أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - عدوٌّ على مقاس خوفنا: تفكيك الرغبة في تحقيق النبوءة مقالة تأويلية














المزيد.....

عدوٌّ على مقاس خوفنا: تفكيك الرغبة في تحقيق النبوءة مقالة تأويلية


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 16:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست المشكلة في أن البشر يقرأون النبوءات،
بل في أنهم لا يحتملون أن تبقى مفتوحة.

منذ أن كُتبت نبوة حزقيال عن “جوج وماجوج”، والوعي الإنساني يعيد رسم خرائطه فوق النص، كما لو أنه يريد أن يختبر دقته لا حكمته. في كل عصر، يُعلن بثقة أنه عثر أخيرًا على الاسم الصحيح، وعلى العدوّ المقصود، وعلى السنة الحاسمة. غير أن السؤال الأكثر صدقًا ليس: هل تحقق النص؟ بل: ماذا يكشف فينا إصرارنا على تحقيقه؟



الرمز حين يُختزل

حين يرد اسم “فارس” في النص، لا يكون ذلك استباقًا لدولة حديثة، بل استدعاءً لأقصى الأفق المعروف آنذاك؛ صورة للبعيد، للآتي من تخوم العالم، للقلق الذي يتجاوز الحدود المألوفة. إنه تعبير عن الامتداد، لا عن التحديد.

لكن العقل المعاصر، المشبع بمنطق المطابقة، لا يطيق هذا الاتساع الرمزي. يريد دولة محددة، تحالفًا محددًا، عامًا محددًا. وهنا يبدأ الانكماش:
يتحوّل الرمز إلى عنوانٍ سياسي،
ويتحوّل النص إلى توقعٍ عسكري،
وتتحوّل الحكمة إلى جدولٍ زمني.

غير أن الرمز — كما يشير بول ريكور — لا يُستنفد في مطابقته، بل في قابليته للتجدد. وحين نغلقه على خريطة معاصرة، لا نفسّر النص بقدر ما نُسقط عليه توترنا.



جوج كوظيفة تاريخية

“جوج” ليس اسمًا بقدر ما هو موقع في البنية.
هو تمثيل للقوة حين تتضخم حتى تتوهم خلودها.
هو صورة لليقين حين يفقد تواضعه الأخلاقي.

لذلك تغيّر اسمه عبر العصور، وبقيت بنيته.
مرةً كان إمبراطورًا،
ومرةً كان نظامًا،
ومرةً كان أيديولوجيا.

الثابت ليس الهوية، بل الحاجة إلى هوية.
نحن لا نبحث عن جوج لأن النص يطلب ذلك، بل لأن خوفنا يطلبه.



الرغبة في نهاية قابلة للحساب

الإنسان الحديث، رغم ادعائه العقلانية، لم يتحرر من قلق النهاية. هيدغر وصفه بأنه “كائن-نحو-الموت”، يعيش دائمًا في ظل إمكانية الانتهاء. غير أن مواجهة هذه الإمكانية فرديًا مؤلمة؛ لذا يُسقطها على نهاية جماعية، تاريخية، كونية.

حين نحدد سنة للنهاية، نشعر أن الغيب أصبح قابلًا للإدارة.
الفوضى تتحول إلى سيناريو،
والقلق إلى معادلة،
والتاريخ إلى خط مستقيم.

لكن النبوءة — في عمقها — لا تمنح جدولًا زمنيًا، بل تضعنا أمام سؤال أخلاقي:
كيف نعيش حين يبدو الشر شاملًا؟



حين يُختزل الآخر في أسطورة

الخطر الحقيقي لا يكمن في خطأ التفسير، بل في نتائجه.
حين يتحول “الآخر” إلى تجسيدٍ لشرٍّ مكتوب منذ الأزل، يُختزل تعقيده الإنساني، ويُبرَّر ضده كل خوفٍ مسبق. هنا تنقلب النبوءة من خطاب رجاء إلى أداة قلق.

النص لم يُكتب ليصنع عدوًا،
بل ليمنع اليأس من أن يصبح يقينًا.



ما الذي تكشفه النبوءة فعلًا؟

في سياقها الأول، كانت رسالة إلى جماعة مسحوقة في المنفى. لم تكن وعدًا بموعدٍ نهائي، بل تأكيدًا أن التاريخ لا يُختصر في لحظة سقوط. إنها تقول: حتى لو اجتمعت قوى الأرض في صورة واحدة، فالمعنى ليس هشًا كما يبدو.

تحويلها إلى توقعٍ عسكري يسلبها جوهرها.
فالنبوءة لا تَعِد بانتصار سلاح، بل بانتصار قيمة.



المفارقة الأخيرة

نحن نظن أننا نبحث في النص عن أعدائنا،
لكن النص — في صمته العميق — يبحث فينا عن وعينا.

كلما أصررنا على أن يكون لنا “عدو مكتوب”،
نكشف عن خوفٍ يريد يقينًا بأي ثمن.
وكلما قبلنا أن يبقى الرمز مفتوحًا،
بدأنا نتحرر من حاجتنا إلى اختراع نهاية.

النبوءة لا تسأل: من هي الدولة المقصودة؟
بل تسأل سؤالًا أكثر إزعاجًا:

هل نحتاج إلى عدوٍّ أسطوري كي نشعر أن العالم مفهوم،
أم نملك الشجاعة لنعيش في عالمٍ لا يَعِدُنا بيقينٍ كامل،
بل يدعونا إلى مسؤولية المعنى؟

هنا لا تُحسم الجغرافيا،
ولا يُغلق التاريخ،
بل يُختبر الضمير



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهوية: كيف تحولت إلى مشروع إدارة
- منار زبيدة: أن ترفض المرأة أن تُختزل في انكسارها
- ما تبقّى من النار في الشعر العربي اليوم
- من الذي يحتاج تعديلًا فعلًا؟
- اسمٌ آخر للقيد
- حين يُصبحُ الاسمُ معنى في عيد ميلاد الأديب الصديق زهير دعيم
- «بالحرام»… حين يُعاد إنتاج الجريمة باسم القيم قراءة نسوية في ...
- الطابق الرابع
- نصف ثانية
- ارتجاف خفيف
- ما لا يغتفره الجسد
- عندما تصبح الكرامة مشروطة في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة
- عندما تصبح الحافة وطنًا
- جدارٌ كان اسمي
- حين تتآكل الثقة: في سقوط المعنى قبل سقوط الأنظمة
- بناء البشر أهمّ من بناء الحجر
- في مدحِ النقص: الأربعون قبل الفصح الصومُ ليس تقليلًا للطعام، ...
- الخطأ البشري
- المواطنة غير المشروطة أفق ممكن أم تناقض بنيوي؟
- المواطنة ليست امتحانًا


المزيد.....




- الخارجية الأمريكية تطلق فريق عمل لمساعدة مواطنيها في الشرق ا ...
- نطاق الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران وكم ستستمر الض ...
- أمريكا تشنّ غارات على مقر خامنئي ومواقع قيادات إيرانية رفيعة ...
- ما الدول التي استهدفتها إيران بالصواريخ و-الدرونز- بعد الهجم ...
- تصعيد مختلف عن حرب الـ12 يوماً.. لماذا تبدو المواجهة الحالية ...
- تغيير النظام في إيران: هل يملك ترامب الضوء الأخضر داخلياً لخ ...
- الذكرى 67 لوفاة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ...
- الجيش الإسرائيلي: نقوم بضربات ضد منصات إطلاق الصواريخ في إير ...
- أبرز ردود الفعل على الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران ...
- العراق: إسقاط مسيّرات وصواريخ قرب قاعدة عسكرية أمريكية في أر ...


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - عدوٌّ على مقاس خوفنا: تفكيك الرغبة في تحقيق النبوءة مقالة تأويلية