أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يزن تيسير سعاده - الخوف من الحرية: لماذا يختار العربي القيد؟














المزيد.....

الخوف من الحرية: لماذا يختار العربي القيد؟


يزن تيسير سعاده

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 07:33
المحور: قضايا ثقافية
    


في كثير من الأحيان، لا يُقمع العربي فقط من الخارج، بل من داخله أيضًا. الخوف ينسج شبكة غير مرئية حول الفكر والقرار، تجعل الصمت يبدو أمانًا، والحرية مخاطرةً مستحيلة. هذا المقال يحاول فهم كيف أصبح القيد أسهل من الاختيار، ولماذا يختار الإنسان العيش ضمن خوفه أكثر من مواجهة نفسه واختياراته.
لم يخسر العربي فقط أمام السلطة، بل حين اقتنع أن الصمت أمانٌ وحكمة. لم تكن القوة دائمًا في يد الحاكم، لكن الخوف كان أثقل أثرًا. والسؤال الذي نتجنبه ليس: لماذا يُقمع العربي؟ بل: لماذا يتعايش مع القمع وكأنه قدر محتوم؟ ولماذا تبدو الحرية مخاطرةً أكبر من القيد؟
القمع الخارجي مفهومٌ؛ سلطةٌ تقيّد، وقوانين تضبط، وأجهزة تراقب. لكن الأخطر هو القمع الداخلي حين يتحول الخوف إلى رقيب ذاتي، وحين يصبح الإنسان حارسًا على أفكاره قبل أن يكون أحد رقيبًا عليه. هنا لا تعود المشكلة في العصا، بل في اليد التي اعتادت الانحناء مبكرًا.

منذ الطفولة يُربى كثيرون على الطاعة قبل الفهم، وعلى الامتثال قبل السؤال. تُقدّم الجرأة تهورًا، ويُوصم الاختلاف خروجًا عن الصف. تُزرع مفاهيم مثل "العيب" و"السمعة" زراعةً عميقةً في الوعي، فتتحول قيودًا غير مرئية تضبط السلوك ضبطًا صارمًا. ومع الوقت لا يعود الخوف مفروضًا من الخارج، بل يصبح جزءًا أصيلًا من البنية النفسية والاجتماعية.
الأخطر أن القمع لا يبقى صريحًا دائمًا، بل يُعاد إنتاجه بأسماء أخرى: استقرارًا، أو أمنًا، أو تجنبًا للفوضى. يُبرر التضييق ضرورةً، ويُصوّر الصمت حكمةً، ويُختزل النقاش ثنائيةً حادةً: إما الفوضى وإما الطاعة. وبين الحدين يضيع خيارٌ ثالثٌ هو الحرية المسؤولة.

الحرية ليست شعارًا رومانسيًا، بل مسؤولية ثقيلة. أن تكون حرًا يعني أن تختار اختيارًا واعيًا، وأن تتحمل نتيجة كاملة، وأن تعترف بخطأ إن وقع. الحرية تسقط عنك عذرًا جاهزًا مثل: "لم أكن أملك خيارًا". لذلك قد تبدو الحرية مخيفة أكثر من القيد؛ لأن القيد يمنحك راحة زائفة ويعفيك من قرار صعب.
في لحظات تاريخية كثيرة لم تكن المشكلة غياب فرصة، بل غياب جرأة. الخوف المتراكم يصنع إنسانًا مترددًا حتى حين تُفتح الأبواب فتحًا واسعًا. يتعلم الناس التكيف طويلًا مع القيود، ثم يصبح الخروج عنها مغامرة غير مأمونة. وهكذا يتحول القيد عادة، وتتحول العادة قناعة.

ولا يمكن إعفاء النخبة الثقافية إعفاء كاملًا من المسؤولية. فالمثقف الذي يكتب بصوت خافت، أو يختبئ خلف تعميم رمادي، أو يكتفي بوصف الواقع دون مساءلة جادة، يسهم في ترسيخ ثقافة الحذر. الجرأة ليست صراخًا، لكنها ليست صمتًا دائمًا كذلك.
الخوف شعور إنساني طبيعي، لكنه يصبح خطرًا حين يتحول مرجعية عليا تحكم كل قرار. والمجتمعات التي تبني استقرارها خوفًا تدفع ثمنًا مؤجلًا في الإبداع، وفي المبادرة، وفي الثقة بالنفس. الحرية ليست فوضى حتمية، كما أن القمع ليس نظامًا مضمونًا.

ربما آن الأوان لطرح السؤال طرحًا صريحًا: هل نخاف الحرية لأننا لم نتعلم ممارستها حقًا؟ أم لأننا اعتدنا الخوف اعتيادًا طويلًا حتى أصبح جزءًا من تعريفنا لأنفسنا؟
الحرية ليست عدوًا. العدو الحقيقي هو الاعتياد الطويل على الخوف، حتى يغدو صمتًا داخليًا يحكمنا أكثر مما تحكمنا أي سلطة خارجية.



#يزن_تيسير_سعاده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجرأة الضائعة: الوطن العربي بين الحب والخوف
- ميزان القرب
- لا ينقص الحب شيء .. إلا الجرأة
- العلاقات السرية في المجتمع الأردني: ازدواجية أخلاقية أم نتيج ...
- أزمة تعريف الرجولة في المجتمع الأردني: قراءة في الخوف من الم ...
- حين تُستورد الكراهية إلى بيوتنا: “الحبة الحمراء” في السياق ا ...
- ما زال بيننا شيء.. لم يُكتب، ولم يُنسَ.
- قذارة في المعاملة .. والمرأة ليست جارية.
- الحب القديم لا يعود صحبة .. بل يظل حبًا صامتًا ينمو من الصحب ...
- الزواج بعد الخوف: كيف يتحوّل الألم إلى وعي لا انسحاب
- الصفحة التي لم تُغلق: شهادات الخراب والصمت
- الصمت الذي يقتل الحب .. ولماذا يختفي الرجل أحيانًا
- صفحة مفتوحة: حين يصبح البقاء انتصارًا
- الصفحة التي تتنفس
- الصفحة التي تركناها مفتوحة - ما زال بيننا شيء - قراءة فكرية ...
- حين يصبح الزواج مستحيلًا: الاقتصاد يضغط والمجتمع يدفع الثمن
- مصير حماس من المعادلة السياسية في المنطقة !؟
- الأردن ودور البطولة في سورية !!


المزيد.....




- الولايات المتحدة تخطط لإعادة فتح سفارتها في دمشق
- تكتل الأحزاب اليمنية يعلق على أحداث عدن ومستشار التحالف يلتق ...
- انتقادات حادة لرامز جلال بعد استضافة أسماء جلال وهنا الزاهد ...
- هل تحول إيران ضربة أمريكية محدودة إلى حرب استنزاف؟
- زيلينسكي يتحدث عن استعادة أراض من روسيا ويشكو ضغوط واشنطن
- شهداء برصاصات طائشة.. جنود إسرائيليون يحولون غزة لساحة لهو ب ...
- هكذا تحاول تايوان النجاة من حرب الصين الهجينة
- -غزة.. ليل لا ينتهي-.. قصص مؤلمة للفقد والنزوح والجوع
- بشارة بحبح: بلير تورط في تدمير العراق وهو غير موثوق به
- إتيكيت الضيافة الذكية لكبار السن في عزومات رمضان


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يزن تيسير سعاده - الخوف من الحرية: لماذا يختار العربي القيد؟