أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة انكسار المرايا : تأملات في سوسيولوجيا القبح والذوق المفقود .














المزيد.....

مقامة انكسار المرايا : تأملات في سوسيولوجيا القبح والذوق المفقود .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 09:13
المحور: الادب والفن
    


بعد الهزات الكبرى التي تضرب المجتمعات , لا يسقط النظام السياسي وحده , بل غالباً ما يتبعه سقوط في (( الحس العام )) والذوق السائد , ما نراه اليوم ليس مجرد (( تقليعات )) عابرة , بل هو ملمح من ملامح ظواهر ما بعد الغزو , حيث تضطرب بوصلة الجمال وتحل العشوائية محل الوقار , وفي مشهدية التشويه بين الشكل والمضمون , انطلقت شرارة الحوار من تدوينة لسيدة وصفت بمرارة غياب (( الهيبة )) في مظهر الرجل المعاصر, لم يكن نقدها مجرد وقوف عند القشور, بل كان رصداً لترهل الانضباط الذاتي , فالأظافر الطويلة , واللحى غير المهذبة , وارتداء (( التراكسود )) أو السراويل الجبلية في غير محلها , ليست حرية شخصية بقدر ما هي اعتداء بصري على الفضاء العام , إن غياب الحزام , وهطول البنطال , وارتداء الأحذية بلا جوارب (( موديل البوري )) , ليست سوى رموز لجيل فقد صلته بالاتزان الجسدي والنفسي , وهو ما عززته (( سمنة ما بعد 2003 )) التي أطاحت باللياقة والمظهر الصحي للرجل العراقي الذي كان يُعرف بوقاره وهندامه.

ومن التمرد إلى السطحية , تحول الوشم من علامة ارتبطت تاريخياً ببيئات معينة إلى (( تباهٍ أجوف )) يشوه نضارة الجلد , تماماً كما تشوه السجائر والأسنان المتسخة ملامح الوجه , والأسوأ من ذلك كله هو (( التلوث الضوضائي )) من أصوات عالية , ومنبهات سيارات مزعجة , وصراخ عبر الهاتف الجوال , مما يعكس انحداراً في أدب التخاطب.

لم يقف الجمهور متفرجاً , بل انهمرت التعليقات لترسم لوحة متكاملة للأزمة , فعن أزمة السلوك, رأت بعض النساء أن العيوب الشكلية قد تُغتفر , لكن (( الفظاظة )) في التعامل مع المرأة هي الخطيئة التي لا تُغتفر, وعن فقدان الهوية, تساءل الأكاديميون باستنكار عن استيراد موديلات (( كالكاوبوي أو السراويل الممزقة )) دون إدراك دلالاتها الطبقية أو الاجتماعية في منشئها الأصلي , أما بخصوص الرجل والمرأة والتشويه المتبادل, فلم ينجُ المشهد النسوي من النقد , ففي مقابل تشوه مظهر الرجل , برزت ظواهر (( النفخ )) والرموش الاصطناعية والمبالغة في التجميل التي حولت الملامح الطبيعية إلى ما يشبه (( كائنات فضائية )) فاقدة للأنوثة الحقيقية.

عبارة عندما يقود (( القاع )) الذوق العام , هو التشخيص الصائب للداء , إن الخلاصة المؤلمة التي وصل إليها الحوار هي أننا نعيش زمن (( سيادة الرداءة )) , فعندما يتصدر المشهد من يفتقرون للعمق القيمي , يتحول ذوقهم الرديء إلى (( موضة )) وقانون ملزم للعامة , ولما كانت الرجولة مسؤولية وليست شكلاً , والأنوثة حياء وليست استعراضاً , فهل من مخرج ؟ لقد طالب الغيورون بضرورة تحويل هذه الملاحظات إلى منهج دراسي يعلم الطفل(( أدب الذوق )) كما يتعلم القراءة والكتابة , وأنْ تكون هناك كتيبات إرشادية تحت عنوان (( إتيكيت المواطنة والوقار)) , وضرورة قيام حراك مجتمعي يستعيد قيمة (( العيب )) الاجتماعي كمنظم للسلوك العام.

استشراف المستقبل , عن صراع الهوية والعودة إلى (( الأصالة المتجددة )) : إن الاستمرار في وتيرة (( السيولة الأخلاقية والجمالية )) التي نعيشها اليوم قد يقودنا إلى سيناريوهين في العقد القادم : سيناريو الاغتراب الكامل حيث تذوب الملامح الوطنية والوقار التقليدي تماماً لصالح (( نموذج عالمي مشوه )) تفرضه منصات التواصل الاجتماعي , فتصبح الرجولة مجرد (( استعراض عضلي أو شكلي سطحي )) , وتتحول الأنوثة إلى (( قالب تجميلي موحد )) , مما يؤدي إلى فجوة جيلية حادة وانفصال تام عن الجذور , أو سيناريو (( الصحوة الذوقية )) , وهو الأقرب للتحقق كرد فعل دفاعي , حيث يبدأ المجتمع (( خاصة النخب المثقفة والشباب الواعي )) بحملات مضادة تستعيد (( الكلاسيكية )) كنوع من التمرد على القبح , سنرى عودة للاهتمام باللياقة البدنية , الهندام المهذب , وفن الإتيكيت ليس كتقليد للغرب , بل كاستعادة لهيبة الشخصية العراقية التي تجمع بين (( الحداثة و العراقة )) , إن المستقبل مرهون بمدى قدرتنا على نقل هذه الحوارات من (( صفحات الفيسبوك )) إلى المناهج التربوية والدراما التلفزيونية , لإعادة صياغة (( القدوة )) التي يقتدي بها الجيل الجديد.

في الختام , الجمال ليس رفاهية , بل هو موقف , إن ما نعتبره اليوم (( مجرد تفاصيل في المظهر)) هو في الحقيقة الترمومتر الذي يقيس صحة المجتمع , فالأناقة ليست في غلاء الثياب , بل في نظافة الحذاء واللسان معاً , والرجولة ليست صوتاً عالياً أو شارباً كثاً , بل هي (( فروسية )) في التعامل , ووقار في الحضور , واحترام لا يتجزأ للمرأة وللذوق العام , لقد سقطت في زمن ما بعد الغزو حصون كثيرة , لكن الحصن الأخير الذي يجب ألا يسقط هو (( الذوق )) لأنه الخط الدفاعي الأخير عن إنسانيتنا , إن استعادة صورة (( الرجل الأنيق )) و(( المرأة الراقية )) هي الخطوة الأولى لاستعادة هيبة الدولة والمجتمع , فالدولة التي يحترم مواطنوها (( هندامهم وأدبهم )) في الشارع , هي دولة لا تقبل الفوضى في قوانينها.

الأدب زينة الرجال , والحشمة زينة النساء , والجمال الحقيقي هو ذاك الذي يجعلنا نحترم ذواتنا قبل أن يطالبنا الآخرون باحترامه.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة زاد الراكب : في مفاخر الخيل والبادية .
- مقامة الاستبداد : من كراسي الملوك إلى مراحيض الفنادق.
- مقامة سيكولوجيا التبعية : حين يغتال (( القطيع )) إنسانِيّة ( ...
- مقامة دم الحكاية.
- مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .
- مقامة ترانيم ثمانينية .
- المقامةُ الجُرذانية .
- مَقامَةُ شَغَب ناعِم .
- مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .
- المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .
- مقامة الديمقراطية والتقدم: دعوة لتغيير معادلة الحقوق والواجب ...
- مقامة الحب الذي يطرد الموت : بين زوربا و منيف .
- مقامةُ حسنِ البيان.
- مقامة التعابير: بين فظاظة الرفض ورقيّ الاعتذار.
- مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشر ...
- مقامة نقد النقد : الدهشة الثانية حين يولد السؤال من رحم الإب ...
- مقامة الكتاب الناجح : رؤية الأمل في زمن الصراع .
- مقامة وجه الرغيف .
- مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .
- مقامة تأبين لليقظة... إهداء إلى صاحبة نعاس .


المزيد.....




- عبد العزيز سحيم.. قارئ يرسخ حضور جيل جديد في الجزائر
- 7 رمضان.. يوم سيادة عثمانية على المتوسط وميلاد الأزهر
- “المخرج الأخير”
- سفينة الضباب في المرافئ
- ملفات الشيطان
- عن المعتوهين من بني جلدتنا!
- فنانو ميسان.. حضور لافت في دراما رمضان تمثيلا واخراجا وكتابة ...
- حكاية مسجد.. -حميدية- بتركيا بناه عبد الحميد الثاني وصممت دا ...
- معركة الرواية.. هكذا يحاصر الاحتلال القدس إعلاميا
- القصيدة المحلية وإشكالية شعر المناسبات


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة انكسار المرايا : تأملات في سوسيولوجيا القبح والذوق المفقود .