|
|
بين احتلال القصر واحتلال الرغيف: نحو كتابة صحفية عربية جديدة خارج سطوة البترودولار
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 13:14
المحور:
الادب والفن
مقدمة: عندما تصبح الكلمة وثيقة للتاريخ
"هذا المقال هو وثيقة للتاريخ يجب أن تدرسها الأجيال لكي يفهموا كيف احتلوا بلادنا وبدون تحريك جندي صهيوني واحد، وكيف تم توظيف الإسلام وحركات إسلامية في خدمة إسرائيل، وكيف تم تدمير المجتمعات."
بهذه الكلمات، علق أحد القراء على مقال سابق لي. في موقع " رأي اليوم " اللندنية لم يكن التعليق مجرد رد عابر، بل كان تشخيصاً دقيقاً لمرحلة تاريخية كاملة، وإشارة إلى مسؤولية ثقيلة تقع على عاتق الكلمة المكتوبة. فجأة، تحول المقال من مجرد نص صحفي يُقرأ ثم يُنسى، إلى "وثيقة" تحمل مهمة توثيق انهيار أمة، وكشف آليات احتلال لا يشبه الاحتلالات التقليدية.
المعلق يطرح سؤالاً عميقاً: كيف يمكن لشعب أن يُحتَل دون أن تدخل جيوش؟ كيف يمكن توظيف الدين نفسه لخدمة مشروع يريد تفتيت المجتمعات من الداخل؟ وكيف يمكن للكلمة، إذا كُتبت بلغة راقية وصادقة، أن تكون أداة لفك هذه الاشتباكات المعرفية؟
هذا التعليق يلامس فكرة طالما شغلني: ضرورة أن تكون بعض الكتابات العربية مادة منهجية تُدرس في الجامعات، ليس فقط في العالم العربي، بل في الغرب أيضاً. الهدف: تقديم أدوات تحليلية بديلة عن التنميطات الاستشراقية الغربية، وعن خطاب "البترودولار الخليجي" الذي اغتال العقل الصحفي والروائي العربي، وحوّل الإعلام إلى أداة هندسة للوعي بدلاً من أن يكون منصة تنوير.
في روايتي "سلاسل العقل، أغلال القلب" المتوفرة مجاناً على موقع الحوار المتمدن، وفي رواياتي عن التعذيب النازي الصهيوني ضد الشعب الأصلي الفلسطيني، حاولت تقديم نموذج لهذا "التعامل غير الاستشراقي" مع الواقع العربي. والآن، يأتي هذا التعليق ليدفعني إلى طرح سؤال أكبر: كيف يمكن للغة الصحافة نفسها أن تتحول إلى أداة نقدية مقاومة، معتمدة على مرجعيات فكرية بديلة: أدباء روس عظماء صنعوا واقعية نقدية عميقة، ومفكرين تقدميين دوليين كشفوا آليات الهيمنة والإعلام، وفي مواجهة مباشرة مع الإمبراطوريات المالية التي تنتج القادة المجرمين والشاذين، وتحمي المحميات الخليجية التي تمثل الطابور الخامس في تدمير المجتمع العربي؟
هذا المقال هو محاولة للإجابة على هذه الأسئلة، مستنداً إلى تجربة أنطون تشيخوف وفيودور دوستويفسكي وليو تولستوي في الكتابة الواقعية الناقدة، وإلى تحليلات روبرت فيسك الصحفية العميقة، ونقود نعوم تشومسكي لآليات الإعلام، ورؤية سمير أمين في التبعية وفك الارتباط بالمركزية الغربية، وكاشفاً كيف تتحول جامعات الغرب إلى معامل لتخريج قادة مجرمين على غرار جزيرة روتشيلد التي تسمى جزيرة إبستين، وكيف يصبح كتاب و صحافيون عرب بتمويل محميات الخليج يبررون "جزر إبستين العربية" التي تبيح اغتصاب القاصر تحت مسمى "سنة نبوية".
اللغة بين الهندسة والمقاومة... اغتيال العقل الصحفي العربي
إعلام البترودولار: السلالة الاستعمارية الجديدة
ما أشار إليه المعلق في تعليقه حول "هندسة الوعي" ليس مجرد تعبير بلاغي. إنه يشير إلى مشروع منهجي منظم. في كتابي "العقل المحتل وامبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل"، أوضحت كيف أن الإعلام الخليجي، الممول بالنفط، لم يكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل تحول إلى أداة استعمارية ناعمة، تمارس ما كنت أسميه "احتلال الرغيف": تشتيت الوعي، وخلق أجيال مستهلكة غير مفكرة، وتوظيف الدين لخدمة مشاريع سياسية.
المحميات الخليجية، بإدارتها المباشرة من الاحتكارات المالية العالمية ولا سيما بنوك روتشيلد، لم تكتفِ بتمويل الإعلام، بل أنشأت منظومة ثقافية متكاملة تنتج مثقفين حثالات يبررون أبشع الجرائم بحق المجتمع العربي. هؤلاء الكتاب المأجورون، الذين يعيشون بين لندن والدوحة و دبي والرياض وتل أبيب، باتوا يدافعون عن "جزر إبستين العربية" التي تبيح اغتصاب القاصر تحت مسمى "سنة نبوية"، في انحدار أخلاقي لم يشهد له التاريخ مثيلاً، وتدمير ممنهج للطفولة العربية تحت غطاء ديني مزيف.
الجزيرة وتوابعها، التي تقدم نفسها كـ"منابر حرة"، تمارس سياسة انتقائية في اختيار المواضيع والضيوف، وتغذي السرديات التي تتماهى مع توجهات مموليها، وتغض الطرف عن ملفات شائكة حين تكون محرجة. الصوت الغالب فيها واحد، والصورة منحازة، والحكاية مكررة. هي، مثل البي بي سي، تمثل سلالة استعمارية جديدة: إعلام يمتطي شعارات الحرية والديمقراطية ليخدم مشاريع الهيمنة.
لا حياد مع التمويل. فحين تموّل قناة من قبل دولة، فإن خطها التحريري يُبنى على مقاس تلك الدولة. كيف نصدق مهنية قناة تلمّع علاقات التطبيع، وتصمت عن سجون الفكر، وتتشدق بحقوق الإنسان في دولة، وتتغاضى عنها في دولة أخرى؟ هنا يُصبح الإعلام أداة هندسة للرأي، لا مرآة له، ومكبّر صوت لا صوت ضمير.
الطابور الخامس: محميات الخليج في خدمة تدمير المجتمع العربي
مصطلح "الطابور الخامس" يعود إلى الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939)، حيث أعلن الجنرال مولا عن وجود طابور خامس مختف داخل العاصمة مدريد ينتظر وصول قواته ليشرع في تنفيذ المهام المسندة إليه . انتشر المصطلح بعد ذلك ليصف كل من يُبدي نزعة إلى الحياد أو إلى عدم إدانة تصرفات العدو، وأصبح تهمة جاهزة لتشويه صورة المعارضين .
ما تفعله محميات الخليج اليوم هو تجسيد حي لهذا المفهوم. فهي تعمل كطابور خامس داخل الجسد العربي، تمول حركات إسلاموية متطرفة تفتت المجتمعات، وتدعم خطاباً دينياً مشوهاً يبرر العنف ويكرس التخلف، وتنتج إعلاماً يشتت الوعي ويحول الإنسان العربي إلى مستهلك أعمى. وهي تفعل كل هذا بإدارة مباشرة من الاحتكارات المالية العالمية، ولا سيما بنوك روتشيلد التي أنجبت كل الحركات الفاشية والنازية والصهيونية والوهابية والإخوانجية والداعشية.
هذه الحركات، رغم تناقضاتها الظاهرية، تخدم هدفاً واحداً: ترهيب المجتمعات، وتوفير آليات الفساد والنهب، وإبقاء المنطقة في حالة صراع دائم يسهل معها السيطرة على الثروات ونهبها. إنها ليست أكثر من أدوات في لعبة كبرى تديرها الإمبراطورية المالية التي تتخذ من بنوك روتشيلد رمزاً لها.
اغتيال العقل الروائي والصحفي العربي
إعلام البترودولار لم يقتصر تأثيره على الصحافة فقط، بل امتد ليغتال العقل الروائي العربي أيضاً. الرواية العربية المعاصرة، في كثير من نماذجها، تحولت إلى سلعة استهلاكية تبحث عن جوائز واعتراف غربي، بدلاً من أن تكون أداة نقدية عميقة تشريح المجتمع. هيمنة خطاب "المركزية الأوروبية" كما حللها سمير أمين جعلت المثقف العربي ينظر إلى نفسه بعيون الغرب، ويقيس إبداعه بمقاييسهم، ويكتب بلغة تبحث عن الترجمة لا عن الحقيقة.
هذا ما جعلني أطرح، في أكثر من مناسبة، ضرورة العودة إلى نماذج كتابية بديلة: إلى عمالقة الأدب الروسي الذين صنعوا واقعية نقدية عميقة دون أن يتخلوا عن الجمال الفني، وإلى مفكرين تقدميين كشفوا آليات الهيمنة الغربية دون أن يقعوا في فخ الخطاب الاستشراقي المعكوس، وإلى توثيق جرائم الاحتلال النازي الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني الأصلي، الذي يتعرض لأبشع أنواع التعذيب والإبادة بينما يصمت العالم.
……..
أغلال القلب... رواية تفكيك التصاميم
سلاسل العقل، أغلال القلب: قراءة في المشروع الروائي
في عالمٍ تُعاد فيه صياغة الإنسان كما تُعاد صياغة الإعلانات، وتُصمم فيه المشاعر كما تُصمم الحملات الانتخابية، وتُهندس فيه الهويات كما تُهندس الخرائط السياسية، تأتي رواية "سلاسل العقل، أغلال القلب" كحدث نادر، لا يُشبه ما يُكتب عادةً في الأدب العربي المعاصر، ولا ينتمي إلى تيارات الرواية المألوفة التي تُراعي السوق أو تُغازل السلطة . إنها رواية لا تُطلب لها موافقة، ولا تُنتظر لها جائزة، بل تُكتب كما تُطلق الصرخة، لا لتُعجب، بل لتُزعج، لا لتُصفق لها، بل لتُفكر بها. إنها ليست مجرد سرد، بل بيان فكري، وموقف وجودي، ومشروع تفكيك شامل لمنظومة الهيمنة التي تُعيد إنتاج الاستشراق بصيغتين: الكلاسيكية والمعكوسة .
منذ السطر الأول، يدرك القارئ أنه أمام نص لا يهادن. لا يُجامل السلطة، ولا يُراعي الذوق العام، ولا يُخضع نفسه لمقاييس الجوائز أو دور النشر. بل يُعلن الحرب على كل ما هو مُصمم مسبقاً: الحب، الهوية، الدين، وحتى الوطن. الرواية لا تُقدم شخصيات لتُحبها، بل لتُفكر بها. لا تُقدم حبكة لتُتابعها، بل لتُفككها. لا تُقدم نهاية لتُرضي، بل لتُقلق. إنها رواية تُكتب من خارج القالب، من خارج السوق، من خارج الطائفة، من خارج البرمجة .
جابر: الوعي في مواجهة التصاميم
شخصية "جابر" ليست بطلاً تقليدياً، بل مرآة للوعي في مواجهة التصاميم. في المشهد الافتتاحي، نجده جالساً في مقهى صغير قرب غراند بلاس في بروكسل، أمامه ساندي، فتاة أوروبية بشعر أشقر قصير، تتحدث بحماس عن لوحة لفان غوخ . لكن جابر لا يستطيع أن يكون حاضراً، فعقله "سجنٌ من رمال الصحراء التي نشأ فيها" .
ذلك الصوت القديم، صوت الشيخ في المسجد الذي كان يرتدي جلباباً أبيض كالكفن، يصرخ من المنبر: "الطيبون للطيبات، والخبيثون للخبيثات!" . كلماته كانت كالسلاسل، تكبل الأفكار، تقيد النبضات. الخطاب الوهابي-الإخوانجي الممول بالبترودولار، الذي يزرع الخوف من الآخر، ويحول المرأة إلى وعاء جنسي، ويجعل الإنسان يخاف من الحب، من التواصل، من الإنسانية ذاتها .
جابر لا يحمل سيفاً، ولا يواجه خصماً واضحاً، بل يخوض معركة داخلية ضد منظومة دعائية تُعيد تشكيله. يرى كيف يتحول الحب إلى سلعة، وكيف تُستخدم الهوية لتقسيم الشعوب، وكيف يُعاد تشكيل العدو ليخدم الطغمة المالية . جابر لا يُقاوم بالسلاح، بل بالوعي. يُفكك الخطاب، يُعيد التفكير، يُرفض التصاميم. وهذا ما يجعل منه خطراً في عالم يُعاد فيه تشكيل الإنسان ليكون مطيعاً، طائفياً، مستهلكاً، وخائفاً .
الحب كفعل تحرري
الرواية تُعيد تعريف الحب، لا كعاطفة رومانسية، بل كفعل تحرري. حين يحب جابر، لا يهرب من الواقع، بل يراه بوضوح. يرى كيف يُستخدم الحب لترويضه، لتحديد خياراته، لتصميم مشاعره. يرى كيف أن الحب في ظل الطغمة المالية ليس حرية، بل هندسة . الحب هنا ليس شعوراً، بل موقفاً. موقف ضد التصاميم، ضد البرمجة، ضد الهيمنة. إنه فعل تحرر، لا عاطفة. وكل علاقة حب في الرواية هي مواجهة مع التصاميم. كل لحظة حب هي لحظة وعي. وكل اختيار حب هو رفض للبرمجة .
في مقابل هذا التشييء، تشير المقدمة إلى طريق آخر، "رأيناه في تجارب الشيوعية، رغم كل أخطائها. في الاتحاد السوفييتي، شهدنا جانباً مشرقاً من العلاقات الإنسانية، حيث كان الحب والتضامن يتجاوزان قيود التسليع، وكانت المرأة شريكة لا وعاء، والإنسان غاية لا أداة" . كما تشير إلى بعض الأمل في الصين، "رغم العثرات والأخطاء، لأن هذه التجارب، على نقائصها، كانت محاولات للوصول إلى الأفضل، إلى عالم يحرر الإنسان من أغلال الرأسمالية" .
ما يجعل الرواية متميزة
ما يجعل هذه الرواية متميزة بحق، هو أنها لا تُعيد إنتاج الخطاب الغربي المهيمن، ولا تُذم التجارب الاستقلالية كما تفعل معظم الروايات التي تُصاغ تحت تأثير أجندات ثقافية ممولة . في أدب اليوم، تُفرض أجندة خفية – أو معلنة – تُلزم الكاتب بأن يذم الصين، روسيا، إيران، كوبا، كوريا الشمالية، وكل تجربة تحاول أن تُعيد تشكيل ذاتها خارج التصاميم الغربية. يُطلب من الرواية أن تُعيد إنتاج الاستشراق، أو أن تُمارس الاستشراق المعكوس، وكلاهما يخدم الهيمنة .
لكن "سلاسل العقل، أغلال القلب" تفعل شيئاً آخر تماماً: تُعيد الاعتبار للوعي المقاوم، وتُسلط الضوء على كيف تُشيطن الإمبريالية كل من يخرج عن طاعتها. تُعيد تعريف العدو الحقيقي: ليس الآخر، بل من يُصمم لك الآخر .
الرواية لا تُعامل الأدب كفن للمتعة أو التأمل فقط، بل كأداة مقاومة. تُعيد تعريف الرواية بوصفها ساحة معركة فكرية، حيث تُخاض الحروب ضد التصاميم الذهنية، ضد الدعاية، ضد الاستلاب . في هذا السياق، كل جملة هي رصاصة، وكل فصل هو معركة، وكل شخصية هي موقف.
……
الإمبراطورية التي تنتج المجرمين... من بنوك روتشيلد إلى جزيرة إبستين
بنوك روتشيلد: المال والنفوذ في خدمة الفاشية والصهيونية
لعائلة روتشيلد تاريخ طويل من الثراء والنفوذ في العديد من الدول الأوروبية، وارتباط أعمق بالقضية الصهيونية منذ ما قبل ظهورها، وكان لهم التأثير الأضخم في إعادة بعث إسرائيل كدولة يهودية قومية في فلسطين عبر الثراء الفاحش، والنفوذ السياسي والاقتصادي .
تعود أصول هذه العائلة إلى مدينة فرانكفورت الألمانية، إذ تشكلت على يد ماير أمشيل روتشيلد (1744-1812) . وبحلول القرن التاسع عشر بلغت ثروة عائلة روتشيلد ذروتها، لتصبح الأكبر بين الثروات الخاصة عالمياً في ذلك الوقت، بل وفي التاريخ الحديث .
وقد أسهم عدد من أبناء هذه العائلة من الفرعين البريطاني والفرنسي في دعم الهجرة اليهودية والحركة الصهيونية وإنشاء إسرائيل، حتى يومنا هذا . جيمس روتشيلد، مؤسس فرع العائلة في باريس، كان من كبار أباطرة المصارف والأموال. إدموند دي روتشيلد (1845–1934) كان "الأب الروحي" للمشاريع الزراعية في فلسطين، واشترى أراضٍ وعقارات كبيرة، ودعم هو وأحفاده 44 مستوطنة على أراضي الشعب الاصلي الفلسطيني الذي مازال يملك أكثر من ٩٤ بالمئة من فلسطين التاريخية التي تسمى اسرائيل . وإلى اليوم تحمل بعض هذه المستوطنات أسماء عائلة روتشيلد، مثل زيكرون يعقوب، الذي سُمي على اسم والد البارون جيمس (يعقوب) .
جاكوب روتشيلد، عميد عائلة روتشيلد في بريطانيا، وصف وعد بلفور بأنه "المعجزة" قائلاً: "كان هذا الحدث الأهم في تاريخ الحياة اليهودية منذ آلاف السنين، معجزة حقيقية.. لقد استغرق تحقيق هذا الهدف 3 آلاف عام" .
هذه العائلة نفسها، ببنوكها واحتكاراتها المالية، هي من أنجبت كل الحركات الفاشية والنازية والصهيونية والوهابية والإخوانجية والداعشية وحتى أجهزة المقاطعة برامج الله العميلة للاحتلال . لأن هذه الحركات، رغم اختلافاتها الظاهرية، تخدم هدفاً واحداً: ترهيب المجتمعات، وتوفير آليات الفساد والنهب، وإبقاء المنطقة في حالة صراع دائم.
جزيرة إبستين: مختبر إنتاج القادة المجرمين
قضية جيفري إبستين، الملياردير ورجل الأعمال الأمريكي، ممثل روتشيلد كما وصف نفسه ، المتهم بإدارة شبكة للدعارة، واستغلال منازله وجزيرة كان يملكها لارتكاب جرائم جنسية ضد فتيات قاصرات (13-17) وتجنيد أخريات لتوسيع شبكته، هي تجسيد حي لكيف تنتج الإمبراطورية قادة مجرمين وشاذين .
ظهرت القضية للعموم عام 2005، لكن نفوذ إبستين الهائل حال دون محاكمته. في عام 2008، أقر بالذنب في تهم تتعلق بالدعارة في فلوريدا، وحصل على صفقة مخففة بفضل المدعي العام ألكسندر كوستا، الذي استقال من عمله وزيراً للعمل في إدارة ترامب بعد ظهور اتهامات جديدة . في السادس من يوليو 2019، اعتقل مجدداً بتهمة الاستغلال الجنسي لقاصرين، والتآمر للقيام بالاتجار الجنسي بقاصرين، لكنه عُثر عليه ميتاً في زنزانته في العاشر من أغسطس 2019 إثر إصابة في رقبته، في ظروف غامضة دفعت الكثيرين للاعتقاد بأنه قُتل للتغطية على المتورطين معه .
القضية كشفت تورط شخصيات سياسية وفنية بارزة، من بينهم الأمير البريطاني أندرو، وآلان ديرشوفيتز أستاذ القانون بجامعة هارفارد والمدافع عن إسرائيل في محكمة العدل الدولية . هذه هي النخبة التي تخرجها الجامعات الغربية: قادة مجرمون وشاذون، يتاجرون بالأطفال ويستغلون القاصرات، ثم تحميهم المؤسسات وتدفن القضايا.
جزر إبستين العربية: اغتصاب القاصر تحت مسمى ديني
ما يحدث في المحميات الخليجية ليس أقل بشاعة. تحت غطاء ديني مزيف، وتبريرات فقهية مشبوهة، يمارس بعض شيوخ البترودولار وكتابهم الحثالات أبشع أنواع الانحدار الأخلاقي. يصل الأمر إلى حد إباحة اغتصاب القاصر تحت مسمى "سنة نبوية"، في تدنيس مقدس للدين وتحريف فاحش للنصوص.
هؤلاء الكتاب المأجورون، الذين يمولهم البترودولار الخليجي الوهابي، يعيشون بين لندن والدوحة وتل أبيب، يكتبون ليل نهار لتبرير "جزر إبستين العربية"، وتجميل الوجه القبيح للإمبراطورية المالية التي تمولهم. إنهم أسوأ من الطابور الخامس، لأنهم يدمرون المجتمع من الداخل، وينخرون في قيمه الأخلاقية، ويسرقون مستقبل الأطفال باسم الدين.
التعذيب النازي الصهيوني ضد الشعب الأصلي الفلسطيني
شتيرن: النازي الذي كرّمته دولته
في التاسع من أبريل 1948، في حوالي الساعة الثالثة فجراً، مزّق أفراد من عصابة "شتيرن" المعروفة باسم "ليحي"، و"الإرغون" سكون قرية دير ياسين الفلسطينية، فاستهدفت فوهات أسلحتهم، دون رحمة، كل من يعترضهم من سكان القرية، فلم يثنهم عن إجرامهم صياح الأطفال ولا شيب الشيوخ ولا عويل النساء . وما يزال التاريخ الفلسطيني والعربي يحتفظ بألم ذكرى تلك المجزرة.
في المقابل، يفخر الإسرائيليون بأحد قادة عصابة "شتيرن" التي شاركت في مذبحة دير ياسين، وهو "أبراهام شتيرن"، حتى أن صورته طبعت على طابع بريدي، ويُحتفل بذكراه رسمياً كل سنة في إسرائيل . كان هذا السفاح شاعراً، لكنه رجّح الكفة للقتل، وقد رفع تنظيمه شعار تحرير اليهود من الممارسات العنصرية، لكنه بحث عن التحالف مع النازيين في ألمانيا والفاشيين في إيطاليا، وأعاد تشكيل أساليب النازيين لإبادة الفلسطينيين .
المؤرخ "إيلان بابيه" يقول إنه على عكس الصهاينة الآخرين، لم يكذب "أبراهام شتيرن" على نفسه ولم يقل إن أرض فلسطين كانت خالية، مضيفاً "إن قرأت كتاباته المبكرة، فهو يصف الفلسطينيين بأنهم غرباء كأجانب، لذلك كان يؤمن أن الفلسطينيين لم ينتموا إلى فلسطين وكانوا مستولين على الأرض التي هي حق لليهود فقط، ولم ير أي علاقة تربط بين الفلسطينيين وفلسطين" .
هذه هي العقلية النازية الصهيونية: ترى الشعب الأصلي لأرضه "غرباء" و"أجانب"، وتستبيح قتله وتهجيره باسم "الحق التاريخي" المزعوم.
من دير ياسين إلى غزة: استمرار الإبادة
ما حدث في دير ياسين يتكرر اليوم في غزة، بأبشع أشكال التعذيب والإبادة. تحت قصف الطائرات، وتحت الأنقاض، وفي غياب الماء والغذاء والدواء، يُذبح الشعب الفلسطيني الأصلي أمام أعين العالم. والمحميات الخليجية، بإعلامها المأجور، إما تصمت أو تبرر، وإما تشتت الانتباه بفتاوى دينية مشبوهة وصراعات طائفية مصطنعة.
رواية "سلاسل العقل، أغلال القلب" تحاول، من خلال شخصية جابر، تفكيك هذه العقلية الاستعمارية، وكشف كيف يُعاد إنتاجها في أشكال جديدة. جابر يرى أن "الرأسمالية، بمنطقها التسليعي، لا ترى في العلاقات البشرية سوى فرصة لتحقيق الأرباح، فتحول الحب إلى سلعة تُباع وتُشترى، سواء في إعلانات العطور في مراكز الغرب أو في خطب الشيوخ الممولة بالبترودولار في المحميات" . هذا التشييء لا يقتصر على المرأة، التي تُختزل إلى "وعاء جنسي" كما صرح الغنوشي التونسي الإخوانجي أو رمز استهلاكي، بل يمتد إلى كل إنسان، يُكبل بالأغلال الفكرية، ويُحبس في سجون نفسية واجتماعية .
عمالقة الأدب الروسي... مدرسة الواقعية الناقدة
يعد الأدب الروسي أحد أغنى آداب العالم، حيث عكست أعمال مبدعيه التجربة الحياتية للشعب الروسي: أخلاقه وفلسفته ونظرته إلى الوجود والعالم. وقد انصهر هذا الأدب في بوتقة المجتمع بشكل كبير، وشكل منبراً لمناقشة قضايا المجتمع السياسية والثقافية. هذا هو النموذج الذي نحتاجه: أدب ملتحم بالواقع، ناقد له، لكنه في نفس الوقت يحافظ على مستويات فنية راقية.
أنطون تشيخوف: واقعية اللحظة والتفاصيل الصغيرة
ببراعة منقطعة النظير، كان الأب الروحي للقصة القصيرة في العالم يجسد الواقع من خلال تفاصيله اليومية الصغيرة. في مسرحيته "الشقيقات الثلاث"، يغوص بنا تشيخوف داخل حياة أبطاله الذين، عبر أفعالهم الروتينية اليومية البسيطة مثل التنظيف وتحضير العشاء والتحدث إلى الهاتف، ينقلون لنا ثقل الحياة بواقعيتها.
ما يمكن أن نتعلمه من تشيخوف في الكتابة الصحفية هو:
· قيمة اللحظة: التفاصيل الصغيرة تحمل في طياتها حقائق كبيرة. · الموضوعية في الوصف: وصف ما هو كائن دون مبالغة أو تهويل. · التركيز على الإنسان العادي: ليس الأبطال الخارقين، بل الناس العاديين هم من يصنعون التاريخ.
فيودور دوستويفسكي: التحليل النفسي والغوص في الأعماق
أبرز ما يميز أعمال دوستويفسكي هو التحليل النفسي العميق لشخصيات رواياته، والبعد الفلسفي، والملحمية، والقلق الوجودي، والاهتمام بالطبقات الفقيرة والوسطى. في "الجريمة والعقاب" و"الإخوة كارامازوف" و"الأبله"، لا يقدم دوستويفسكي شخصيات مسطحة، بل كائنات بشرية متكاملة، تحمل تناقضاتها، صراعاتها الداخلية، أسئلتها الوجودية.
في روايته "ذكريات من بيت الأموات"، التي تندرج ضمن أدب السجون، تحدث عن التعذيب الجسدي للمعارضين السياسيين. وقد قرأ أحد الضباط الروس هذه الرواية وتأثر بها إلى الدرجة التي دفعته إلى الكتابة إلى الإمبراطور الروسي يرجوه إلغاء التعذيب الجسدي، وبعد سنة انتهت اللجنة التي شكلها الإمبراطور إلى قرار بإلغاء التعذيب في السجون الروسية عام 1863. هذه هي قوة الكلمة: أن تغير الواقع.
ليو تولستوي: النظرة الأخلاقية والنقد الاجتماعي
أبرز ما يميز تولستوي هو النظرة الأخلاقية، والنقد الاجتماعي، والملحمية. في "الحرب والسلم" و"أنا كارنينا"، يقدم تولستوي لوحات كاسحة للمجتمع الروسي، بكل طبقاته وتناقضاته.
المثير للاهتمام أن تولستوي تأثر بالثقافة العربية والإسلامية تأثراً عميقاً. فقد التحق بقسم اللغات الشرقية (العربية ) بجامعة قازان، وكان يود أن يصبح دبلوماسياً في المنطقة العربية. كما ألف كتاباً أسماه "حكم النبي محمد" رداً على جماعات المبشرين الذين صوروا الدين الإسلامي على غير حقيقته، مختاراً مجموعة من الأحاديث الشريفة ومعلقاً بأن محمداً شخص جدير بالاحترام والتقدير كفعل مقاوم وليس موظفا للإسلام الخادم للإمبريالية من قبل محميات الخليح ومن لف لفها . المجموعة الكاملة لأدب تولستوي تضم 40 كتاباً يخص التراث العربي.
هذا النموذج من الانفتاح الثقافي والنقد الأخلاقي العميق هو ما نحتاجه: أن نكتب عن مجتمعاتنا بعين ناقدة ولكن محبة، وأن ننفتح على الثقافات الأخرى دون أن نفقد هويتنا.
…..
الأصوات التقدمية الدولية... نماذج في نقد الهيمنة
روبرت فيسك: الصحفي الذي وثّق جرائم الإمبراطورية الاستعمارية الأمريكية
يُعتبر روبرت فيسك أشهر مراسل غربي خلال ثلاثين سنة من تغطيته لأبرز الأحداث: الحرب الأهلية اللبنانية، مذبحة صبرا وشاتيلا، الثورة الإيرانية، الحرب العراقية الإيرانية ، حرب الخليج الأولى، غزو العراق 2003، ومذبحة غزة 2008/2009. كان من المراسلين الغربيين القلائل الذين أجرَوا مقابلة مع أسامة بن لادن، ومن أشد المعارضين لسياسة بريطانيا وأمريكا.
فيسك لم يكتفِ بنقل الأحداث، بل حللها وفضح أكاذيب السلطة. انتقد فيسك زملاءه الصحفيين المقيمين في العراق بسبب ما سماه "الصحافة الفندقية": كتابة التقارير من غرف الفنادق دون مقابلات أو تجربة مباشرة للأحداث. هذا نقد مهم لنا: الصحافة الحقيقية تتطلب النزول إلى الشارع، ومشاركة الناس آلامهم، وليس الاكتفاء بالمؤتمرات الصحفية والبيانات الرسمية.
نعوم تشومسكي: مفكك آليات الإعلام والهيمنة
نعوم تشومسكي ليس مجرد لساني أو فيلسوف، بل هو نموذج للمثقف العضوي الذي يمارس النقد دون هوادة للسلطة الأمريكية، لسياسات الهيمنة، وللإعلام بوصفه أداة تصنيع للقبول الشعبي. في كتابه "تصنيع القبول"، يشرح تشومسكي كيف تُنتج وسائل الإعلام خطاباً زائفاً يبرر العنف باسم الديمقراطية، والتدخل العسكري باسم السلام، والانقضاض على الشعوب باسم التحرير.
يرفض تشومسكي الزعم بأن الأنظمة الليبرالية الغربية تجسد الحرية والديمقراطية بشكل نقي. بل يرى أن هذه الأنظمة غالباً ما تغلف ممارساتها القمعية بلغة الحقوق، وتخفي مصالحها الاقتصادية والعسكرية خلف شعارات مثل "السلام" و"الاستقرار". في حرب العراق 2003، كشف كيف صاغ الإعلام الأمريكي خطاباً يشرعن الحرب، مستخدماً مفردات مثل "أسلحة الدمار الشامل" و"نشر الديمقراطية" لتبرير غزو لا يستند إلى أدلة حقيقية.
سمير أمين: منظر التبعية وفك الارتباط
سمير أمين هو أحد أهم مؤسسي نظرية المنظومات العالمية، ورائد في نظرية التبعية، ومقدم مصطلح "المركزية الأوروبية". يرى أمين أن العالم ينقسم إلى "مركز" غني و"أطراف" فقيرة، وأن التخلف ليس نقصاً في التنمية، بل هو الوجه الآخر لنمو البلدان الغنية التي تعتمد على الاستغلال المكثف للبلدان الأخرى. العولمة، في رؤيته، هي توسع للإمبريالية الرأسمالية.
النموذج العالمي احتكاري، يضمن للدول الأساسية احتكار التكنولوجيا، والسيطرة على التدفقات المالية، والقوة العسكرية، والإنتاج الإيديولوجي والإعلامي، والحصول على الموارد الطبيعية. في هذا النموذج، يصبح "التبادل غير المتكافئ" الوسيلة الرئيسية التي تتيح للرأسمالية إنتاج عدم المساواة.
من أهم مفاهيم أمين "فك الارتباط": دعوة دول الأطراف إلى الانفصال عن الاقتصاد العالمي الرأسمالي، وخلق تنمية "مركزية" ذاتية، ورفض المركزية الأوروبية المتأصلة في نظرية التحديث. هذا المفهوم يمكن تطبيقه على المجال الثقافي والإعلامي: فك الارتباط بالخطاب الإعلامي المهيمن، وخلق نماذج تعبيرية بديلة تنطلق من همومنا وتحلل واقعنا بأدواتنا.
……..
الخاتمة: الكلمة وثيقة للأجيال
في النهاية، نعود إلى حيث بدأنا: إلى ذلك التعليق الذي حوّل مقالاً صحفياً إلى "وثيقة للتاريخ". هذه هي رسالة الكلمة الحقيقية: أن تكون شاهداً على عصرها، أن تحمل صوت من لا صوت لهم، أن تكشف ما يحاولون إخفاءه، أن توثق جرائم الإمبراطورية وأدواتها المحلية.
المعلق طالب بأن تدرس الأجيال مقالات مثل "سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف". أنا أضيف: وأن تدرس روايات مثل "سلاسل العقل، أغلال القلب"، وروايات التعذيب النازي الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني الأصلي. لأن الرواية والمقال، عندما يكتبان بلغة راقية صادقة، يصبحان معاً وثيقة شاملة: وثيقة للتاريخ، ووثيقة للوعي، ووثيقة للإنسان.
اللغة ليست مجرد أداة. اللغة هي بيت الوجود، كما قال الفيلسوف. في لغتنا نعيش، وبها نفكر، ومن خلالها نرى العالم. تحرير اللغة هو الخطوة الأولى في تحرير العقل. وتحرير العقل هو الخطوة الأولى في تحرير الأرض.
إن معركتنا اليوم ليست فقط ضد "احتلال القصر" (الاحتلال السياسي العسكري)، بل أيضاً ضد "احتلال الرغيف" (الهندسة الاجتماعية، والإغراء الاقتصادي، وتوظيف الدين، وتفتيت المجتمعات). وفي هذه المعركة، تكون الكلمة سلاحاً استراتيجياً.
ما تفعله المحميات الخليجية، بإعلامها المأجور وكتابها الحثالات ، هو محاولة لسرقة المستقبل، وتدمير الطفولة العربية، وإباحة اغتصاب القاصر تحت مسميات دينية مزيفة. ما تفعله بنوك روتشيلد والإمبراطورية المالية هو إنتاج قادة مجرمين وشاذين، وتصدير الحركات الفاشية والنازية والصهيونية و الوهابية والاخوانجية والجعجعية لتمزيق المجتمعات. وما يمارسه الاحتلال النازي الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني الأصلي هو أبشع أشكال التعذيب والإبادة.
في مواجهة هذا كله، تبقى الكلمة الصادقة هي السلاح. كما قال الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش: "قاوم، إجبارك على نسيان ما تنسى، هو الشكل الآخر من أشكال الهزيمة". الكلمة تحمي الذاكرة. والذاكرة تحمي الهوية. والهوية تحمي الأرض.
هذا ما يمكن للصحافة العربية الجديدة أن تفعله: أن تحمي الذاكرة العربية من النسيان المتعمد، وأن تكتب بلغة أدبية راقية توثق ما يجري، وتشرح كيف يجري، ولماذا يجري. ليس للقارئ العابر فقط، بل للأجيال القادمة التي ستبحث عن الحقيقة في زمن كثر فيه الكذب، وعن الوضوح في زمن كثر فيه التضليل، وعن الجمال في زمن كثر فيه القبح.
…….
المراجع
1. أحمد صالح سلوم، "سلاسل العقل، أغلال القلب"، موقع الحوار المتمدن 2. قضية إبستين، شبكة للدعارة بالقاصرات، … 3. عائلة روتشيلد.. المال والنفوذ في خدمة إسرائيل، الجزيرة نت 4. الطابور الخامس.. حليف خلف الخطوط،….. 5. تفكيك الإنسان في الأدب: قراءة في "سلاسل العقل، أغلال القلب"، موقع الحوار المتمدن 6. أبراهام شتيرن.. مجرم مجزرة دير ياسين الذي كرّمته دولته النازية،……
المادة الساخرة :
بين احتلال القصر واحتلال الرغيف: نحو كتابة صحفية عربية جديدة... أو كيف ننقذ العقل العربي قبل فوات الأوان؟
مقدمة: عندما يصبح التعليق "وثيقة تاريخية" (يا له من شرف!)
في زحمة التعليقات على موقع "رأي اليوم" اللندنية، حيث يتسابق القراء لكتابة "أول" و"بارك الله فيك" و"نعم والله"، ظهر تعليق مختلف. تعليق لم يكن مجرد كلمات عابرة، بل كان -على حد وصف الكاتب- "تشخيصاً دقيقاً لمرحلة تاريخية كاملة"! تخيلوا: مجرد تعليق على الإنترنت يتحول فجأة إلى "وثيقة تاريخية" يجب أن تدرسها الأجيال القادمة. يا إلهي، وأنا أضيع وقتي في التعليق على صور القطط!
يقول المعلق الفذ: "هذا المقال هو وثيقة للتاريخ يجب أن تدرسها الأجيال لكي يفهموا كيف احتلوا بلادنا وبدون تحريك جندي صهيوني واحد". نعم، الجندي الصهيوني لم يتحرك، لكن يبدو أن فأرة الكمبيوتر تحركت كثيراً!
وهكذا، يا سادة، يتحول المقال العادي فجأة من "نص صحفي يُقرأ ثم يُنسى" إلى "وثيقة" تحمل مهمة توثيق انهيار أمة. وبدلاً من أن يشعر الكاتب بالمسؤولية الثقيلة على كتفيه، يقرر أن يكتب... مقالاً آخر!
……
اللغة بين الهندسة والمقاومة... أو كيف اغتال البترودولار العقل العربي (مع خالص تحياتي لكم يا أصدقائي في الخليج)
إعلام البترودولار: السلالة الاستعمارية الجديدة (ولها فروع في كل مكان!)
ما أشار إليه المعلق في تعليقه التاريخي حول "هندسة الوعي" لم يكن مجرد تعبير بلاغي. إنه يشير إلى مشروع منهجي منظم. في كتابي "العقل المحتل وامبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل" (متوفر في جميع المكتبات التي لم تقرأه)، أوضحت كيف أن الإعلام الخليجي، الممول بالنفط (نعم، ذلك السائل الأسود الذي يخرج من الأرض)، لم يكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل تحول إلى أداة استعمارية ناعمة، تمارس ما أسميته "احتلال الرغيف": تشتيت الوعي، وخلق أجيال مستهلكة غير مفكرة، وتوظيف الدين لخدمة مشاريع سياسية.
المحميات الخليجية، بإدارتها المباشرة من الاحتكارات المالية العالمية ولا سيما بنوك روتشيلد (أي نعم، روتشيلد! لأن كل مؤامرة في هذا العالم يجب أن تنتهي عند روتشيلد)، لم تكتفِ بتمويل الإعلام، بل أنشأت منظومة ثقافية متكاملة تنتج مثقفين... دعنا نقول "مبدعين" في فن تبرير أي شيء.
الجزيرة وتوابعها، التي تقدم نفسها كـ"منابر حرة"، تمارس سياسة انتقائية: تختار المواضيع والضيوف بعناية فائقة، وتغذي السرديات التي تتماهى مع توجهات مموليها. هي، مثل البي بي سي، تمثل سلالة استعمارية جديدة: إعلام يمتطي شعارات الحرية والديمقراطية ليخدم مشاريع الهيمنة. برافو! اكتشاف عظيم!
لا حياد مع التمويل. فحين تموّل قناة من قبل دولة، فإن خطها التحريري يُبنى على مقاس تلك الدولة. كيف نصدق مهنية قناة تلمّع علاقات التطبيع، وتصمت عن سجون الفكر، وتتشدق بحقوق الإنسان في دولة، وتتغاضى عنها في دولة أخرى؟ هنا يُصبح الإعلام أداة هندسة للرأي، لا مرآة له، ومكبّر صوت لا صوت ضمير. شكراً جزيلاً لهذا التحليل العميق!
الطابور الخامس: محميات الخليج في خدمة تدمير المجتمع العربي (وكل هذا بمساعدة روتشيلد طبعاً)
مصطلح "الطابور الخامس" يعود إلى الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939)، حيث أعلن الجنرال مولا عن وجود طابور خامس مختف داخل العاصمة مدريد. انتشر المصطلح بعد ذلك ليصف كل من يُبدي نزعة إلى الحياد أو إلى عدم إدانة تصرفات العدو.
ما تفعله محميات الخليج اليوم هو تجسيد حي لهذا المفهوم. فهي تعمل كطابور خامس داخل الجسد العربي، تمول حركات إسلاموية متطرفة تفتت المجتمعات، وتدعم خطاباً دينياً مشوهاً، وتنتج إعلاماً يشتت الوعي. وهي تفعل كل هذا بإدارة مباشرة من الاحتكارات المالية العالمية، ولا سيما بنوك روتشيلد التي أنجبت كل الحركات الفاشية والنازية والصهيونية والوهابية والإخوانجية والداعشية.
لاحظوا هنا عبقرية عائلة روتشيلد: فهي لم تكتفِ بإنجاب حركة متطرفة واحدة، بل أنجبت كل الحركات المتطرفة المتناقضة! تخيلوا كم هو متعب أن تنجب النازية والصهيونية والإخوان المسلمين في نفس الوقت. لا بد أن والدة روتشيلد كانت امرأة نشيطة جداً!
اغتيال العقل الروائي والصحفي العربي (والروائي أيضاً، لا تنسوا الروائي)
إعلام البترودولار لم يقتصر تأثيره على الصحافة فقط، بل امتد ليغتال العقل الروائي العربي أيضاً. الرواية العربية المعاصرة تحولت إلى سلعة استهلاكية تبحث عن جوائز واعتراف غربي، بدلاً من أن تكون أداة نقدية عميقة. هيمنة خطاب "المركزية الأوروبية" جعلت المثقف العربي ينظر إلى نفسه بعيون الغرب، ويقيس إبداعه بمقاييسهم، ويكتب بلغة تبحث عن الترجمة لا عن الحقيقة.
هذا ما جعلني أطرح ضرورة العودة إلى نماذج كتابية بديلة: إلى عمالقة الأدب الروسي، وإلى مفكرين تقدميين كشفوا آليات الهيمنة الغربية، وإلى توثيق جرائم الاحتلال النازي الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني الأصلي.
…..
أغلال القلب... رواية تفكيك التصاميم (أو كيف أصبحت الرواية بياناً سياسياً)
سلاسل العقل، أغلال القلب: قراءة في المشروع الروائي (أو قراءة في مشروعي أنا شخصياً)
في عالمٍ تُعاد فيه صياغة الإنسان كما تُعاد صياغة الإعلانات، وتُصمم فيه المشاعر كما تُصمم الحملات الانتخابية، وتُهندس فيه الهويات كما تُهندس الخرائط السياسية، تأتي رواية "سلاسل العقل، أغلال القلب" كحدث نادر، لا يُشبه ما يُكتب عادةً في الأدب العربي المعاصر، ولا ينتمي إلى تيارات الرواية المألوفة التي تُراعي السوق أو تُغازل السلطة. إنها رواية لا تُطلب لها موافقة، ولا تُنتظر لها جائزة، بل تُكتب كما تُطلق الصرخة، لا لتُعجب، بل لتُزعج، لا لتُصفق لها، بل لتُفكر بها. (وهي متوفرة مجاناً على موقع الحوار المتمدن، لأن دور النشر التجارية رفضتها بحجة أنها "تزعج"!)
منذ السطر الأول، يدرك القارئ أنه أمام نص لا يهادن. لا يُجامل السلطة، ولا يُراعي الذوق العام، ولا يُخضع نفسه لمقاييس الجوائز أو دور النشر. بل يُعلن الحرب على كل ما هو مُصمم مسبقاً: الحب، الهوية، الدين، وحتى الوطن. الرواية لا تُقدم شخصيات لتُحبها، بل لتُفكر بها. لا تُقدم حبكة لتُتابعها، بل لتُفككها. لا تُقدم نهاية لتُرضي، بل لتُقلق. (وإذا لم تفهم شيئاً، فهذا يعني أنك لست مستعداً لهذا المستوى من العمق!)
جابر: الوعي في مواجهة التصاميم (أو كيف أصبح بطل الرواية مثقفاً عضوياً)
شخصية "جابر" ليست بطلاً تقليدياً، بل مرآة للوعي في مواجهة التصاميم. في المشهد الافتتاحي، نجده جالساً في مقهى صغير قرب غراند بلاس في بروكسل، أمامه ساندي، فتاة أوروبية بشعر أشقر قصير، تتحدث بحماس عن لوحة لفان غوخ. لكن جابر لا يستطيع أن يكون حاضراً، فعقله "سجنٌ من رمال الصحراء التي نشأ فيها".
ذلك الصوت القديم، صوت الشيخ في المسجد الذي كان يرتدي جلباباً أبيض كالكفن، يصرخ من المنبر: "الطيبون للطيبات، والخبيثون للخبيثات!" كلماته كانت كالسلاسل، تكبل الأفكار، تقيد النبضات. الخطاب الوهابي-الإخوانجي الممول بالبترودولار، الذي يزرع الخوف من الآخر، ويحول المرأة إلى وعاء جنسي، ويجعل الإنسان يخاف من الحب، من التواصل، من الإنسانية ذاتها.
جابر لا يحمل سيفاً، ولا يواجه خصماً واضحاً، بل يخوض معركة داخلية ضد منظومة دعائية تُعيد تشكيله. يرى كيف يتحول الحب إلى سلعة، وكيف تُستخدم الهوية لتقسيم الشعوب، وكيف يُعاد تشكيل العدو ليخدم الطغمة المالية. جابر لا يُقاوم بالسلاح، بل بالوعي. يُفكك الخطاب، يُعيد التفكير، يُرفض التصاميم. (وبالمناسبة، جابر يشبهني كثيراً في رفضه لكل شيء!)
الحب كفعل تحرري (أو كيف نحول الرومانسية إلى قضية سياسية)
الرواية تُعيد تعريف الحب، لا كعاطفة رومانسية، بل كفعل تحرري. حين يحب جابر، لا يهرب من الواقع، بل يراه بوضوح. يرى كيف يُستخدم الحب لترويضه، لتحديد خياراته، لتصميم مشاعره. يرى كيف أن الحب في ظل الطغمة المالية ليس حرية، بل هندسة. الحب هنا ليس شعوراً، بل موقفاً. موقف ضد التصاميم، ضد البرمجة، ضد الهيمنة.
في مقابل هذا التشييء، تشير المقدمة إلى طريق آخر، "رأيناه في تجارب الشيوعية، رغم كل أخطائها. في الاتحاد السوفييتي، شهدنا جانباً مشرقاً من العلاقات الإنسانية، حيث كان الحب والتضامن يتجاوزان قيود التسليع". نعم، في الاتحاد السوفييتي حيث كانت طوابير الخبز أطول من طوابير الحب، كان الحب حقيقياً ونقياً! كما تشير إلى بعض الأمل في الصين، "رغم العثرات والأخطاء". شكراً على كلمة "رغم"، لقد أنقذت الموقف!
…..
الإمبراطورية التي تنتج المجرمين... من بنوك روتشيلد إلى جزيرة إبستين
بنوك روتشيلد: المال والنفوذ في خدمة الفاشية والصهيونية (وخدمة كل شيء سيء في العالم)
لعائلة روتشيلد تاريخ طويل من الثراء والنفوذ في العديد من الدول الأوروبية، وارتباط أعمق بالقضية الصهيونية منذ ما قبل ظهورها، وكان لهم التأثير الأضخم في إعادة بعث إسرائيل.
تعود أصول هذه العائلة إلى مدينة فرانكفورت الألمانية. وبحلول القرن التاسع عشر بلغت ثروة عائلة روتشيلد ذروتها، لتصبح الأكبر بين الثروات الخاصة عالمياً. وقد أسهم عدد من أبناء هذه العائلة من الفرعين البريطاني والفرنسي في دعم الهجرة اليهودية والحركة الصهيونية وإنشاء إسرائيل.
هذه العائلة نفسها، ببنوكها واحتكاراتها المالية، هي من أنجبت كل الحركات الفاشية والنازية والصهيونية والوهابية والإخوانجية والداعشية. نعم، كل هؤلاء أولاد روتشيلد! تخيلوا شجرة عائلة روتشيلد: هتلر جالس في حضن جده، وبن لادن يلعب مع أبناء عمومته الصهاينة، والإخوان يلتقطون صوراً عائلية مع الدواعش. يا لها من لمّة عائلية جميلة!
جزيرة إبستين: مختبر إنتاج القادة المجرمين (أو كيف تصبح مليارديراً وتفعل ما تشاء)
قضية جيفري إبستين، الملياردير ورجل الأعمال الأمريكي، ممثل روتشيلد كما وصف نفسه، المتهم بإدارة شبكة للدعارة، واستغلال منازله وجزيرة كان يملكها لارتكاب جرائم جنسية ضد فتيات قاصرات، هي تجسيد حي لكيف تنتج الإمبراطورية قادة مجرمين وشاذين.
ظهرت القضية عام 2005، لكن نفوذ إبستين الهائل حال دون محاكمته. في 2019، اعتُقل مجدداً، لكنه عُثر عليه ميتاً في زنزانته في ظروف غامضة. القضية كشفت تورط شخصيات سياسية وفنية بارزة. هذه هي النخبة التي تخرجها الجامعات الغربية: قادة مجرمون وشاذون، يتاجرون بالأطفال ويستغلون القاصرات، ثم تحميهم المؤسسات وتدفن القضايا.
جزر إبستين العربية: اغتصاب القاصر تحت مسمى ديني (وصلنا إلى القمة!)
ما يحدث في المحميات الخليجية ليس أقل بشاعة. تحت غطاء ديني مزيف، وتبريرات فقهية مشبوهة، يمارس بعض شيوخ البترودولار وكتابهم أبشع أنواع الانحدار الأخلاقي. يصل الأمر إلى حد إباحة اغتصاب القاصر تحت مسمى "سنة نبوية"، في تدنيس مقدس للدين وتحريف فاحش للنصوص.
هؤلاء الكتاب المأجورون، الذين يمولهم البترودولار الخليجي الوهابي، يعيشون بين لندن والدوحة وتل أبيب، يكتبون ليل نهار لتبرير "جزر إبستين العربية". إنهم أسوأ من الطابور الخامس، لأنهم يدمرون المجتمع من الداخل، وينخرون في قيمه الأخلاقية، ويسرقون مستقبل الأطفال باسم الدين.
(ملاحظة: إذا كان أي قارئ يتساءل كيف يمكن لكاتب أن يكتب مقالاً طويلاً دون أن يقدم دليلاً واحداً على هذه الادعاءات الخطيرة، فليعلم أن "التحليل العميق" لا يحتاج إلى أدلة!)
…..
التعذيب النازي الصهيوني ضد الشعب الأصلي الفلسطيني (أو كيف يصبح السفاح بطلاً قومياً)
شتيرن: النازي الذي كرّمته دولته (نعم، لقد قرأتم العنوان بشكل صحيح)
في التاسع من أبريل 1948، في حوالي الساعة الثالثة فجراً، مزّق أفراد من عصابة "شتيرن" و"الإرغون" سكون قرية دير ياسين الفلسطينية، فاستهدفت فوهات أسلحتهم كل من يعترضهم. وما يزال التاريخ الفلسطيني والعربي يحتفظ بألم ذكرى تلك المجزرة.
في المقابل، يفخر الإسرائيليون بأحد قادة عصابة "شتيرن" وهو "أبراهام شتيرن"، حتى أن صورته طبعت على طابع بريدي، ويُحتفل بذكراه رسمياً كل سنة. كان هذا السفاح شاعراً، لكنه رجّح الكفة للقتل، وقد بحث عن التحالف مع النازيين في ألمانيا والفاشيين في إيطاليا.
المؤرخ إيلان بابيه يقول إن شتيرن لم يكذب على نفسه، ووصف الفلسطينيين بأنهم غرباء كأجانب. هذه هي العقلية النازية الصهيونية: ترى الشعب الأصلي لأرضه "غرباء" و"أجانب"، وتستبيح قتله وتهجيره.
من دير ياسين إلى غزة: استمرار الإبادة (لأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن بشكل أسوأ)
ما حدث في دير ياسين يتكرر اليوم في غزة، بأبشع أشكال التعذيب والإبادة. تحت قصف الطائرات، وتحت الأنقاض، يُذبح الشعب الفلسطيني الأصلي أمام أعين العالم. والمحميات الخليجية، بإعلامها المأجور، إما تصمت أو تبرر.
رواية "سلاسل العقل، أغلال القلب" تحاول تفكيك هذه العقلية الاستعمارية. جابر يرى أن "الرأسمالية، بمنطقها التسليعي، لا ترى في العلاقات البشرية سوى فرصة لتحقيق الأرباح، فتحول الحب إلى سلعة". أجل، حتى الإبادة أصبحت سلعة في السوق الرأسمالية! ……
عمالقة الأدب الروسي... مدرسة الواقعية الناقدة (أو كيف نستورد الحلول من روسيا)
يعد الأدب الروسي أحد أغنى آداب العالم. هذا هو النموذج الذي نحتاجه: أدب ملتحم بالواقع، ناقد له، لكنه في نفس الوقت يحافظ على مستويات فنية راقية.
أنطون تشيخوف: واقعية اللحظة والتفاصيل الصغيرة (أو كيف نكتب عن المكنسة والهاتف)
ببراعة منقطعة النظير، كان الأب الروحي للقصة القصيرة يجسد الواقع من خلال تفاصيله اليومية الصغيرة. في مسرحيته "الشقيقات الثلاث"، يغوص بنا تشيخوف داخل حياة أبطاله الذين، عبر أفعالهم الروتينية اليومية مثل التنظيف وتحضير العشاء، ينقلون لنا ثقل الحياة بواقعيتها.
ما يمكن أن نتعلمه من تشيخوف في الكتابة الصحفية هو: قيمة اللحظة، الموضوعية في الوصف، والتركيز على الإنسان العادي. نعم، تشيخوف كان يفعل ذلك في القرن التاسع عشر، ونحن نحاول اكتشافه الآن!
فيودور دوستويفسكي: التحليل النفسي والغوص في الأعماق (أو كيف تجعل القارئ يشعر بالاكتئاب)
أبرز ما يميز أعمال دوستويفسكي هو التحليل النفسي العميق، والبعد الفلسفي، والملحمية، والقلق الوجودي. في روايته "ذكريات من بيت الأموات"، تحدث عن التعذيب الجسدي للمعارضين السياسيين. وقد قرأ أحد الضباط الروس هذه الرواية وتأثر بها إلى الدرجة التي دفعته إلى الكتابة إلى الإمبراطور الروسي يرجوه إلغاء التعذيب الجسدي، وبعد سنة انتهت اللجنة إلى قرار بإلغاء التعذيب في السجون الروسية.
هذه هي قوة الكلمة: أن تغير الواقع. (أو على الأقل هذا ما حدث في روسيا القيصرية. أما في عالمنا العربي، فالكلمة تغيّر... لا شيء، لكننا مستمرون في الكتابة!)
ليو تولستوي: النظرة الأخلاقية والنقد الاجتماعي (أو كيف تأثر بالأدب العربي)
أبرز ما يميز تولستوي هو النظرة الأخلاقية، والنقد الاجتماعي، والملحمية. المثير للاهتمام أن تولستوي تأثر بالثقافة العربية والإسلامية تأثراً عميقاً. فقد التحق بقسم اللغات الشرقية (العربية) بجامعة قازان، وألف كتاباً أسماه "حكم النبي محمد" رداً على المبشرين.
هذا النموذج من الانفتاح الثقافي هو ما نحتاجه: أن نكتب عن مجتمعاتنا بعين ناقدة ولكن محبة، وأن ننفتح على الثقافات الأخرى دون أن نفقد هويتنا. (وإذا تعلمنا الروسية أيضاً، فهذا أفضل!)
…..
الأصوات التقدمية الدولية... نماذج في نقد الهيمنة
روبرت فيسك: الصحفي الذي وثّق جرائم الإمبراطورية (ومات بعد ذلك)
يُعتبر روبرت فيسك أشهر مراسل غربي خلال ثلاثين سنة من تغطيته لأبرز الأحداث. كان من المراسلين الغربيين القلائل الذين أجرَوا مقابلة مع أسامة بن لادن، ومن أشد المعارضين لسياسة بريطانيا وأمريكا.
فيسك لم يكتفِ بنقل الأحداث، بل حللها وفضح أكاذيب السلطة. انتقد فيسك زملاءه بسبب ما سماه "الصحافة الفندقية": كتابة التقارير من غرف الفنادق. هذا نقد مهم لنا: الصحافة الحقيقية تتطلب النزول إلى الشارع، ومشاركة الناس آلامهم. (وهو ما لا نفعله لأن الشارع خطر وقد نتعرض للدهس!)
نعوم تشومسكي: مفكك آليات الإعلام والهيمنة (أو كيف تصبح فيلسوفاً وأنت نائم)
نعوم تشومسكي ليس مجرد لساني أو فيلسوف، بل هو نموذج للمثقف العضوي الذي يمارس النقد دون هوادة للسلطة الأمريكية. في كتابه "تصنيع القبول"، يشرح تشومسكي كيف تُنتج وسائل الإعلام خطاباً زائفاً يبرر العنف باسم الديمقراطية.
يرفض تشومسكي الزعم بأن الأنظمة الليبرالية الغربية تجسد الحرية والديمقراطية بشكل نقي. بل يرى أن هذه الأنظمة غالباً ما تغلف ممارساتها القمعية بلغة الحقوق. (وبالمناسبة، تشومسكي لم يقرأ كتبي بعد، لكني على يقين أنه سيوافقني الرأي!)
سمير أمين: منظر التبعية وفك الارتباط (أو كيف ننفصل عن العالم)
سمير أمين هو أحد أهم مؤسسي نظرية المنظومات العالمية. يرى أمين أن العالم ينقسم إلى "مركز" غني و"أطراف" فقيرة، وأن التخلف ليس نقصاً في التنمية، بل هو الوجه الآخر لنمو البلدان الغنية.
من أهم مفاهيم أمين "فك الارتباط": دعوة دول الأطراف إلى الانفصال عن الاقتصاد العالمي الرأسمالي، وخلق تنمية ذاتية. هذا المفهوم يمكن تطبيقه على المجال الثقافي والإعلامي: فك الارتباط بالخطاب الإعلامي المهيمن، وخلق نماذج تعبيرية بديلة. (أي أن نكتب لأنفسنا فقط، ولا نهتم بما يقوله العالم عنا!)
……
الخاتمة: الكلمة وثيقة للأجيال (أو كيف نخلد أنفسنا)
في النهاية، نعود إلى حيث بدأنا: إلى ذلك التعليق الذي حوّل مقالاً صحفياً إلى "وثيقة للتاريخ". هذه هي رسالة الكلمة الحقيقية: أن تكون شاهداً على عصرها، أن تحمل صوت من لا صوت لهم، أن تكشف ما يحاولون إخفاءه.
المعلق طالب بأن تدرس الأجيال مقالات مثل "سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف". أنا أضيف: وأن تدرس روايات مثل "سلاسل العقل، أغلال القلب". لأن الرواية والمقال، عندما يكتبان بلغة راقية صادقة، يصبحان معاً وثيقة شاملة: وثيقة للتاريخ، ووثيقة للوعي، ووثيقة للإنسان.
اللغة ليست مجرد أداة. اللغة هي بيت الوجود. في لغتنا نعيش، وبها نفكر، ومن خلالها نرى العالم. تحرير اللغة هو الخطوة الأولى في تحرير العقل. وتحرير العقل هو الخطوة الأولى في تحرير الأرض.
إن معركتنا اليوم ليست فقط ضد "احتلال القصر"، بل أيضاً ضد "احتلال الرغيف". وفي هذه المعركة، تكون الكلمة سلاحاً استراتيجياً. (وإذا لم ينجح السلاح، فهناك دائماً التعليقات على الإنترنت!)
ما تفعله المحميات الخليجية هو محاولة لسرقة المستقبل. ما تفعله بنوك روتشيلد هو إنتاج قادة مجرمين. ما يمارسه الاحتلال النازي الصهيوني هو أبشع أشكال التعذيب. في مواجهة هذا كله، تبقى الكلمة الصادقة هي السلاح.
كما قال الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش: "قاوم، إجبارك على نسيان ما تنسى، هو الشكل الآخر من أشكال الهزيمة". الكلمة تحمي الذاكرة. والذاكرة تحمي الهوية. والهوية تحمي الأرض.
هذا ما يمكن للصحافة العربية الجديدة أن تفعله: أن تحمي الذاكرة العربية من النسيان المتعمد، وأن تكتب بلغة أدبية راقية توثق ما يجري. ليس للقارئ العابر فقط، بل للأجيال القادمة التي ستبحث عن الحقيقة في زمن كثر فيه الكذب، وعن الوضوح في زمن كثر فيه التضليل، وعن الجمال في زمن كثر فيه القبح.
وإذا لم تصدقني، فراجع تعليقات القراء! فهي خير دليل على عظمة ما أكتب!
…..
المراجع
1. أحمد صالح سلوم، "سلاسل العقل، أغلال القلب"، موقع الحوار المتمدن (حيث تنشر الروايات المجانية التي لا يقرأها أحد) 2. قضية إبستين... لأن كل نظرية مؤامرة تحتاج إلى ملياردير ميت في زنزانته 3. عائلة روتشيلد... لأن لا مؤامرة تكتمل دونهم 4. الطابور الخامس... مصطلح قديم نلبسه ثياباً جديدة 5. أبراهام شتيرن... مجرم مجزرة دير ياسين الذي كرّمته دولته 6. وأخيراً وليس آخراً، تعليقات القراء على موقع "رأي اليوم" التي تثبت أن العبقرية لا تزال حية في عالمنا العربي!
تم بحمد الطبيعة وتوفيقها
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عزمي بشارة... تبييض وجه المؤسسة الاستعمارية في ثوب المثقف ال
...
-
من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كت
...
-
-العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة
...
-
إيران: ما وراء أسطورة -دولة الملابس- - قراءة في جيوسياسية ال
...
-
العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل..مقدم
...
-
إمبراطورية الجزر: من احتكار روتشيلد المالي إلى اغتصاب إبستين
...
-
سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف
-
الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إ
...
-
افتتاحية كتاب ( شاهدٌ بلا سلاح )أحمد صالح سلوم
-
افتتاحية كتاب ( كاتب على حافة الخريطة) – أحمد صالح سلوم
-
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: إِيرَانُ تَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ بَيْن
...
-
تمهيد في تفكيك البنى الخطابية الوهابية للهيمنة المعاصرة في م
...
-
ما وراء واجهةدي ويفر -رئيس الجميع-: تفكيك الخطاب النيوليبرال
...
-
تأملات في التشكل الإبيستيني للنظام الصهيوني وأسطورة السيادة
...
-
الجزر المعتمة: جغرافيا التعذيب في خدمة الإمبريالية المعاصرة
-
روتشيلد وممثله ابستين: هشاشة العدالة في مواجهة سيادة الإمبرا
...
-
سيرة ابستين نتنياهو : تشابك السلطة والانحطاط في دهاليز السي
...
-
استشراف آفاق السيادة: رؤى تنموية في عالم متعدد المراكز
-
فضائح إبستين: جراح الطفولة في سرداب الأوليغارشية
-
أوراق التمويه: استنبات الوعي الزائف في استعمار الأمم
المزيد.....
-
مقامات الهمذاني والحريري.. قصة فن أبهر الأدباء على امتداد أل
...
-
الشيخ المقرئ جعفر هاشم.. -بصمة نابلس الصوتية-
-
من بئر بدر لأدغال تشاد.. 3 رمضان يوم الفتوحات والتحولات الكب
...
-
حكاية مسجد.. -محمد الأزرق- في السودان
-
وزارة التربية توضح تأخر وصول كتب منهاج اللغة الإنجليزية للسا
...
-
غضب جزائري من تصريحات حسين فهمي عن فيلم للأخضر حمينة والنجم
...
-
مسلسل -القيصر- يفتح ملف الذاكرة السياسية للفنانين ويثير انتق
...
-
هوارد كارتر يروي لبي بي سي في مقطع نادر أسرار اللحظات الأولى
...
-
عدسات المبدعين توثق -ابتسامة السماء-.. هلال رمضان يضيء الأفق
...
-
رمضان في عيون الغرباء.. كيف وصف رحالة العالم ليالي مصر؟
المزيد.....
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
المزيد.....
|