|
|
الغولغوثا الكردية: خيانة الحليف الأمريكي في روجافا
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 11:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
6 شباط/فبراير 2026
في أعماق الشتاء السوري، حيث تتجمد الرياح فوق سهول الفرات، يتكشف فصل جديد من مأساة الكرد السوريين. روجافا، ذلك الإقليم الذي بناه الكرد بأيديهم وسط أنقاض الحرب الأهلية، يواجه اليوم تهديداً وجودياً. لم يكن الهجوم الذي شنته هيئة تحرير الشام في يناير 2026 مفاجئاً تماماً، لكنه كشف عن عمق الخيانة التي تعرض لها الكرد من حليفهم الأمريكي. كما لو كانت غولغوثا* كردية، حيث يُصلب الشعب على صليب المصالح الدولية، ويُترك ليواجه مصيره وحيداً. هذا ليس مجرد صراع عسكري؛ إنه قصة عن كيف يمكن للقوى العظمى أن تبني تحالفات هشة، ثم تتخلى عنها عند أول منحنى في طريق مصالحها.
يعود جذر الصراع إلى عام 2014، عندما شكلت الولايات المتحدة تحالفاً مع قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، التي يقودها الكرد، لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). كانت روجافا، أو غرب كردستان*، نموذجاً للإدارة الذاتية: مجتمع يعتمد على الديمقراطية المباشرة، مساواة الجنسين، والتعايش بين الأعراق. لكن هذا النموذج أزعج الجميع: دمشق رأته تهديداً للوحدة السورية، أنقرة إعتبرته إمتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK)، والولايات المتحدة إستخدمته كأداة مؤقتة. ومع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 على يد هيئة تحرير الشام (HTS) بقيادة أحمد الشرع (المعروف سابقاً بأبو محمد الجولاني)، تغيرت المعادلة. أصبحت HTS، الجماعة الجهادية السابقة، شريكاً مقبولاً للغرب، مقابل وعود بمكافحة داعش وإعادة توحيد سوريا.
في مقال نشره موقع "ماركسي" في 24 يناير 2026، يصف الكاتب فيكتور موراي الوضع بقوله: "عندما سقط الأسد على يد هيئة تحرير الشام في أواخر عام 2024، سارع الإمبرياليون في الغرب إلى طمأنة العالم بأن النظام الجديد، بقيادة أبو محمد الجولاني، ليس إلا إسلامياً معتدلاً ". يضيف موراي أن هذا النظام، رغم إدعاءاته بالإعتدال، إرتكب مجازر بحق الأقليات مثل العلويين في مارس 2025 والدروز بعد أشهر، مشيراً إلى أن "حكمه يهدد بتفكيك سوريا وإدخالها في دوامة مروعة من العنف الطائفي". هذا التحليل يعكس كيف تحولت هيئة تحرير الشام من تنظيم إرهابي إلى "حكومة إنتقالية"، مدعومة من تركيا والولايات المتحدة، التي رأت فيها فرصة للإنسحاب دون فقدان السيطرة على المنطقة.
بدأ الهجوم في 13 يناير 2026، عندما شنت القوات السورية التابعة للحكومة الإنتقالية هجوماً على أراضي الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا. سيطرت هيئة تحرير الشام بسرعة على الرقة ودير الزور، مستفيدة من إنشقاق قبائل عربية كانت مدعومة أمريكياً. في تقرير نشرته وكالة أنباء فرات (ANF) في 27 يناير 2026، يقول قائد قوات الدفاع الشعبي مراد قره يلان: "من الواضح أن هذه مؤامرة وخطة كبيرة... الهجمات التي شنتها مرتزقة هيئة تحرير الشام والدولة التركية إنطلاقاً من حلب ليست عادية ". يضيف قره يلان أن الهجوم إنطلق من حلب في 6 يناير، مشيراً إلى أنه "موجة هجمات واسعة ضد الشعب الكردي"، مدعومة بمؤامرة دولية تشمل تركيا والولايات المتحدة.
الإنسحاب الأمريكي كان الضربة القاضية. في يونيو 2025، بدأت واشنطن بسحب قواتها تدريجياً، كما أفادت صحيفة وول ستريت جورنال في تقريرها يوم 22 يناير 2026، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين: "يدرس البيت الأبيض إنسحاباً كاملاً للقوات الأمريكية من سوريا... بعد إنهيار شبه كامل لقوات سوريا الديمقراطية". يشير التقرير إلى أن الهجوم الحكومي السريع أدى إلى تراجع SDF، مع ضغط دمشق لتفكيكها. هذا الإنسحاب لم يكن مفاجئاً؛ فقد أعلن الرئيس دونالد ترامب في إدارته الثانية أن سوريا أصبحت "مجال نفوذ تركي"، كما ورد في مقال على موقع ويكيبيديا المحدث في 3 فبراير 2026 عن "هجوم شمال شرق سوريا 2026"، حيث يُذكر أن "الإدارة الثانية لدونالد ترامب التي بدأت في يناير 2025 رأت في سوريا منطقة نفوذ تركية، مما دفع ترامب لتجديد دفعه لسحب القوات الأمريكية".
في هذا السياق، أصبحت روجافا محاصرة. مدينة كوباني، الرمز التاريخي للمقاومة الكردية ضد داعش في 2014، تعرضت لحصار جديد. في مقال نشرته "القدس العربي" في 25 يناير 2026، يكتب الكاتب: "يبدو اليوم أن مشروع تقرير مصير الأكراد في سوريا يوشك على الإنهيار... قوات الحكومة السورية تقدمت بسرعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد، ودفعت قسد إلى التراجع المستمر". يشير المقال إلى وقف إطلاق نار منح الأكراد مهلة أربعة أيام لدمج مؤسساتهم في الدولة، لكن SDF طلبت تمديدها، وسط مخاوف من "نهاية الإدارة الذاتية المعروفة باسم روج آفا".
الدور التركي لا يقل خطورة. أنقرة، التي ترى في الكرد تهديداً أمنياً، دعمت هيئة تحرير الشام عسكرياً وسياسياً. في تغريدة على X في 20 يناير 2026، يقول الناشط الكردي إسلام زيباري: "أصدر السيد حسين يزدان، رئيس حزب الحرية الكردستاني... بياناً أعلن فيه أن قيادة جيش كردستان التابعة لحزبه ستباشر الدخول إلى روجافا للدفاع عنها". يضيف يزدان في بيانه: "سقوط وإحتلال روج آفا لا يعني فقط تهيئة الظروف لإبادة الكرد، بل يضع الأمن القومي الكردي أمام خطر حقيقي ومصيري". هذا النداء يعكس اليأس الكردي، حيث يلجأون إلى تعبئة عامة، كما في فيديو نشره الناشط دلشاد جويش على X في 20 يناير 2026، يظهر عناصر مسلحين يطلقون الرصاص على شباب كردي يحاولون عبور الحدود نحو روجافا.
مع ذلك، لم يكن الكرد أبرياء تماماً من الأخطاء. إعتمدوا على الولايات المتحدة، رغم تاريخها في التخلي عن الحلفاء، كما حدث في 2019. في مقال على موقع "بيبلز ديسباتش" في 20 يناير 2026، يكتب الكاتب: "الولايات المتحدة بدأت الإنسحاب، والكرد السوريون بدأوا يعبرون عن يأسهم... الإنهيار في روجافا لم يكن مجرد فشل ثورة محلية، بل هزيمة رهان سياسي: أن اللامركزية والدفاع الذاتي المسلح يمكن أن يعتمدا على دعم الولايات المتحدة". يضيف أن "الكرد أصبحوا أداة مؤقتة، ثم تم التخلي عنهم لصالح نظام موحد تحت سيطرة هيئة تحرير الشام".
في النهاية، تكشف هذه الأزمة عن هشاشة التحالفات في الشرق الأوسط. الكرد، الذين هزموا داعش نيابة عن العالم، يدفعون اليوم ثمن الثقة في حليف بعيد. كما يقول فيكتور موراي في مقاله: "النظام الإسلامي، بقيادة أحمد الشرع وبدعم من الغرب، شن هجوماً على شمال شرق البلاد، وفرض حصاراً على مدينة كوباني". هل تنتهي روجافا كما بدأت، في مقاومة بطولية؟ أم أنها فصل آخر في تاريخ الشعوب المضطهدة؟ الإجابة تكمن في صمود الكرد، لكن الدرس واضح: في عالم المصالح، لا يوجد حلفاء دائمون.
*****
هوامش
1) الغولغوثا الكردية هو تعبير رمزي يُستخدم لوصف المأساة الكبرى والخيانة التي تعرض لها الكرد في روجافا (شمال شرق سوريا) في 2025-2026، حيث تخلت الولايات المتحدة عنهم فجأة، فإنهارت دفاعاتهم أمام هجوم هيئة تحرير الشام وتم تسليم مناطقهم بعد سنوات من التحالف والتضحيات.
2) مكان غولغوثا التاريخي (بالآرامية:، وتعني «مكان الجمجمة» أو «الجمجمة») هو الموقع الذي يُعتقد – وفق التقاليد المسيحية – أنه المكان الذي صُلب فيه يسوع المسيح حسب روايات الأناجيل (متى 27:33، مرقس 15:22، يوحنا 19:17). التفاصيل الرئيسية: - الموقع الحالي المقبول تقليدياً: داخل كنيسة القيامة (Church of the Holy Sepulchre) في الحي المسيحيبالبلدة القديمة في القدس. الكنيسة تحتوي على جزئين أساسيين: - جلجثة / غولغوثا (Calvary): صخرة مرتفعة داخل الكنيسة، يصل إليها الزائر عبر درج من المدخل الرئيسي. توجد هناك مذابح مزخرفة بشكل فاخر، ويُظهر جزء من الصخرة الأصلية تحت المذبح. - القبر: على بعد أمتار قليلة فقط، وهو المكان الذي يُعتقد أن يسوع دُفن فيه وقام من الموت.
- تاريخ التعيين: في القرن الرابع الميلادي (حوالي 326–335 م)، حددت الملكة هيلانة (والدة الإمبراطور قسطنطين الكبير) هذا الموقع، وبُنيت الكنيسة فوقه. دُمرت الكنيسة عدة مرات (أبرزها عام 1009 م على يد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله)، ثم أُعيد بناؤها وترميمها مرات عديدة حتى الشكل الحالي.
- الوصف في زمن يسوع: كان المكان خارج أسوار مدينة القدس في تلك الفترة (حسب الشريعة اليهودية والرومانية التي تمنع الإعدام داخل المدينة). يُوصف غالباً بأنه: - محجر حجارة قديم مهجور (stone quarry). - منطقة مرتفعة نسبياً تشبه شكل جمجمة بشرية من بعض الزوايا (وهو ما أعطى الاسم). - قريب من طريق عام ومن حديقة تحتوي على قبور منحوتة في الصخر (كما في إنجيل يوحنا 19:41).
اليوم، تُعد كنيسة القيامة أقدس مكان مسيحي في العالم، ويزورها ملايين الحجاج سنوياً لرؤية «صخرة الجلجثة» والقبر المقدس.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إيران 1953: الجرح الذي لم يلتئم — عندما أُطيح بالديمقراطية ب
...
-
«الناتو الإسلامي» في مواجهة المحور الإسرائيلي–الهندي
-
هل تقترب الضربة؟ أربع سيناريوهات «للحرب الأميركية الجديدة» ع
...
-
إسرائيل كضحية محتملة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط
-
هل تقترب لحظة الصدام؟ الإستراتيجية الأمريكية تجاه إيران بين
...
-
من روجافا إلى الجولان: ما الذي باعه الشرع لواشنطن؟
-
بيريسليغين: الحسم ليس في دونباس… بل في أوديسا حيث تُكسر أوكر
...
-
إيران في قلب الصراع على النظام العالمي: هل تضرب واشنطن الصين
...
-
الصين عند مفترق “1937”: التطهيرات العسكرية بين إعادة الضبط ا
...
-
«غزة الجديدة»… حين يرتدي المشروع الإستعماري بدلة إستثمارية أ
...
-
ستستخدم روسيا الأسلحة النووية ضد ألمانيا وبريطانيا إذا إستمر
...
-
الشمال السوري بعد النفط: كيف تغيّر واشنطن قواعد اللعبة وتُعا
...
-
قبل أن تُطلق الصواريخ… يبدأ الإضطراب
-
ألكسندر دوغين عن المسيح الدجال 2.0: رؤية بيتر ثيل التنبؤية
-
ريتشارد هاس وإيران: واشنطن تفكر بتأن وتل أبيب في عجلة من أمر
...
-
ألكسندر دوغين: الغرب الواحد لم يعد موجوداً (برنامج إيسكالاتس
...
-
مصر بعد مبارك: من زلزال الثورة إلى معادلة الإستقرار القَلِق
...
-
ألكسندر دوغين - إحتجاجات إيران 2026: فتنة مدفوعة من الخارج
-
طوفان الأقصى 840 - «مجلس السلام»: حين يُعاد تعريف السلام خار
...
-
ألكسندر دوغين حول مجلس السلام - التحديات والرد المطلوب من رو
...
المزيد.....
-
شاهد.. سنوب دوغ يشارك في حمل الشعلة الأولمبية في إيطاليا
-
مصور الحياة البرية لعام 2026.. إليكم الصور المرشحة لجائزة اخ
...
-
غزة: عدّاد الضحايا مستمرّ في الارتفاع رغم الهدنة.. وتحرك دول
...
-
فلسطين في الصدارة.. انطلاق أعمال منتدى الجزيرة غدا
-
العالم يدخل -عصر الإفلاس المائي-.. هل من حلول أممية؟
-
بمحاولة لإطالة عمره.. رسائل تكشف ما فعله إبستين على ما يبدو
...
-
مكعبات الثلج على البشرة..صيحة فعّالة أم خدعة مؤقتة؟
-
قبل انطلاق محادثات إيران.. الجيش الأمريكي ينشر فيديو فاصل زم
...
-
أربعة ملفات خلافية في المفاوضات الإيرانية الأمريكية
-
الألعاب الأولمبية الشتوية -كورتينا: نجوم يتوقون للذهب فوق ال
...
المزيد.....
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
المزيد.....
|