أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يزن تيسير سعاده - الصفحة التي لم تُغلق: شهادات الخراب والصمت














المزيد.....

الصفحة التي لم تُغلق: شهادات الخراب والصمت


يزن تيسير سعاده

الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 02:49
المحور: الادب والفن
    


لم تُكتب هذه الصفحة بالحبر، ولم تُصغ من خيال يبحث عن استعارة أو مجاز. هذه الصفحة فُتحت لأنها عُرضت على العين قبل القلب، ولأنها كُتبت من واقع عُيش، لا من حكاية متخيّلة. تُركت مفتوحة لأن الحقيقة، في لحظات معيّنة، لا تجد من يحميها، ولأن الصمت قد يكون أبلغ من أي برهان.
ما حدث لم يكن سوء تفاهم عابرًا، بل مسار إفساد بطيئًا، مدروسًا، استُخدم فيه الشك كأداة، والتحريض كلغة، والسكوت كغطاء. كانت العلاقة تسير بهدوء، تنمو على نار هادئة، إلى أن سُمح لظلٍّ دخيل أن يتسلل، لا ليكون طرفًا معلنًا، بل ليكون عامل تشويش، يذيب السمّ في العسل دون ضجيج. ومنذ تلك اللحظة، بدأ كل شيء يتغيّر دون أن يبدو التغيير فجًّا، وهذا أخطر أشكال الانهيار.
لم يكن الخراب عاطفيًا فقط، بل امتدّ إلى الثقة، وإلى الاستقرار الوظيفي، وإلى أحلام بريئة لم ترتكب سوى خطيئة الإيمان بالآخر. على امتداد وقت طويل، كانت تُنسج الشِباك بصبر، فرصة بعد فرصة، ومساحة بعد مساحة، بينما كان التحذير حاضرًا، لا بدافع الاتهام، بل بدافع الحرص. ومع ذلك، بقيت الحقيقة معلّقة، لا تُكذّب ولا تُصدّق، وكأن الانتظار كان أسهل من المواجهة.
في هذا المشهد، لم يكن الخراب صاخبًا. لم يأتِ في صورة صدمة واحدة، بل في تفاصيل صغيرة، متراكمة، تتخفّى خلف أقنعة الحرص والغيرة والخوف. تحوّل التشويش إلى رأي، والتدخّل إلى نصيحة، وأصبح الدفاع عن الحقيقة مجهودًا مرهقًا، لأن الضباب حين يشتدّ، لا يعود أحد قادرًا على رؤية الصورة كاملة.
الأقسى في هذه التجربة لم يكن الفعل نفسه، بل ما يخلّفه من شعور بالعجز. أن ترى الانهيار قادمًا ولا تمتلك الأدوات لإيقافه. أن تحاول حماية ما تحب، فتكتشف أن الحب وحده لا يكفي دائمًا أمام تراكم الشكوك وسوء التأويل. هنا يصبح الألم وجوديًا، لا لأن الخسارة وقعت، بل لأن الجميع كان يدفع ثمن مسار لم يختره بالكامل.
في قلب هذا الخراب، لم يكن هناك مذنب واحد، بل ضحايا لمسار واحد. ضحايا لصمت طال أكثر مما يجب، ولتدخّلات لم تُواجَه في وقتها، ولحقيقة لم تُحسم حين كان الحسم ممكنًا. تُركت الصفحة مفتوحة لأنها حملت عبء ما لم يُعالج، لا لأن أحدًا أراد الهروب، بل لأن الظروف كانت أقوى من النوايا.
«الصفحة التي تركناها مفتوحة» ليست عنوانًا عاطفيًا، بل توصيف لحالة إنسانية تتكرر كثيرًا. حالة قصص لا تُغلق لأنها لم تنتهِ بشكل عادل، بل توقّفت في منتصف الطريق. وهي شهادة على أن بعض الانكسارات لا تنتج عن قسوة القلوب، بل عن تراكم الصمت، وعن تأجيل المواجهة حتى تفقد قدرتها على الإنقاذ.
ختامًا، لم تُترك هذه الصفحة مفتوحة لأن أحدًا عجز عن الإغلاق، بل لأن القلب رفض أن يُغلق ما كان يومًا صادقًا. فبعض القصص لا تنتهي حين تتكسر، بل حين تفقد معناها، وهذا المعنى ما زال حيًا، يتنفس تحت الركام. ما زال بيننا فهم يشبه الذاكرة، ولغة مشتركة لم تخذلنا، وإن أثقلها التعب وسوء الظن والوقت القاسي.
الحنين هنا ليس عودة إلى الوراء، بل وقوف صامت أمام ما كان جميلًا، اعتراف بأن الحب الذي مُسّ بالخراب لم يكن وهمًا، وأن القرب الذي تضرر لم يكن خطأ. وربما، حين تهدأ الأرواح من ضجيج الآخرين، يمكن لما تبقى من دفء أن يعيد ترتيب الأشياء، لا ليكرر الماضي، بل ليمنحه فرصة أن يُفهم من جديد.
«الصفحة التي تركناها مفتوحة» ليست جرحاً معلّقًا، بل وعداً مؤجلاً. وعد بأن ما فُسد بفعل الظلال يمكن أن يُعاد ترميمه بنور الصدق. وبأن ما قُتل ببطء قد يجد طريقه إلى حياة أخرى، أكثر وعيًا، أكثر رحمة، وأكثر إنصافًا للقلب الذي ما زال يعرف… وما زال يشعر… وما زال، رغم كل شيء، قادرًا على الحب.



#يزن_تيسير_سعاده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصمت الذي يقتل الحب .. ولماذا يختفي الرجل أحيانًا
- صفحة مفتوحة: حين يصبح البقاء انتصارًا
- الصفحة التي تتنفس
- الصفحة التي تركناها مفتوحة - ما زال بيننا شيء - قراءة فكرية ...
- حين يصبح الزواج مستحيلًا: الاقتصاد يضغط والمجتمع يدفع الثمن
- مصير حماس من المعادلة السياسية في المنطقة !؟
- الأردن ودور البطولة في سورية !!


المزيد.....




- أمريكا.. قائمة بـ 25 فيلمًا أُضيفت للسجل الوطني للأفلام
- 25 فنانًا وفنانة يجسدون مفردات الجنوب العراقي في معرض ذي قار ...
- نهارا وعلى مرأى الجميع.. سطو -سينمائي- في لندن يشعل المنصات ...
- كيف نتعلم من الذكاء الاصطناعي ثقافة الإنصات والتعاطف مع الآخ ...
- الأديب التونسي رضا مامي: الشاعر الحقيقي يظل على يسار السلطة ...
- -سرديات تحت الاحتلال-... افتتاح معرض -رام الله آرت فير- بمشا ...
- رحيل الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- هذه السيدة نقلت ثقافة وتعليم اليابان إلى سلطنة عمان
- من خيال إلى حقيقة.. هل جسد فيلم -هوستل- ما جرى في جزيرة إبست ...
- رحيل الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط


المزيد.....

- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يزن تيسير سعاده - الصفحة التي لم تُغلق: شهادات الخراب والصمت