدرتنا على الاحتمال.
وسط هذا المشهد، أكتشف أن ما بيننا ليس تفصيلاً صغيراً في زمن كبير، بل المساحة الوحيدة التي لا تزال قابلة لأن تُدار بوعي. العالم يتغير بقرارات فوقية، أما الرابط بين قلبين فيُصنع بقرار يومي: أن نبقى، أن نفهم، أن لا نسمح للخوف أن يعيد تشكيل ملامحنا.
أحياناً، بينما أتابع خبراً عاجلاً، أفكر بك. ليس هروباً من الواقع، بل تمسكًا به. أسأل نفسي: لو اشتدّ الخارج أكثر، هل يبقى الداخل ثابتاً؟ وأجد أن الثبات لا يعني غياب الاهتزاز، بل أن نمدّ أيدينا لبعضنا ونحن نهتز. أن نقول الحقيقة قبل أن يكبر سوء الفهم، وأن نختار القرب حين يبدو الانسحاب أسهل.
في غزة حيث الغارات ليست خبراً بل يوماً عادياً، وفي القدس حيث التوتر مزمن، يتعلم الإنسان أن الأمان لا يُمنح، بل يُصنع. يُصنع بكلمة صادقة، بحضور لا يتراجع، وبوعي أن ما نحميه في الداخل أهم مما يحدث في نشرات الأخبار.
ميزان القرب هنا ليس استعارة. هو سؤال أخلاقي: كم نسمح للأحداث الكبرى أن تعبث بتفاصيلنا الصغيرة؟ حين ترتفع الأسعار ويضيق الأفق، وحين يصبح المستقبل عنوانًا ضبابيًا، تصبح العلاقة مساحة مقاومة هادئة. مقاومة ضد البرود، ضد الصمت الطويل، ضد تحويل القلق إلى مسافة.
في بغداد وبيروت، يعرف الناس أن الضجيج لا يتوقف. وفي عمان نعرف أن الهدوء هش. لذلك، كل مكالمة صادقة بيننا ليست رفاهية، بل إعادة ترتيب للعالم بحجمه الصحيح. العالم كبير ومضطرب، نعم. لكن المسافة بين قلبين، إن حُمِيت، يمكن أن تبقى مستقرة رغم كل شيء.
ما زال بيننا شيء، ليس ذكرى معلّقة، ولا وعدًا مؤجلاً.
هو قرار نتخذه معاً، كل يوم، أن لا نسمح للعالم أن يختصرنا في خوفه.
هو اتفاق صامت بأن نحمي هذه المساحة مهما تعاظم الضجيج.
فالحروب قد تعيد رسم الخرائط، لكنها لا تستطيع إعادة رسم علاقتنا، ما دمنا نحن من يمسك بالقلم.
#يزن_تيسير_سعاده (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟