أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - جولة في ظلال الدولة














المزيد.....

جولة في ظلال الدولة


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 09:46
المحور: الادب والفن
    


بدأ التجوال في بغداد صباحا، تحت شمس شتوية وديعة تنثر دفئًا شهيًّا، فيما كان الهواء منعشًا، تعكّره مسحة خفيفة من الغبار. لم يكن يحمل في خاطره مقصدًا واضحًا، ساوره إحساس غامض بأن المدينة تضيق بأسرارها، وتوشك أن تبثّ ما يعتمل في صدرها. تأسرها ضوضاء تمتزج برائحة التراب، وأزيز مولّدات يتداخل مع صفارات المواكب، في نسيجٍ صوتيٍّ من نوع خاص. حتى خُيّل إليه أن الإيقاع اليومي ليس سوى صدى لمشهدٍ عتيق، يُعاد بلا كلل ليدور في حلقةٍ لا تنقضي.
قادته قدماه إلى إحدى الدوائر الحكومية لتصديق وثائق ثبوتية. جلس قبالة مديرٍ تتراكم أمامه الملفات؛ ظنّ أنه سيصغي إلى حديثٍ عن تطبيق النظام وحق المُراجع في إنجاز معاملاته، فإذا به يشهد نقاشًا حول وصولات شراء لمواد لم تشترى، أعقبه تدبيرٌ لإقحام الشقيق في إيفادٍ لا صلة له بالعمل.
غادر تلك الدائرة ومضى إلى المستشفى ليستكمل فحوصًا روتينية، مستندًا إلى حق التأمين الصحي الحكومي الذي يستقطع من راتبه شهريا. جلس عند المدير؛ فاستوقفه ازدحام المكان وجلبة الطلبات: مراجعاتٌ تتكئ على توصياتٍ نافذة، وتقارير تُسطر لعجزٍ موهوم، وأخرى تُثبت ما لا أثر له، وهمساتٌ عن عللٍ لا تقيم إلا على الورق، وطلب إجازاتٌ بلا موجب، وشروطٌ صحية تلين تحت وطأة الوساطات. ثم انقضى الأمر بفحوصٍ أنجزها طبيب الاختصاص، كتب وصفةٍ طبية تُبتاع من صيدليةٍ مجاورة، لعدم تيسر الدواء في صيدلية المستشفى. غادرها مثقلَ النفس، يجرّ وراءه صدى ما رأى، حتى ألفى بغداد تغصّ بأرتالٍ من سيارات الدفع الرباعي السوداء، تشقّ الطريق بصفاراتٍ نافذة، فيما ينتظر الناس على الأرصفة، تتناوبهم سخريةٌ مكتومة، وانتقاد مغلف ببعض الشتائم البغدادية العابرة. ألقى ببصره إلى الإسفلت تحت قدميه؛ حفرٌ عتيقة لم تُردم، وأرصفةٌ أُعيد رصفها لأغراضٍ انتخابية، فإذا بها تحتاج إلى رصفٍ من جديد. سأل صاحبَ محلٍ عند الناصية: أهي صيانةٌ تُرتجى، أم دورةُ إنفاقٍ لا تنقضي؟ فاكتفى الرجل بإيماءةٍ دالّة، كأن الخلل يُعاد إنتاجه، وكأن العطب غدا موردًا قائمًا بذاته.
ومع انقضاء النهار، ظلّ ذلك الإحساس الثقيل يلازمه، حتى في جلسةِ مساءٍ جمعت لفيفًا من مثقفين وأدباء في نادي الأدباء. تكلموا عن نهبٍ منظّم لثروات البلاد، وعن دولارٍ ما زال يُهرَّب إلى إيران، وتغلغلٍ مليشياتي في مفاصل الدولة، حتى غدا الحديث همسًا خافتًا، يذكّر بذلك الهمس القديم عن الحزب والرئيس في الزمن السابق. واستمرّ الهمس إلى أن دخل اللواء سامي، فتحدّث عن أوامر لا تُنفَّذ، وقوائم صدرت لترقية ضباطٍ برتبٍ رفيعة خارج الجدول المخصص للترقية، بدفعٍ من جهاتٍ مسلّحة تمضي في توسيع نفوذها. وعن عسكريٍّ برتبةٍ عليا ضُبط متلبّسًا، فإذا بالمحاسبة تُزاح جانبًا بتأثيرٍ مليشياتي، ليُعرض عليه، بدلًا منها، تقديم طلبٍ شخصي للترقية والتقاعد.
عندها احتدّ الدكتور حسام، وقال بانفعالٍ ملحوظ إن الخشية قد أحكمت سلطانها، فبات الخطأ يُوارى بالمجاملة، وأضحت مشاريع الدولة غنيمةً لشبكات القربى، يُغدِق أهلها على من يشاؤون، فيما تُوزَّع المناصب والرتب على موازين الولاء الطائفي، وتميل القرارات إلى كفّة القوّة أكثر مما تنصاع لهيبة الدستور. ساد المكان هدوءٌ متحفّظ أطفأ الجدل من غير خاتمة. عندئذٍ نهض من مكانه مودِّعًا، ومضى ماشيًا يستعيد شريط يومه؛ فتراءى له الوطن كيانًا يتآكل بصمت، كجدارٍ ينخره الملح من الداخل. فمضى في عتمة الطريق، تتردّد في داخله كلماتُ المجلس وصورُ النهار.
قال في نفسه: إنّ الدول تَضمحلّ حين تُستبدل المعايير بالولاءات، وتُزاح المساءلة لصالح التبرير. أمّا بغداد، بتاريخها الطويل وثقلها الاعتباري، فبدت له واقفةً على مفترقٍ حاسم: إمّا قانونٌ يعلو ولا يُساوَم، وإمّا اعوجاجٌ يطول حتى يُتوَهَّم أنه النظام. وبين هذين الاحتمالين، لم يجد سوى تعلّقٍ أخير برجاءٍ صامت: أن يبرأ الوعي الجمعي من علله، وأن يستفيق إنسانُ هذا الوادي ليميز بين العطب والاعتياد، ويعيد للأشياء أسماءها، وللوطن نصابَه.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف
- فدية قبل الموت
- حين يطبخ الخوف
- كبش فداء
- مَن ينقذ الله من الجهل
- في بلاد تدفن الأحياء على أقساط
- حين علمتنا سارة
- بصمات وطن انهكته القسوة
- فك ضيق المحتاج
- شظايا وطن: تقرير الحالة المعنوية
- السيد جبار
- من دفاتر الحرب: صولة رجل واحد
- عبد الرزاق النايف: رحلة من القصر الى القبر
- امرأة في حضرة الظل
- من غزة إلى قطر… سقوط خطاب الإبراهيمية


المزيد.....




- -قافزو الزمن-.. رهان على الهوية الإسلامية في سينما الأطفال
- فيلم -معركة تلو الأخرى- يتصدر قائمة الفائزين بجوائز -بافتا- ...
- إمبراطورية الست.. تفكيك خمس مغالطات تاريخية في مسيرة أم كلثو ...
- الفنان محمد هاشم في حوار مع (المدى): الدراما في تطور ونمتلك ...
- حكاية مسجد.. مسجد الكهف أو -زاوية درنة- الليبية
- الممثل التجاري الأمريكي: لم تنسحب أي دولة من اتفاقيات الرسوم ...
- وزير التربية السوري يبحث في الحسكة تنفيذ مرسوم تدريس اللغة ا ...
- وزير ألماني ينسحب من الحفل الختامي لمهرجان برلين السينمائي ب ...
- كيف يؤثر التمويل المشروط على الهوية الثقافية في القدس؟
- مخرج فلسطيني يصدح بمهرجان برلين السينمائي: ألمانيا شريكة في ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - جولة في ظلال الدولة