أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسين علي محمود - الصيام والإفطار بين الإيمان والمواطنة















المزيد.....

الصيام والإفطار بين الإيمان والمواطنة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 04:57
المحور: قضايا ثقافية
    


يثير شهر رمضان في مجتمعاتنا سؤالاً يتكرر كل عام، هل الصيام عبادة شخصية بين الإنسان وربه، أم هو أيضاً شعيرة عامة يحق للمجتمع أن يحميها بقوانين وإجراءات؟؟
وهل إغلاق المطاعم ومعاقبة من يفطر علناً يُعد دفاعاً عن قدسية الشهر، أم خلطاً بين المجال الديني الخاص والمجال العام المشترك بين مواطنين مختلفي الاعتقاد؟!
الصيام في جوهره كما يقدمه الإسلام، عبادة باطنية قبل أن يكون امتناعاً ظاهرياً عن الطعام والشراب، إنه تربية على التقوى، كما جاء في القرآن الكريم : ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. والتقوى حالة قلبية لا تفرض بالقوة ولا تقاس بمدى خلو الشوارع من المطاعم المفتوحة.
فالصائم الحقيقي ليس من منع من الأكل، بل من امتنع طوعاً امتثالاً لأمر الله.
الفرق هنا جوهري بين الامتناع القسري والالتزام الإيماني، حيث الأول قد يصنع سلوكاً ظاهرياً، أما الثاني فيصنع إنساناً.
تبرز الحرية الشخصية وحدودها في المجتمعات الحديثة من الناحية الأخلاقية بما فيها المجتمعات ذات الغالبية المسلمة، إذ تقوم على مبدأ التعايش بين أفراد يختلفون في معتقداتهم وقناعاتهم.
في اغلب المجتمعات العربية، يعيش مسلمون بمذاهب متعددة إلى جانب مسيحيين وصابئة وإيزيديين وغيرهم.
فهل من العدل أن يطلب من غير المسلم أن يلتزم علناً بشعيرة دينية لا يؤمن بها؟!
وهل يعاقب إن أكل أو شرب في النهار، رغم أنه غير مخاطب أصلاً بفريضة الصيام من منظور الشريعة الإسلامية؟!
في الفقه الإسلامي ذاته، هناك تمييز واضح بين التكليف الديني للمسلم وبين وضع غير المسلم.
غير المسلم لا يطالب بأداء العبادات الإسلامية وإن كان يُطالَب (في إطار الدولة التاريخية الإسلامية) باحترام النظام العام، لكن النظام العام مفهوم متغير وليس نصاً مقدساً جامداً.
ما كان يعد إخلالاً بالنظام العام في سياق تاريخي معين، قد لا يكون كذلك في سياق دولة حديثة تقوم على المواطنة المتساوية.
ثم إننا إذا تأملنا البعد الإيماني في سؤال يقول، هل رؤية الطعام أو شم رائحته يزعزع إيمان الصائم؟؟
إذا كان الإيمان يتأثر بوجود مطعم مفتوح، فالمشكلة في هشاشة التجربة الإيمانية لا في وجود الطعام، فالصيام في معناه التربوي يُفترض أن يعزز القدرة على مقاومة الإغراء، لا أن يلغي الإغراء من الوجود.
الإنسان الصائم في عالم اليوم يتعرض لإعلانات الطعام على شاشات التلفاز ومواقع الإنترنت ولرائحة المخابز في الأسواق ولأحاديث الناس عن الأطباق الشهية ومع ذلك يصوم، فكيف يصبح وجود مطعم مفتوح تهديداً لجوهر العبادة؟!

قد يقول قائل إن المسألة ليست إيماناً فردياً فقط، بل احتراماً لمشاعر الأغلبية وهنا ندخل في بعد اجتماعي مهم، هل احترام المشاعر يعني فرض نمط سلوك موحد على الجميع؟؟ أم يعني إيجاد توازن يحفظ حق الصائم في ممارسة عبادته بطمأنينة وحق غير الصائم لأي سبب كان ديني أو صحي أو شخصي في أن يعيش حياته دون تجريم؟؟
هناك أيضاُ فئات داخل المجتمع المسلم نفسه لا تصوم مثل المرضى، المسافرون، كبار السن، النساء في حالات معينة، بل حتى من يفطر سراً لأسباب شخصية.
هل يجبر هؤلاء على الاختفاء؟؟ وهل يتحول الفضاء العام إلى مساحة مراقبة أخلاقية يفتش فيها الناس عن
المفطرين بدل أن ينشغل كل فرد بإصلاح نفسه؟؟

الإشكال الأخلاقي الأعمق هنا هو الخلط بين الفضيلة والقانون، ليست كل فضيلة قابلة للفرض بالقوة.
القانون يتدخل عادة عندما يكون هناك اعتداء على حق واضح للآخرين أما الامتناع عن الطعام فهو عبادة شخصية لا يعتدي تركها في حد ذاته على حق أحد.
قد يقال إن الإفطار العلني استفزاز، لكن الاستفزاز مفهوم نسبي، فما يعد استفزازاً في ثقافة معينة قد يعد سلوكاً عادياً في أخرى، وحتى داخل الثقافة الواحدة يختلف الناس في حساسيتهم.
من منظور ديني، لا بد من استحضار مبدأ "لا إكراه في الدين"، حيث هذا المبدأ لا يعني فقط عدم إجبار غير المسلم على الدخول في الإسلام، بل يعكس روحاً أعمق في التعامل مع الإيمان بوصفه اختياراً حراً.
الإيمان الذي يبنى على الخوف من العقوبة الدنيوية يظل إيماناً هشاً، أما الإيمان الذي ينبع من قناعة داخلية فهو الأقدر على الصمود.
وفي الجانب الإنساني، حين تغلق المطاعم تماماً في بلد متعدد الديانات، يُطرح سؤال العدالة : كيف يتصرف العامل غير المسلم الذي يعتمد رزقه على عمله في مطعم؟؟
كيف تأكل عائلة مسيحية أو صابئية أو يزيدية في نهار رمضان إذا كانت كل المطاعم مغلقة؟؟
هل يطلب منهم أن يغيروا نمط حياتهم شهراً كاملاً لأن الأغلبية تصوم؟! أم أن المواطنة تقتضي أن يجد النظام العام صيغة مرنة كالسماح بفتح المطاعم في أماكن مغلقة أو دون مظاهر استعراضية بما يحقق توازناً معقولاً؟؟

الخطورة الاجتماعية في تحويل الصيام إلى قضية أمنية أو عقابية تكمن في أنه ينقل من دائرة التزكية إلى دائرة الرقابة، بدل أن يكون رمضان موسماً للرحمة والتكافل ومراجعة الذات، قد يتحول في بعض السياقات إلى موسم للملاحقة والتشهير.
وهنا نفقد البعد الروحي للشهر ونختزله في مظهر سلوكي.
لا يعني ذلك التقليل من قيمة احترام الشعائر الدينية في الفضاء العام، فكما يحترم شهر رمضان في المجتمعات المسلمة، يحترم عيد الميلاد في مجتمعات أخرى وتحترم طقوس دينية متنوعة حول العالم.
لكن الاحترام يختلف عن الإكراه، فالإحترام يمكن أن يتحقق عبر التوعية وعبر ترسيخ ثقافة مراعاة الذوق العام، لا عبر العقوبات الصارمة التي قد تولد شعوراً بالتمييز أو القهر لدى بعض الفئات.
من الناحية الفكرية تعكس المسألة سؤالاً أوسع، ما طبيعة الدولة؟؟ هل هي دولة دينية تفرض نمطاً تعبدياً موحداً، أم دولة مدنية ذات مرجعية ثقافية إسلامية توازن بين هوية الأغلبية وحقوق الأقليات؟؟
الجواب عن هذا السؤال يحدد الموقف من قضايا مثل إغلاق المطاعم في رمضان!!
رمضان في جوهره، شهر تهذيب للنفس وتعميق للرحمة، هو شهر يشعر فيه الصائم بجوع الفقير لا شهر يُجاع فيه المختلف قسراً، وإذا كان الهدف من الإجراءات هو تعظيم الشعيرة، فإن أعظم تعظيم لها أن تبقى عبادة خالصة لله، لا وسيلة للضغط الاجتماعي أو الاستعراض الأخلاقي.

إن ربط الإيمان بقرارات إدارية قد يعطي انطباعاً بأن الدين يحتاج إلى سلطة قسرية ليبقى حاضراً، بينما التجربة التاريخية تثبت أن الدين حين يتحول إلى اختيار حر، يكون أكثر رسوخاً وأعمق أثراً.
المجتمعات التي تثق بإيمان أفرادها لا تخشى من مطعم مفتوح، لأنها تعلم أن الصائم سيصوم سواء أُغلق المطعم أم فُتح.
في النهاية، المسألة ليست صراعاً بين الدين والحرية، بل بحثاً عن صيغة أخلاقية وإنسانية تحقق كرامة الجميع. يمكن للمجتمع أن يعبر عن احترامه لشهر رمضان بطرق كثيرة وذلك بتعزيز روح التكافل، بتنظيم موائد الإفطار للفقراء، بنشر ثقافة الرحمة، لا فقط بإغلاق الأبواب.
فالدين الذي يخاطب القلب أولًا، لا يحتاج إلى أن يُحرس بالعصا، بل يُصان بالوعي ويُعظم بالقدوة، ويُجسد في سلوك رحيم يعكس مقاصده الكبرى في العدل والحرية وصون كرامة الإنسان.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- موضوعية الأخلاق بين الإيمان والإلحاد
- عيد الحب من القداسة إلى السوق
- الاستحقاق والمسؤولية في وعي الضحية المعاصر
- هل تحل تركيا محل إيران في الشرق الأوسط عسكرياً وجيوسياسياً؟؟
- الاستراتيجية التركية واختبار السيادة العراقية
- السياسة والاقتصاد في إدارة الحروب
- نظرية القنفذ وأخلاقيات المسافة الآمنة
- إبستين فضيحة تحمي النظام
- إبستين وفضيحة النظام الغربي
- المالكي وأزمة القابلية للحكم
- بين المؤثر والمشهور، قوة التأثير والوعي
- شيعة ايران وشيعة المواطنة
- التوارث الفكري واستلاب العقل
- الدين بين الأخلاق والهيمنة
- صراع الدولة والدين على الشرعية والسلطة
- أفول العمامة وصعود أدوات الهيمنة الجديدة
- الشرعية السياسية ومنطق الهيمنة الأميركية
- عقيدة مونرو وصعود الردع الجيوسياسي الأمريكي
- عسكرة المجتمع وتحولات الوعي
- الترامبية ومنطق القوة العارية


المزيد.....




- ألمانيا.. حشود تسخر من بوتين وترامب في كرنفال -إثنين الورد- ...
- وسائل إعلام إيرانية: انطلاق المفاوضات مع أمريكا في سويسرا
- خامئني يرد على تهديدات ترامب: لن تستطيع تدمير إيران
- ذكاء اصطناعي وصفقة مقاتلات.. ما الذي يحمله ماكرون إلى الهند؟ ...
- أخبار اليوم: انطلاق المفاوضات في جنيف بين واشنطن وطهران
- وزير الداخلية الفرنسية في الجزائر لمناقشة -كل القضايا الأمني ...
- المغرب: عودة تدريجية لسكان شمال غرب البلاد بعد تحسن الأحوال ...
- زينة بين الأنقاض وبعض الألوان فوق الركام.. سكان غزة يستعدون ...
- فرنسا: حالة تأهب قصوى لمواجهة مخاطر الفيضانات في مناطق عدة
- طهران تفاوض في جنيف… وتلوّح بقدرتها على تعطيل الطاقة العالمي ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسين علي محمود - الصيام والإفطار بين الإيمان والمواطنة