أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة














المزيد.....

سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 17:28
المحور: الادب والفن
    


في مساء كانت الشمس فيه تتدلى على حافة الوادي كأنها تصغي، عثرت على المخطوط في كهف يدعى " دوبيز" ؛ كهف غائر في واد يشق الأرض بين دوار كرمة بن سالم ودوار أولاد القاضي، فيجعلهما صفيحتين متناثرتين، كأن انقسام الجغرافيا صورة مبكرة لانقسام أعمق.

لم يكن الوصول إليه يسيرا. الريح تعبر الصخور كأنها تحفظ سرا، والوادي يهمس بحكايات ترفض أن تقال على عجل. هناك، في تجويف يشبه صدرا حجريا، وجدت المخطوط ملفوفا بقطعة قماش عتيقة، كأن صاحبه خبأه لا لينسى، بل ليكتشف حين تنضج الأسئلة.

وأنا — كما أقول في كل ما أكتب — لست صاحب الحكايات، بل حارسها. ألتقطها من بين الشقوق، أُنصت إلى رجعها في العتمة، وأضعها أمام القارئ كما وصلتني، بلا ادعاء إضافة ولا شهوة حذف. الحكايات تمر بي كما يمر الضوء عبر نافذة، ثم تمضي… والحكايات، والسلام كما أتضمنها في كل كتاباتي.

حين فتحت المخطوط، شعرت أن الكهف يضيق قليلا، وأن الصمت يصير أكثر إصغاء. خرج صوت شيخ مسن، لم يذكر اسمه، لكن الكلمات حملت تجاعيده. كان يخاطب أبناءه — وربما يخاطبنا جميعا — بصوت لا يرتفع، لكنه لا ينكسر:

“يا أولادي، كل مسؤول قابل للإصلاح، وإن فسد… إلا المنتخبون. إياكم أن تضيعوا أوقاتكم؛ فإما الحذف، وإما صلاة الغائب على مصالحكم.”

تردد صدى العبارة في جدران الكهف كما لو أن الصخور تحفظها منذ زمن. أحسست أن الوادي، الذي يقسم الدوارين، ليس مجرد تضاريس، بل استعارة قائمة: نصف يصدق، ونصف يشك؛ نصف يهلل، ونصف يتساءل.

تخيلت القرية التي يقصدها الشيخ: ساحة واسعة، وصندوق خشبي في الوسط، يعامل كأنه بوصلة الخلاص. يأتي الناس إليه بوجوه يغمرها الأمل، يضعون أوراقهم فيه كما تلقى الرسائل في بحر لا يرى، ثم يعودون مطمئنين، كأن الفعل ذاته اكتمال لا يحتاج إلى ما بعده.

في الصباح يعلن الاسم، فيتحول إنسان عادي إلى رمز.
وفي المساء، يصبح الرمز مرآة للجماعة، لا يرى فيه وجهه بقدر ما ترى فيه صورتهم.

المسؤول المعين هناك كان يعرف أن موقعها عارية مؤقتة، لذلك كان يتحسب. أما المنتخب، فكان يقنع — ويقنع — أنه تجسيد الإرادة نفسها. ومن ذا الذي يجرؤ على مساءلة الإرادة دون أن يتهم بالخروج عليها؟

شيئا فشيئا، تغيرت اللغة.
صارت “المساءلة” تقال بتحفظ، و”الشرعية” تقال بيقين قاطع.
وصار الصندوق بداية الطريق ونهايته في آن واحد.

لم يكن المنتخب شريرا بالضرورة؛ كان إنسانا أُحيط بهالة أثقل من قدرته على الانحناء. كلما حاول أن يرى عيبا، منعته الصورة من القرب. وكلما أشار أحدهم إلى خلل ما، خاف أن يقال له: أتعترض على اختيارك أنت؟

وهكذا، لم تنهر المصالح دفعة واحدة، بل ذبلت ببطء لا يسمع له صوت. الطرق بقيت مرصوفة، لكنها لم تعد تؤدي إلى ما كانت تؤدي إليه. المدرسة قائمة، لكن الأسئلة فيها أكثر من الأجوبة. الماء يجري، لكن العطش يتزايد.

وفي لحظة فاصلة بين الليل والفجر، اخترق سكون الكهف صوت المآذن من بعيد. كان المؤذن ينادي لصلاة الفجر، صوته ينساب عبر الوادي:
“الصلاة خير من النوم… الصلاة خير من النوم.”
ثم جاء الختام البسيط الذي يشبه إعلان بداية جديدة: “أصبحنا ولله الحمد.”

تبدت العبارة في سياقها الرمزي كأنها شرح أكاديمي لجوهر الوصية. فالنوم هنا ليس حالة الجسد، بل غفلة الوعي بعد لحظة الاختيار. واليقظة ليست انتقالا من فراش إلى حركة، بل انتقال من تسليم مطمئن إلى مساءلة يقظة. إنّ الجماعة، حين تظن أن الاختيار يغني عن الحراسة، تكون قد استبدلت اليقظة بطقس، والفعل المستمر بلحظة عابرة.

عندها اكتمل المعنى.

“الحذف” لم يكن محو أشخاصٍ من السجلات، بل محو الهالة عنهم؛ إعادة الرمز إلى حجمه البشري، وإعادة النقد إلى مكانه الطبيعي.
و”صلاة الغائب” لم تكن طقسا دينيا على جثمان، بل وقفة اعتراف جماعية أمام مصالح ضاعت لأن أصحابها ناموا مطمئنين.

حين خرجت من كهف دوبيز، كان الفجر قد اكتمل. الضوء يتسرب بين ضفتي الوادي كأنه يقترح مصالحة ممكنة. أدركت أن أخطر ما يقسم القرى ليس واد من حجر، بل فكرة تترك بلا مساءلة.

أغلقت المخطوط وأعدته إلى حيث وجدته.
لست مصلحا ولا قاضيا، بل حارس للقصص والحكايات. أروي ما يصلني، وأترك الحكم لمن يقرأ.

ولعل الكهف لم يرد أن يسلمنا مخطوطا فحسب، بل سرا بسيطا يتجدد مع كل فجر:
أن اليقظة مسؤولية لا تفوض، وأن الحراسة لا تنتهي بإغلاق الصندوق.

وأنا — كما بدأت — مجرد حارسٍ يمر من هنا، يسلم الحكاية، ويمضي… والحكايات، والسلام.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عودة النبض إلى الساحة الخالية
- حارس الوثائق التي تعلمت الشهوة
- نافذة الروضة
- اعترافات ظل من جبل
- حين هَمَتْ جدران الله… صمت التاريخ
- النظارة التي رأت ما لم ير
- سياج الابتسامة
- وصية العابرين إلى وجدان
- كرامة لا تسجن
- الطريق الذي كان يفكر
- نص بعد الإنسان
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور قصة قصيرة | ...
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور
- حين رقصت الأرض… واختلف العازفون
- “نجوت لأرى الفساد حيا”
- «الماء بريء… وأنا الغريق»
- حين يبصر القلب
- قصيدة نثرية: «حين يتكلم الحجر بلساني»
- سوق الدجاج في مولاي إدريس زرهون: مملكة الطائر السامي الذي لا ...
- «حين يختفي الساحر وتبقى القبعة: حكاية السياسة المغربية بين ا ...


المزيد.....




- حكاية مسجد.. -خانقاه بيارة- في كردستان العراق
- بن يونس ماجن: هطول غزير
- عاصفة غضب في مهرجان برلين السينمائي بسبب محاولات تهميش القضي ...
- -وقائع زمن الحصار-: فيلم يروي التفاصيل اليومية لحصار مخيم ال ...
- تنديد بـ-صمت- مهرجان برلين السينمائي حيال غزة بخلاف مواقفه م ...
- تنديدا بـ-صمت- مهرجان برلين السينمائي حيال غزة.. مخرجة فيلم ...
- المريخ في الأردن: حكايات الرمال التي عانقت خيال السينما
- 14 موقعا أثريا.. الاحتلال يصادر مناطق واسعة ببلدة سبسطية شما ...
- الشيخ عباس مقادمي.. صوت رمضان في الذاكرة السعودية
- غرّة رمضان.. قصة رحلة فتحت باب فردوس الأندلس لثمانية قرون


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة