أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - يزن تيسير سعاده - أزمة تعريف الرجولة في المجتمع الأردني: قراءة في الخوف من المرأة المستقلة.














المزيد.....

أزمة تعريف الرجولة في المجتمع الأردني: قراءة في الخوف من المرأة المستقلة.


يزن تيسير سعاده

الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 20:48
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


لنبدأ من الحقيقة التي يتجنبها كثيرون: هناك رجال لا يخافون من المرأة الضعيفة، بل من المرأة التي لا تحتاجهم. يخافون من امرأة تعرف ماذا تريد، تعمل، تكسب، تناقش، وتقول "لا" بثبات. ليست المشكلة في قوتها، بل في ارتباك تعريفهم لأنفسهم أمامها. حين تقف امرأة مستقلة أمام رجل اعتاد أن تُقاس قيمته بمدى حاجة الآخرين له، تهتز المعادلة. لا لأن المرأة تجاوزت حدودًا، بل لأن تلك الحدود كانت وهمًا تربويًا أكثر منها قاعدة أخلاقية.

في الأردن، كما في مجتمعات كثيرة، تشكّل وعي أجيال كاملة على فكرة أن الرجولة تعني الإعالة أولًا، والقرار أولًا، والصوت الأعلى أولًا. لكن الواقع تغيّر. الجامعات تمتلئ بطالبات متفوقات، وسوق العمل يشهد حضورًا نسائيًا لافتًا، والمبادرات الريادية تقودها شابات يفرضن أسماءهن بجدارة. هنا تبدأ المفارقة: المجتمع يحتفي بنجاح المرأة في العلن، لكنه يتردد في قبوله حين يدخل البيت. الإعجاب شيء، والشراكة شيء آخر.

تظهر علامات الارتباك في لغة يومية مألوفة: "لا أريدها أقوى مني"، “المرأة لازم تحتاج الرجل”، "إذا استغنت عنا شو ظلّ إلنا ؟". هذه العبارات لا تكشف خوفًا من امرأة بعينها، بل خوفًا من فقدان امتياز اعتُبر طويلًا حقًا طبيعيًا. الرجولة الصحية لا تُختزل في الإنفاق، ولا تُقاس بعلو الصوت. أما الرجولة الهشّة فتربط قيمتها بظلّ امرأة أقصر منها خطوة، فإذا تقدمت خطوة شعرت بأنها تتراجع.

ليس الحديث هنا حربًا بين الرجال والنساء، بل عن أزمة تعريف. حين يُربّى الشاب على أن القيادة مقعد واحد، سيخاف من أي شراكة حقيقية. وحين تُختزل الكرامة في السيطرة، سيُساء فهم الندية على أنها تحدٍّ. لذلك، لا يكون نجاح المرأة فرصة لبناء فريق أقوى، بل اختبارًا مؤلمًا لذات لم تتعلّم أن ترى القوة في التعاون.

تتغذّى هذه الهشاشة من خطاب رقمي يروّج لفكرة أن "الرجل الحقيقي" يجب أن يكون محور الحاجة. تُختزل العلاقة في ميزان قوة، ويُختزل الحب في طاعة. وإذا لم تتحقق المعادلة، تُلصق بالمرأة تهم جاهزة: متعالية، باردة، أنانية، "مسترجلة". كأن الطموح عيب، وكأن الاستقلال جريمة. هذا الخطاب لا يحمي الرجل، بل يضعه في قفص توقعات غير واقعية؛ فإذا تعثّر اقتصاديًا أو تغيّرت الظروف، انهارت الصورة معه.

المفارقة أن كثيرًا من هؤلاء الرجال ينجذبون في البداية إلى المرأة الواثقة. تعجبهم شخصيتها، طموحها، حضورها. لكن حين تتحول العلاقة إلى مساحة قرار مشترك، يظهر التوتر. لماذا؟ لأن الإعجاب من بعيد لا يكلّف شيئًا، أما الشراكة فتتطلب إعادة توزيع للسلطة الرمزية داخل العلاقة. هنا يُختبر النضج: هل أستطيع أن أكون قويًا دون أن أكون مسيطرًا؟

في المقابل، هناك رجال كثر لا يرون في المرأة القوية تهديدًا، بل سندًا. يفهمون أن الندية تخفف العبء، وأن الحوار ينضج القرار، وأن الاحترام المتبادل أكثر صلابة من أي وصاية. هؤلاء لا يقيسون كرامتهم بمقارنة دائمة، ولا يحتاجون إلى إضعاف أحد كي يشعروا بالقيمة. الرجولة عندهم مسؤولية وخلق وقدرة على الإصغاء، لا سباقًا على من يقود.

السؤال الصريح إذن: أي رجل تخيفه المرأة القوية؟ تخيف من بنى هويته على امتياز غير مُساءل. تخيف من يرى الشراكة منافسة. تخيف من لم يتصالح مع ضعفه الإنساني بعد. أما من أدرك أن القوة لا تُستمد من احتياج الآخر، فلن يخاف. سيختلف، سيجادل، لكنه لن يُقصي. سيختار أن يتطور بدل أن يتقوقع.

نحن بحاجة إلى مراجعة تربوية عميقة. أن نعلّم أبناءنا أن الرجولة ليست قفصًا من التوقعات الثقيلة، ولا عقدة تفوق مستمرة. أن القيادة في البيت ليست مقعدًا واحدًا، بل عملية مشتركة تتبدل فيها الأدوار بحسب الظرف والكفاءة. وأن الاعتراف بقدرات المرأة ليس تنازلًا، بل نضجًا. المجتمع الذي يزرع الخوف من امرأة مستقلة، يزرع خوفًا أكبر من العالم المتغير.

الواقع الاقتصادي يزيد الصورة وضوحًا. الضغوط المعيشية لا ترحم أحدًا، وتحمّل الرجل وحده عبء الإعالة لم يعد وصفة واقعية. الشراكة ليست رفاهية، بل ضرورة. حين تعمل المرأة وتنجح، لا تُنقص من قيمة الرجل، بل ترفع سقف الأمان للجميع. العلاقة التي تقوم على توزيع عادل للمسؤوليات أقدر على الصمود من علاقة تُدار بعقلية التفوق.
قد يُقال إن وصف "الرجولة الهشّة" قاسي. لكن القسوة أحيانًا مرآة صادقة. التشخيص ليس إدانة للرجال، بل دعوة إلى نسخة أوسع من أنفسهم. نسخة لا ترتبك أمام نجاح شريكة، ولا ترى في الندية تهديدًا، ولا تُحوّل الحب إلى ميزان قوة. نحن لا نحتاج إلى رجال أقل قوة، بل إلى قوة لا تخاف.

لا مستقبل لعلاقة تقوم على الخوف، ولا معنى لرجولة تُقاس بمدى احتياج امرأة لها. الكرامة الحقيقية لا تُبنى على التفوق على الشريك، بل على القدرة على الوقوف إلى جانبه دون ارتباك. الرجل الواثق لا تهزه امرأة ناجحة، ولا تُربكه شريكة مستقلة؛ لأنه لا يرى في نجاحها خصمًا، بل امتدادًا لمساحة مشتركة من الطموح. المرأة القوية ليست تهديدًا، بل اختبارًا صادقًا لنضج الرجل: هل يرى فيها ندًا يحترمه، أم ساحة يثبت فيها سيطرته؟ في أردن يتغير سريعًا، حيث تتقدم النساء في الجامعات وسوق العمل والمبادرات العامة، لم يعد السؤال إن كانت المرأة ستواصل الصعود، بل إن كان تعريف الرجولة سيتسع ليتسع لها. من يختار الشراكة بدل الهيمنة، والاحترام بدل القلق، لا يخسر مكانته، بل يربح نفسه أولًا، ويؤسس لعلاقة لا تقوم على الحاجة، بل على الاختيار الحر والكرامة المتبادلة.



#يزن_تيسير_سعاده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تُستورد الكراهية إلى بيوتنا: “الحبة الحمراء” في السياق ا ...
- ما زال بيننا شيء.. لم يُكتب، ولم يُنسَ.
- قذارة في المعاملة .. والمرأة ليست جارية.
- الحب القديم لا يعود صحبة .. بل يظل حبًا صامتًا ينمو من الصحب ...
- الزواج بعد الخوف: كيف يتحوّل الألم إلى وعي لا انسحاب
- الصفحة التي لم تُغلق: شهادات الخراب والصمت
- الصمت الذي يقتل الحب .. ولماذا يختفي الرجل أحيانًا
- صفحة مفتوحة: حين يصبح البقاء انتصارًا
- الصفحة التي تتنفس
- الصفحة التي تركناها مفتوحة - ما زال بيننا شيء - قراءة فكرية ...
- حين يصبح الزواج مستحيلًا: الاقتصاد يضغط والمجتمع يدفع الثمن
- مصير حماس من المعادلة السياسية في المنطقة !؟
- الأردن ودور البطولة في سورية !!


المزيد.....




- آن-كلير لوجاندر أول امرأة تترأس معهد العالم العربي في باريس ...
- تقرير أممي صادم: المهاجرون في ليبيا يواجهون -جحيماً- من التع ...
- الاكتئاب وعلاماته
- آن-كلير لوجاندر.. أول امرأة تعين رئيسة لمعهد العالم العربي ف ...
- آن كلير لوجاندر، أول امرأة رئيسة لمعهد العالم العربي في باري ...
- -تنكّر بزيّ امرأة وأطلق النار على عائلته-.. ماذا حدث خلال مب ...
- بعد استقالة جاك لانغ.. هل تصبح آن-كلير لوجاندر أول امرأة ترأ ...
- سويدي متهم بتسويق زوجته لممارسة الجنس مع أكثر من 100 رجل.. و ...
- سويدي متهم بتسويق زوجته لممارسة الجنس مع أكثر من 100 رجل.. و ...
- دراسة :حمية البحر المتوسط ترتبط بانخفاض خطر السكتة الدماغية ...


المزيد.....

- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش
- المرأة الإفريقية والآسيوية وتحديات العصر الرقمي / ابراهيم محمد جبريل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - يزن تيسير سعاده - أزمة تعريف الرجولة في المجتمع الأردني: قراءة في الخوف من المرأة المستقلة.