أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يزن تيسير سعاده - صفحة مفتوحة: حين يصبح البقاء انتصارًا














المزيد.....

صفحة مفتوحة: حين يصبح البقاء انتصارًا


يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.

(Yazan Saadeh)


الحوار المتمدن-العدد: 8604 - 2026 / 1 / 31 - 09:08
المحور: الادب والفن
    


في مدينة اعتادت أن تختبر الناس أكثر مما تحتمل قلوبهم، نشأ شاب تعلّم باكرًا أن القسوة ليست حدثًا عابرًا، بل نظام حياة. لم يكن الظلم طارئًا عليه، كان جزءًا من تفاصيله اليومية: في البيت حيث تُوزَّع الأدوار بغير عدل، وفي الشارع حيث يُكافأ الأقسى لا الأصدق، وفي سوق العمل حيث يُستنزف الجهد ويُهان الحلم، وتُترك الكرامة على الهامش.
كبر وهو يفهم أن العالم لا يصفّق للمنهكين، بل يستسهل كسرهم. كان هدفًا سهلًا: صامت، مسؤول أكثر مما يجب، يتحمّل أكثر مما يُطلب، حتى صار الألم عنده لغة داخلية، لا يشكوها ولا يتباهى بها. ومع كل خسارة، كان يفقد شيئًا ما: ثقة، أمانًا، شخصًا، أو فكرة كان يظنها ثابتة.
وفي مكانٍ موازٍ، كانت هناك فتاة تخوض معركة مختلفة في الشكل، متشابهة في الجوهر. لم تكن أيامها أرحم، ولا خياراتها أوسع. وُضعت تحت ضغط التوقعات، تحت سقف القوالب الجاهزة، وتحت ثقل أيام لا تمنح ابتسامة إلا وتستردّ مقابلها شيئًا أثمن. تعلّمت أن تخفي تعبها بابتسامة محسوبة، وأن تحمي قلبها بالصمت، وأن تؤجل أحلامها لأن الواقع لا يسمح لها بالترف.
حين التقيا، لم يكن اللقاء ضجيجًا، بل اعترافًا صامتًا. كأن كلًّا منهما رأى في الآخر مرآة لا تفضح الضعف، بل تفهمه. لم يتبادلا الوعود، تبادلا الطمأنينة. لم يتحدثا عن النجاة، بل شعرا بها. صار الوقت أخفّ، والأيام أقل قسوة، ليس لأن الواقع تغيّر، بل لأن الحلم وجد من يشاركه العبء.
لكن الحياة لم تمنحهما استثناءً. الاقتصاد كان يضيق، والفرص تتآكل، والسياسات تضغط على الشباب كأنها تختبر قدرتهم على الاحتمال حتى الانكسار. الفشل لم يكن خيارًا، كان نتيجة محتملة في كل محاولة. ومع ذلك، لم يكن اليأس سيّد الموقف. كان هناك عناد هادئ، صمود بلا ضجيج، وإصرار على أن الحب ليس ترفًا، بل وسيلة بقاء.
احتفالاتهما كانت صغيرة حدّ التلاشي: ضحكة في منتصف تعب، رسالة تطمئن بعد يوم ثقيل، حلم يُقال بصوت منخفض خوفًا من أن يسمعه الواقع فيفسده. وفي كل مرة يسقطان، كان النهوض أبطأ، لكنه أصدق. لم ينتصرا على العالم، لكنهما لم يسمحا له أن ينتصر عليهما بالكامل.
القسوة لم تختفِ، والظلم لم يُرفع، والفقد كان حاضرًا كظل طويل. لكنهما أدركا أن البقاء بحد ذاته فعل مقاومة، وأن الاستمرار ليس ضعفًا، بل شكل آخر من أشكال الانتصار. أن تحب في زمن خانق ليس هروبًا، بل شجاعة. وأن تحلم وسط هذا الركام ليس سذاجة، بل وعي بأن الحياة لا تُقاس بما أُخذ منها، بل بما بقي قادرًا على النبض.
وهكذا، تبقى الحكاية بلا خاتمة نهائية.
الطريق ما زال قاسيًا، والظروف لم تنكشف بعد، لكن الصفحة لم تُغلق. لا لأنها فارغة، بل لأنها لم تقل كلمتها الأخيرة. لأن بعض القصص تُترك مفتوحة، لا عجزًا عن إنهائها، بل احترامًا لما لم يحدث بعد.
هذا المقال مستوحى ضمنيًا من أفكار وروح كتابي القادم
«الصفحة التي تركناها مفتوحة – ما زال بيننا شيء»،
ويعكس تجربة إنسانية يومية، لكنه قائم بذاته كعمل سردي مستقل.



##يزن_سعاده_#ميزان_القرب (هاشتاغ)       Yazan_Saadeh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصفحة التي تتنفس
- الصفحة التي تركناها مفتوحة - ما زال بيننا شيء - قراءة فكرية ...
- حين يصبح الزواج مستحيلًا: الاقتصاد يضغط والمجتمع يدفع الثمن
- مصير حماس من المعادلة السياسية في المنطقة !؟
- الأردن ودور البطولة في سورية !!


المزيد.....




- بين -بطل من هذا الزمان- و-صمت الحملان-.. كيف تنبأ ليرمونتوف ...
- بقيمة 9 ملايين يورو.. الشرطة الإيطالية تستعيد 3 لوحات مسروقة ...
- بيت المدى يوجه التحية إلى الفنان المسرحي صلاح القصب
- -عملية جراحية في قلب الأرض-.. دقة المشارط تُعيد بعث مقابر ال ...
- -غزة ومعاناة الفلسطينيين حاضرة-.. انطلاق النسخة الـ11 لمعرض ...
- مصر.. اكتشافات أثرية قد تقود إلى مدينة فرعونية مفقودة
- معرض -كوكب السيليكون-.. أسرار الكون تجسدها إبداعات الزجاج ال ...
- وزارة الموارد المائية والري ووزارة الثقافة تحتفلان بـ«عيد وف ...
- أسبوع القاهرة للتصميم شريكا في موسكو.. تعزيز حضور التصميم ال ...
- 40 فيلما من 13 دولة في مهرجان -ليندوك- السينمائي ببطرسبورغ


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يزن تيسير سعاده - صفحة مفتوحة: حين يصبح البقاء انتصارًا