أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - الشهبي أحمد - زمن خارج القانون














المزيد.....

زمن خارج القانون


الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 03:27
المحور: كتابات ساخرة
    


في البلد المغرب، لا شيء يربكك مثل اعتراف الدولة بنفسها… ثم تراجعها عنه بعد أسابيع. نحن البلد الوحيد تقريبًا الذي يعيش بنظام توقيت عنده قابلية أخلاقية للاعتذار. ساعة نُقدّمها بثقة، ثم نُؤخّرها بتواضع، ثم نعود لتقديمها وكأن شيئًا لم يكن. وكأن الزمن نفسه ملف إداري يُفتح ويُغلق حسب المزاج، أو حسب بيان يُنشر فجر الأحد حين يكون المواطن نائمًا ولا يملك حق الاعتراض.

الدولة تقول لك بكل هدوء: الساعة التي تعيش بها أحد عشر شهرًا ليست قانونية. ثم لا يحدث شيء. لا لجنة تحقيق، لا مساءلة، لا حتى اعتذار رمزي للزمن الذي سُرق من أعمار الناس. فقط اعتراف عابر، يشبه قول شخص لك: “آسف، كنت أضحك عليك”، ثم يواصل الضحك.

الأطرف في الأمر أن هذا الاعتراف لا يدفعنا إلى إلغاء الخطأ، بل إلى تقنينه موسميًا. نُعيد الساعة “القانونية” في رمضان، وكأن القانون نفسه يصوم ويفطر. خارج رمضان، يعود الزمن إلى وضعه غير القانوني، لكن بعلم الجميع، وبصمت الجميع. يصبح المواطن شريكًا في الجريمة الزمنية، يستيقظ باكرًا وهو يعلم أن الساعة تكذب عليه، ومع ذلك يضبط المنبه.

هنا لا تعود المشكلة في الساعة، بل في الفلسفة التي تحكمها. كيف يمكن لدولة أن تقول لك: هذا التوقيت غير قانوني، لكننا سنعتمده لأنه عملي؟ أليس من المفروض أن يكون القانون هو العملي بطبيعته؟ أم أن “اللا-قانوني” عندنا أكثر نجاعة من القانون نفسه؟

المدرسة تبدأ قبل أن يستيقظ الضوء، التلميذ يدخل القسم بنصف دماغ، الموظف يوقع الحضور بجسد حاضر وعقل مؤجل، ثم نُفاجأ بتقارير عن ضعف التركيز والإنتاجية. وكأن الساعة غير بريئة، وكأن الزمن نفسه أصبح موظفًا متعاقدًا لا يحترم شروط العمل.

المثير للسخرية أن الدولة لا تناقش الموضوع معنا، بل تُعلنه. تُخبرك بما قررت، لا بما فكرت فيه. الزمن عندنا قرار سيادي، لا شأن لك به. أنت فقط عدّل ساعتك، وعدّل نومك، وعدّل صحتك النفسية، وإن تعبت… فذلك خارج التوقيت.

ولأن العبث حين يكتمل لا يكتفي بالإدارة والاقتصاد، فإنه يمرّ حتمًا عبر النفس. الساعة غير القانونية لا تسرق النوم فقط، بل تُربك الإحساس بالزمن الداخلي. الإنسان يحتاج إلى إيقاع ثابت ليشعر بالأمان، وحين يُنتزع منه هذا الإيقاع، يبدأ القلق في التسلل بهدوء. اضطرابات النوم، تقلب المزاج، ضعف التركيز، توتر غير مبرر… كلها أعراض تُعالج عند الأفراد، بينما سببها جماعي ومؤسساتي. كأن الدولة تقول للمواطن: اختلّ من الداخل، ثم تدبّر أمرك مع طبيب نفسي لا يعترف هو نفسه بأي ساعة يعتمد في مواعيده.
الساعة غير القانونية لا تُتعب الجسد فقط، بل تُربك الإحساس بالمعنى. حين تستيقظ وأنت غير متأكد إن كان هذا الصباح “حقيقيًا” أم مجرد قرار إداري، تفقد علاقتك الطبيعية بالوقت. يصبح اليوم والليل أقصر مما يجب، وتتحول الحياة إلى سباق مع عقارب لا تحترم بيولوجيا الإنسان. ومع ذلك، لا أحد يتحدث عن الصحة النفسية حين نناقش التوقيت، كأن القلق رفاهية، وكأن الإرهاق النفسي لا يدخل ضمن “المصلحة العامة”.
وهكذا، لا نعيش فقط بتوقيت غير قانوني، بل نعيش أيضًا بإجهاد غير معترف به، وبقلق مُهمَل، وبصبر يُطلب منا دائمًا… إلى أن يقرر الزمن، في بلاغ جديد، أن يعتذر مرة أخرى.

نحن، لسنا ضد التغيير، ولا ضد الاجتهاد، لكن أن تعيش في بلد يعترف بأنك تعيش بتوقيت غير قانوني، فذلك شكل متقدم من العبث. عبث مُقنَّن، مضبوط ببلاغ، ومُرفق بعبارة: “وذلك مراعاةً للمصلحة العامة”. أما المصلحة الخاصة للمواطن، فلها توقيت آخر… ربما يُعلن عنه فجر أحدٍ قادم.

#زمن_خارج_القانون #المغرب_والتوقيت #ساعة_غير_قانونية #صحة_نفسية #العبث_الإداري #رمضان_2026 #التوقيت_القانوني



#الشهبي_أحمد (هاشتاغ)       Echahby_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مغرب تحت وطأة العواصف
- التحولات المناخية القصوى وتأثيرها على الدينامية الفيضية في أ ...
- صمود باتريس لومومبا في وجه الجهل والذاكرة الممزقة
- المغرب بعيون العليان
- رقصة الديك المذبوح بعد قرار مجلس الأمن
- الحيط القصير… أطباء وممرضون وأساتذة تحت أنقاض المنظومة
- صحافة الطبل والغيطة
- أقلام للتلاميذ… وديون للآباء
- أمّة اقرأ لا تقرأ
- رسالة مفتوحة إلى أحمد عصيد: دفاعك عن الحرية… أم هوايتك في اس ...
- الربا حرام… والغيبة من فُنون الجلوس
- المستشفى بعين شاهد على الحدث
- -بين خطابين: حين تتحاور الحداثة والهوية-
- الصحافي الحرباء… حين يكتب اللون لا الحقيقة
- شدولارين: عندما يكتب القلب نفسه ويتطهر بالحبر والحنين
- شدولارين: قراءة نقدية وتحليلية في رواية د. فتحية الفرارجي – ...
- عن البغال التي اعتلت التلال
- ركلة حمار
- مثالب الولادة: صرخة سيوران في وجه العبث
- وصمةُ عارٍ لا تُمحى: فلسطين بين الجوع والخذلان


المزيد.....




- أزمة تعيين وزيرة الثقافة المصرية: تساؤلات حول معايير الاختيا ...
- -واصل- في زمن الحرب.. هل صار الإبداع خط الدفاع الأخير للسودا ...
- من قلب القرون الوسطى إلى وهج الأولمبياد.. كرنفال البندقية يك ...
- حكاية عاشقين ومدينة.. أفلام فلليني وآلن في حب روما
- في ذكرى أنجيلا كارتر: -شهرزاد- التي ضاعت في الطريق إلينا
- قبل عرض -حمدية - هيئة الإعلام تناقش المحددات الفنية والمهنية ...
- الفيلم الكوري -حتى لو اختفى هذا الحب من العالم الليلة-.. الق ...
- فنانون عالميون يقفون مع ألبانيزي: نرفض الضغط على من يكشف إبا ...
- جلود فاخرة وألوان جريئة.. هيفاء وهبي تتألق في كليبها الجديد ...
- بسبب غزة.. القضاء الإيرلندي يبدأ محاكمة فنانة عطلت طائرات أم ...


المزيد.....

- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت
- حرف العين الذي فقأ عيني / د. خالد زغريت
- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - الشهبي أحمد - زمن خارج القانون