أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يزن تيسير سعاده - الجرأة الضائعة: الوطن العربي بين الحب والخوف














المزيد.....

الجرأة الضائعة: الوطن العربي بين الحب والخوف


يزن تيسير سعاده

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 00:28
المحور: قضايا ثقافية
    


أحيانًا يبدو أن الوطن العربي يعيش حالة من الصمت القاتل، صمت أشد تأثيرًا من أي قيد، أقسى من أي ظلم مباشر. نحن نعرف الحب، نعرف الفرح، نعرف القدرة على التضحية والإبداع، لكننا نخاف التعبير، نخاف الاعتراف، نخاف الخطوة الأولى التي يمكن أن تغيّر كل شيء. الجرأة، بكل بساطة، مفقودة. وكل لحظة صمت تنتج طاقة ضاغطة على الروح، تحجب الحب، تحجب النجاح، تحجب حتى القدرة على أن نكون أحرارًا في أنفسنا.
في الحب كما في الحياة، نخاف أن نقول ما نشعر به، نخاف أن نواجه ما نعرفه، نخاف أن نخسر الأمان المزيف الذي منحنا إياه الصمت. نحب، ننجز، نساعد، ونبتسم داخليًا، لكننا لا نعلن، لا نصرّح، لا نرفع الصوت. نحن نعيش في معادلة مستحيلة: التعبير عن النفس يعني المخاطرة، المخاطرة تعني احتمال الرفض، والرفض في مجتمعنا لا يُغتفر بسهولة. وهكذا نختار الصمت، ونترك الحب والجرأة يذوبان في فراغ لا يراه أحد سوى القلب نفسه.

حين جاء الرفض في حياتي الشخصية، لم يكن مجرد كلمة عابرة. كان بمثابة اختبار شامل للوعي والصبر، للصدق والجرأة. لم أتعامل معه كإهانة، بل كسؤال كبير بلا إجابة واضحة. لم أكن مجرد صديق، لا، أنا الحبيب الذي يحتويك كالأب حين تخافين، كالصديق حين تضحكين، كالأخ حين تحتاجين سندًا. اعلمي أن حبنا لن يعود صداقة أبدًا، لأن ما وُلد بحجم القلب لا يمكن أن يُعاد تشكيله بحجم المجاملة. لكن حتى هذا لم يكن كافيًا، لأن الجرأة مفقودة في مكان آخر، في مجتمعنا كله، حيث كل كلمة حب يمكن أن تتحول إلى تهديد، وكل خطوة شجاعة تُقابل باللوم أو الرفض.
الوجع الحقيقي ليس في الرفض، بل في أن نعيش الحب ونخاف أن نحميه، أن نُعبر عنه ونخاف أن نُفهم. هذا هو صدى الوطن العربي: شباب يكتشف مواهبه ويخاف أن يعلنها، فنان يخلق أعظم الأعمال ويخاف النقد، رجل وامرأة يحبون بصدق ويخافون على سمعتهم، على أسرهم، على مستقبلهم. كل خطوة فيها شجاعة كبيرة، وكل كلمة صريحة تشبه طلقة صامتة في قلب الجمود، تهز النظام الداخلي، تجعلك تدرك أن العالم كله يخاف مواجهة الحقيقة.

الصفحة التي تركناها مفتوحة هنا تصبح رمزًا لكل ما نؤجله: كل حب لم يُعلن، كل فكرة لم تُكتب، كل حلم لم يُتجرأ عليه. الميزان بيننا وبين الآخرين، بيننا وبين أنفسنا، وبيننا وبين أحلامنا، ما زال معلقًا. هل نحن في منتصف الطريق؟ أم أن الميزان فقد معناه بالفعل؟ هل الخوف من الخطأ الماضي؟ أم من ظروف صعبة؟ أم من حقيقة أننا لم نكن صادقين بما فيه الكفاية؟ كل صمت طويل يقتل شيئًا بداخلنا، وكل خوف من الجرأة يسرق جزءًا من الحياة التي كان يمكن أن نعيشها بحرية.
ثم تأتي لحظة المواجهة الكبرى: أن تقول لنفسك وللعالم إنك لن تصمت أكثر، إنك لن تخاف من الحب، من التعبير، من الحياة. لحظة تكون فيها الصدمة أقوى من أي شعور آخر: رؤية ما ضاع، رؤية الفرص التي لم تُغتنم، رؤية الأشخاص الذين أحببناهم بصمت وهم أمامنا، نخشاهم من صراخ المجتمع، نخشاهم من حكم الوقت، نخشاهم من أنفسنا. هذه هي طلقة الصمت، التي تمرّ بسرعة لكنها تترك أثرًا لا يمحى.

الجرأة ليست رفاهية. هي ليست خيارًا ثانويًا. هي أن تفتح الصفحة التي تركتها معلقة، أن تضع قلبك في مكانه الصحيح، أن تقول بصوتك: أنا هنا، أنا أحب، أنا أصنع، أنا أعبّر. إن لم نفعل، سنظل في دائرة من الخوف والصمت، نعيش حياة نصفها وهم، ونفقد الفرصة لرؤية ما كنا نستحقه.
في الوطن العربي، الجرأة الضائعة تكلفنا أكثر من المال، أكثر من السلطة، أكثر من الفشل والخوف الظاهر. تكلفنا أنفسنا، تكلفنا حبنا، تكلفنا القدرة على أن نكون كاملين، أصيلين، صادقين. كل صمت طويل هو طلقة مميتة، كل خوف بلا مواجهة هو خنق للروح. ونحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى الجرأة: جرأة على الحب، جرأة على التعبير، جرأة على مواجهة الحقيقة، جرأة على إعادة ميزان القرب إلى مكانه الطبيعي.

وفي النهاية، يبقى السؤال الصعب: هل سنختار الجرأة، أم سنستمر في صمتنا الطويل؟ هل سنترك الصفحات مفتوحة، أم سنكتبها بقلمنا، بصدقنا، بشجاعتنا؟ لأن الحب، الحقيقة، الإبداع، لا يمكن أن يُعاش إلا حين يكون القلب مستعدًا للخطوة الأولى، والخطوة الثانية، والخطوة الثالثة بلا خوف. الجرأة هي الحياة، والجرأة هي الحب، والجرأة هي الوطن العربي إذا أراد أن يتنفس حقًا.



#يزن_تيسير_سعاده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ميزان القرب
- لا ينقص الحب شيء .. إلا الجرأة
- العلاقات السرية في المجتمع الأردني: ازدواجية أخلاقية أم نتيج ...
- أزمة تعريف الرجولة في المجتمع الأردني: قراءة في الخوف من الم ...
- حين تُستورد الكراهية إلى بيوتنا: “الحبة الحمراء” في السياق ا ...
- ما زال بيننا شيء.. لم يُكتب، ولم يُنسَ.
- قذارة في المعاملة .. والمرأة ليست جارية.
- الحب القديم لا يعود صحبة .. بل يظل حبًا صامتًا ينمو من الصحب ...
- الزواج بعد الخوف: كيف يتحوّل الألم إلى وعي لا انسحاب
- الصفحة التي لم تُغلق: شهادات الخراب والصمت
- الصمت الذي يقتل الحب .. ولماذا يختفي الرجل أحيانًا
- صفحة مفتوحة: حين يصبح البقاء انتصارًا
- الصفحة التي تتنفس
- الصفحة التي تركناها مفتوحة - ما زال بيننا شيء - قراءة فكرية ...
- حين يصبح الزواج مستحيلًا: الاقتصاد يضغط والمجتمع يدفع الثمن
- مصير حماس من المعادلة السياسية في المنطقة !؟
- الأردن ودور البطولة في سورية !!


المزيد.....




- أمريكا: المحكمة العليا تقضي بعدم قانونية الرسوم الجمركية الش ...
- تقارير: الحكومة البريطانية تدرس استبعاد -الأمير أندرو- من تر ...
- لبنان: 8 قتلى وعشرات المصابين.. إسرائيل توسّع تصعيدها بغارات ...
- ترامب يعلن رسوما جمركية عالمية جديدة بنسبة 10% بعد حكم المحك ...
- أمريكا تتهم 3 مهندسين في وادي السيليكون بسرقة أسرار تجارية و ...
- مطار دولي جديد في النقب.. ونتنياهو يعتبر أن غزة لم تعد عائقً ...
- -نرفض التدخل في الشأن الداخلي-.. حماس تحدد شروطها لنشر قوة د ...
- كيف نميز بين التمور الفلسطينية وتمور الاحتلال؟
- دوجاريك: نحو 5 آلاف فلسطيني نزحوا بسبب هجمات المستوطنين بالض ...
- عمر عبد الكافي يرسم خريطة طريق لصيام رمضان


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يزن تيسير سعاده - الجرأة الضائعة: الوطن العربي بين الحب والخوف