أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يزن تيسير سعاده - ميزان القرب كمدرسة فكرية: حين يصبح اختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع أصل الأزمات العربية















المزيد.....

ميزان القرب كمدرسة فكرية: حين يصبح اختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع أصل الأزمات العربية


يزن تيسير سعاده

الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 23:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


نحن لا نعيش أزمة اقتصاد فقط، ولا أزمة سياسة فقط، ولا حتى أزمة ثقة عابرة بين الناس ومؤسساتهم. نحن نعيش اختلالاً عميقاً في "ميزان القرب". هذا الميزان الذي لا يُدرّس في الجامعات، ولا يُذكر في نشرات الأخبار، لكنه يتحكم في حرارة المجتمعات، في استقرار الدول، في شكل الأسواق، وفي قدرة الإنسان على أن يشعر بأنه مرئي ومسموع ومُحتسب في المعادلة.
في الأردن، حين تقترب نسبة البطالة من حدود 22% في السنوات الأخيرة، وتلامس بطالة الشباب أرقاماً تقارب 40%، لا تكون المسألة مجرد رقم اقتصادي بارد. الرقم هنا يعكس فجوة في القرب بين الدولة وشبابها، بين السياسات وطموحات الجيل الجديد. حين يشعر الشاب أن جهده لا يقوده إلى فرصة، وأن تعبه لا يتحول إلى استقرار، يبدأ ميزان القرب بالاختلال. ليس لأنه يكره وطنه، بل لأنه لم يعد يشعر أن الوطن يقترب منه بالقدر ذاته الذي يقترب هو منه بالأمل.

في العالم العربي، حيث تتجاوز معدلات البطالة العامة 10% في بعض الدول، وتصل نسب الدين العام في دول عدة إلى ما يفوق 90% من الناتج المحلي، وحيث تضغط أزمات التضخم وارتفاع الأسعار على الطبقة الوسطى حتى تكاد تتآكل، يصبح السؤال أعمق من سؤال "لماذا ترتفع الأسعار؟". السؤال الحقيقي: لماذا يشعر الناس أن القرارات تُتخذ بعيداً عنهم؟ لماذا يتسع الشعور بأن المواطن هو آخر من يعلم، وأول من يدفع الثمن؟ هنا أيضاً يختل ميزان القرب، لأن السياسة عندما تبتعد عن نبض الناس، تتحول إلى إدارة أرقام لا إلى إدارة بشر.
ما حدث في المنطقة خلال العقدين الماضيين يوضح أن الأزمات لا تنفجر فجأة. قبل كل انفجار سياسي أو اجتماعي، كان هناك صمت طويل. كان هناك إحساس متراكم بأن الصوت لا يصل. في بعض الدول العربية، خرجت احتجاجات بسبب قرارات ضريبية أو رفع دعم، لكن جوهر الغضب لم يكن في القرار نفسه، بل في الشعور بعدم المشاركة في صياغته. ميزان القرب هنا لا يتعلق فقط بالقرب الجغرافي من السلطة، بل بالقرب النفسي والمعنوي؛ أن يشعر المواطن أن رأيه محسوب، وأن معاناته مرئية، وأن عطاءه مقدّر.

اقتصادياً، تشير التوقعات إلى أن المنطقة العربية ستحتاج إلى أكثر من 30 مليون فرصة عمل جديدة بحلول عام 2030 لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل. هذا الرقم ليس تحدياً تقنياً فحسب، بل تحدٍ أخلاقي وفكري. إذا لم يُعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين القطاع الخاص والشباب، فإن الأرقام المستقبلية قد تتحول إلى ضغط اجتماعي متصاعد. ميزان القرب هنا يعني أن يشعر الشاب أن القطاع الخاص لا يراه مجرد تكلفة، وأن الدولة لا تراه مجرد رقم في تقرير بطالة.
سياسياً، العالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب. في المنطقة، تتعقد المشهدية أكثر بفعل صراعات إقليمية وتوترات مستمرة. لكن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس الحرب المباشرة، بل الحرب الباردة داخل المجتمع الواحد: انقسام فكري، تخوين متبادل، شعور دائم بأن الآخر خصم لا شريك. عندما يفقد المجتمع قدرته على إدارة الاختلاف، ينهار ميزان القرب بين مكوناته. تصبح اللغة أكثر حدة، والمساحات المشتركة أضيق، وتتحول مواقع التواصل إلى ساحات تصفية حسابات بدل أن تكون جسوراً للحوار.

اجتماعياً، تتآكل الطبقة الوسطى في أكثر من بلد عربي تحت ضغط التضخم وارتفاع كلفة السكن والتعليم والصحة. في الأردن مثلاً، يشكل الإنفاق على السكن والطاقة نسبة كبيرة من دخل الأسر، ومع أي ارتفاع جديد في الأسعار، يتقلص هامش الأمان. عندما يشعر الأب أو الأم أن جهدهما لم يعد يكفي لتأمين الاستقرار، يبدأ شعور خفي بالخذلان. هذا الخذلان لا يُترجم دائماً إلى احتجاج في الشارع، لكنه يُترجم إلى انسحاب من المشاركة، إلى لا مبالاة، إلى انطفاء داخلي. وهنا يكون الخطر الأكبر: مجتمعات باردة، لا تثور ولا تبادر، لأنها لم تعد تشعر بالقرب.
فكرياً، نحن أمام مفترق طرق. إما أن نستمر في إدارة الأزمات بمنطق رد الفعل، أو نؤسس لمدرسة فكرية جديدة تضع "ميزان القرب" في قلب السياسات. مدرسة تعيد تعريف النجاح السياسي ليس بعدد القوانين الصادرة، بل بمدى شعور الناس بأنهم جزء من صياغتها. تعيد تعريف النجاح الاقتصادي ليس فقط بنمو الناتج المحلي، بل بمدى انعكاس هذا النمو على جودة حياة المواطن العادي. تعيد تعريف القوة الاجتماعية ليس بقدرة المجتمع على الصمت، بل بقدرته على الحوار دون أن يتفكك.

إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون إصلاحات عميقة، فإن السنوات الخمس القادمة قد تشهد ارتفاعاً إضافياً في نسب البطالة بين الشباب في بعض الدول، وزيادة الضغوط على المالية العامة، وتوسع الفجوة بين المركز والأطراف. لكن السيناريو الآخر ممكن. يمكن تحويل العقد القادم إلى عقد استعادة التوازن، إذا تم الاستثمار في التعليم المرتبط بسوق العمل، وفي ريادة الأعمال، وفي الشفافية، وفي إشراك الشباب في صناعة القرار. الأرقام المستقبلية ليست قدراً، بل نتيجة خيارات.
ميزان القرب ليس شعاراً عاطفياً، بل أداة تحليل. هو معيار نقيس به حرارة العلاقة بين المواطن والدولة، بين السوق والمستهلك، بين المثقف والجمهور، بين النخب والشارع. عندما يختل، تظهر الأزمات بأشكال مختلفة: تضخم، هجرة عقول، عزوف انتخابي، تصاعد خطاب الكراهية. وعندما يستقيم، حتى الأزمات الاقتصادية يمكن احتواؤها، لأن الثقة تصبح صمام الأمان.

نحن لا نحتاج فقط إلى خطط خمسية أو رؤى 2030 مكتوبة بلغة براقة. نحتاج إلى إعادة ضبط البوصلة الأخلاقية للعلاقة بين الإنسان ومحيطه. أن يشعر الأردني في مدينته أو قريته أن صوته له وزن. أن يشعر الشاب العربي أن مستقبله ليس مؤجلاً إلى أجل غير مسمى. أن تشعر المرأة العاملة أن جهدها معترف به، وأن الطالب أن تعبه ليس مقامرة.
حين يستقيم ميزان القرب، لا تعود السياسة ساحة صراع صفري، ولا يعود الاقتصاد لعبة أرقام، ولا يصبح المجتمع مجرد تجمع أفراد يعيشون جنباً إلى جنب دون أن يلتقوا. يصبح القرب قيمة حاكمة، ومبدأ توجيه، ومدرسة فكرية تعيد تعريف معنى الدولة، ومعنى المواطنة، ومعنى المسؤولية المشتركة.

وإن لم نفعل، فإن الاختلال لن يبقى صامتاً إلى الأبد. الأرقام ستتكلم، والشارع سيتكلم، والتاريخ سيسجل أننا رأينا المؤشرات مبكراً، لكننا لم ننتبه إلى أن المشكلة لم تكن في قلة الموارد فقط، بل في قلة القرب.



#يزن_تيسير_سعاده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصفحة التي تركناها مفتوحة: الحب والصمود في الأردن
- الخوف من الحرية: لماذا يختار العربي القيد؟
- الجرأة الضائعة: الوطن العربي بين الحب والخوف
- ميزان القرب
- لا ينقص الحب شيء .. إلا الجرأة
- العلاقات السرية في المجتمع الأردني: ازدواجية أخلاقية أم نتيج ...
- أزمة تعريف الرجولة في المجتمع الأردني: قراءة في الخوف من الم ...
- حين تُستورد الكراهية إلى بيوتنا: “الحبة الحمراء” في السياق ا ...
- ما زال بيننا شيء.. لم يُكتب، ولم يُنسَ.
- قذارة في المعاملة .. والمرأة ليست جارية.
- الحب القديم لا يعود صحبة .. بل يظل حبًا صامتًا ينمو من الصحب ...
- الزواج بعد الخوف: كيف يتحوّل الألم إلى وعي لا انسحاب
- الصفحة التي لم تُغلق: شهادات الخراب والصمت
- الصمت الذي يقتل الحب .. ولماذا يختفي الرجل أحيانًا
- صفحة مفتوحة: حين يصبح البقاء انتصارًا
- الصفحة التي تتنفس
- الصفحة التي تركناها مفتوحة - ما زال بيننا شيء - قراءة فكرية ...
- حين يصبح الزواج مستحيلًا: الاقتصاد يضغط والمجتمع يدفع الثمن
- مصير حماس من المعادلة السياسية في المنطقة !؟
- الأردن ودور البطولة في سورية !!


المزيد.....




- مقتل -إل مينشو- زعيم إحدى أقوى عصابات المخدرات في المكسيك بع ...
- لليوم الثاني.. تحركات طلابية في جامعات إيران بين داعمين للحك ...
- -الفرصة الأخيرة- قبل التصعيد.. واشنطن تنتظر المقترح الإيراني ...
- العراق والكويت يحلان مشكلة الحدود
- أزمة في الطريق- العراق لا يرسم حدوده المائية مع الكويت
- الكويت تذَّكر العالم بالغزو العراقي.. وتطالب بغداد باحترام س ...
- أزمة خرائط تشعل حدود العراق والكويت.. إلى أين يتجه الخلاف؟
- اللقاء الوطني الحواري حول مشروع قانون الضمان الاجتماعي المقد ...
- إيران تعلن استعدادها تقديم تنازلات نووية مقابل رفع العقوبات ...
- هآرتس: فضائح إسرائيل كثيرة ومستمرة لدرجة تصعب مواكبتها


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يزن تيسير سعاده - ميزان القرب كمدرسة فكرية: حين يصبح اختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع أصل الأزمات العربية