أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين: الغرب الواحد لم يعد موجوداً (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)















المزيد.....


ألكسندر دوغين: الغرب الواحد لم يعد موجوداً (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 15:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألكسندر دوغين
فيلسوف روسي معاصر


إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف


25 كانون الثاني/يناير 2026


سؤال - مع بداية عام 2026، أتت الأعياد بأخبار تذكِّرنا بصفقات تاريخية كبرى. يتحدث الإعلام الآن بكثرة عن مبادرة دونالد ترامب لشراء غرينلاند، مقارنين إياها بشراء ألاسكا. يقولون إن نجاح ترامب في ضم الجزيرة سيضعه في مصاف أعظم رؤساء أمريكا. ما رأيكم، هل يُعدّ ضم غرينلاند هدفاً رئيسياً لترامب، يسعى من خلاله لخلود إسمه في التاريخ؟

جواب - أعتقد أن لدى ترامب بالتأكيد هذا الهدف، لكنه ليس الهدف الأكبر بالنسبة له. نحن نشهد اليوم تغييراً جذرياً في بنية العالم بأكمله. في تاريخ الولايات المتحدة، إلى جانب شراء ألاسكا، كان هناك شراء لويزيانا من فرنسا، وحرب مع المكسيك أدت إلى ضم ثلثي أراضيها. التوسع في مناطق النفوذ هو ثابت أمريكي دائم.

اليوم، يعلن ترامب «مبدأ مونرو» بصيغته الجديدة، مؤكداً أن الولايات المتحدة هي الحاكم الوحيد في النصف الغربي من الكرة الأرضية. رأينا ذلك في فنزويلا: إختطاف مادورو وإخضاع البلاد دون إطلاق رصاصة واحدة تقريباً. الآن يتصرف الأمريكيون هناك كأنهم في بيوتهم، وترامب يكتب على وسائل التواصل أنه «الرئيس الفعلي للأرجنتين». في هذا السياق، غرينلاند إمتداد جغرافي طبيعي للقارة الأمريكية الشمالية.

لكن ترامب لن يتوقف هنا. رئيس وزراء كندا الحالي يستعد فعلياً للحرب مع الولايات المتحدة — وعلى كندا أن تكون جاهزة لدورها التالي. أعتقد أن ترامب سيحقق مراده مع غرينلاند وكندا. أما أمريكا الجنوبية فقد يواجه بعض الصعوبات، لكن ضم كندا سيمرره العالم بسهولة. البعض يقول إننا لم نحظَ برئيس كهذا، وآخرون يرون أنه فعلاً جعل أمريكا عظيمة من جديد.

أزمة غرينلاند تكشف حقيقة جوهرية: الغرب الواحد لم يعد موجوداً. لم يعد هناك غرب متحد. قد يحارب ضدنا أو ضد إيران أو فنزويلا، لكنه الآن مستعد للحرب في الداخل. رأينا محاولات الإتحاد الأوروبي البائسة إرسال بعض الجنود إلى غرينلاند «لحمايتها» من تهديد روسي وصيني وهمي. لكن ما إن وضع ترامب إنذاراً بالرسوم الجمركية حتى سحب فريدريك ميرتس قواته على الفور.

ترامب يقول للأوروبيين بصراحة: «أنتم تابعون لي، إفعلوا ما آمركم به». إذا قال: تصالحوا مع الروس، يتصالحوا. إذا قال: سلموا غرينلاند، فيسلموها. إذا قال: إدعموا نتنياهو، دعموه. القيادة العالمية الأمريكية خلقت لعقود وهم أن أوروبا شريك له صوت. اليوم تبددت هذه الأوهام. ترامب يقول لهم بوضوح: «أنتم لا شيء، مجرد موظفين مستأجرين أو عمال مهاجرين. إذا أخذت غرينلاند، يجب أن تقولوا: يا أبي العزيز ترامب، خذها بسرعة، أنقذنا من الروس والصينيين الشريرين بغواصاتهم». هكذا أصبح العالم: ترامب يضرب بقبضته على الطاولة، وأوروبا التي كانت تحاول حماية غرينلاند من أمريكا تستسلم سريعاً.

ترامب مستعد لحل حلف الناتو، فالناتو يتكون بنسبة 95% من موارد أمريكية. ما يحدث اليوم ليس مجرد إذلال هائل لأوروبا (رغم أن العواطف ستزول)، بل هو نهاية الغرب الجماعي القديم. أزمة غرينلاند أصبحت ورقة إختبار كشفت صورة فريدة: الكتلة المتحدة التي حاربناها قبل عام إنقسمت إلى خمسة أقطاب مختلفة.

1) الغرب الأول: ترامب نفسه. يقول: «أنا الغرب، والباقون مجرد ديكور». يتصرف ك كاوبوي مستعد لقصف الجميع، أعداء وأصدقاء، لا يعترف بسيادة أحد سوى رئيس الولايات المتحدة.

2) الغرب الثاني: الإتحاد الأوروبي. اكتشف فجأة أنه لم يعد حتى «شريكاً أصغر». سُلب منه الفعل السياسي، وأُخصي سياسياً. بالنسبة للنخب الأوروبية التي إعتادت أن تُقبل على الأقل شكلياً في «نادي الرجال»، هذه صدمة مطلقة. قيل لهم بوضوح: رأيكم حول أوكرانيا أو غرينلاند لا يهم أحداً.

3) الغرب الثالث: بريطانيا. تقع في موقف غريب: قريبة من أمريكا، لكنها وقعت ضحية رسوم ترامب بسبب إنتقادها صفقة غرينلاند. بعد البريكست لم تعد قائدة الإتحاد الأوروبي، ولا هي دمية أمريكية تماماً. إنها لاعب مستقل.

4) الغرب الرابع: بقايا العولميين. «الدولة العميقة» في أمريكا والديمقراطيون الذين ينظرون إلى ترامب برعب، مدركين أنهم التالون في التصفية. لا يزالون أقوياء في هياكل الإتحاد الأوروبي وبريطانيا، يرددون عن الهيمنة العالمية بينما الأرض تتزعزع تحتهم. حتى ماكرون بدأ يتحدث عن الخروج من الناتو، وميرتس يفكر في التقارب مع روسيا بعد إدراكه حجم الخسائر.

5) الغرب الخامس: إسرائيل. دولة صغيرة تتصرف كمركز العالم. نتنياهو يبني «إسرائيل الكبرى» بطرق قاسية جداً، ويجبر الجميع على مساعدته. تبين أن إسرائيل ليست مجرد حصن للغرب، بل قوة تسيطر على أمريكا إلى حد كبير عبر شبكاتها الموالية.

بدلاً من عدو واحد، أصبح أمامنا خمسة أقطاب غربية مختلفة. تتشتت أنظارنا: مع من نعقد الصفقات؟ من هو السيد الحقيقي هنا، ومن يتظاهر فقط؟ هذا التشرذم إلى خمسة أجزاء هو النتيجة الرئيسية للأزمة الحالية.

سؤال - أحد المستمعين يسأل: ما سبب تغير تكتيك ترامب الحاد بعد رأس السنة؟ فنزويلا، غرينلاند، إحتجاز ناقلات النفط — لماذا نرى هذا النشاط السريع للرئيس الأمريكي؟»

جواب - أولاً، أعتقد أن ترامب واجه معارضة داخلية شرسة في أمريكا نفسها، وهو بحاجة ماسة لتعزيز موقفه بإنتصارات خارجية. إنتخبوه ليُعيد النظام داخل البلاد، لكن ذلك يصعب عليه كثيراً. تبين أن معظم الجهاز القضائي تحت سيطرة سوروس: «القضاة النشطاء» يحكمون وفق أيديولوجيا ليبرالية ضد ترامب دائماً.

هذا أعاق كل العمليات الداخلية. بدأت إحتجاجات ضد الجمارك تتحول إلى إشتباكات دامية. كثير من الحكام المحليين يعرقلون أوامره بفعالية. ترامب بدأ يتعثر داخلياً: قائمة إبستين لم تُنشر كاملة، وتراكمت ضده مطالب مشروعة. أدرك أنه قد يقضي ثلاث سنوات يصارع هؤلاء الليبراليين الفاسدين دون تقدم، وأمامه إنتخابات منتصف الولاية 2026 التي قد يخسرها.

أعتقد أن مستشاريه الإجتماعيين والإعلاميين نصحوه: الموارد الداخلية أستنفدت، يحتاج إلى إنجاز خارجي كبير. شيء يضمه، أو يخطفه، أو يهزمه، أو يخيفه، أو يذله. هكذا يكتسب أوراقاً قوية داخلياً. ترامب يعرف أن الوقت ينفد — بيولوجياً ورئاسياً. قرر أن 2026 خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

ضم غرينلاند، بدء حرب فعلية مع كندا، حل الناتو، تفكيك الأمم المتحدة — كلها بنود في إعادة تقسيم العالم. في هذا السياق، يتراجع أعداؤه الداخليون. من الصعب إسقاط رئيس أضاف لأمريكا أراضي هائلة وأعاد لها هيبة الرعب. بعد بايدن، بدأ العالم يسخر من أمريكا، لكن ترامب ذكّرهم أنه «المجنون المتسلط» القادر على ضرب أي هدف في أي لحظة.

إرتعد العالم. نحن بالطبع لسنا سذجاً ومستعدون للتحديات، لكن يجب أن نفهم: هذا ليس النظام العالمي الليبرالي الآفل، بل شيء آخر تماماً. ترامب يستخدم أي وسيلة: غير أخلاقية وغير قانونية. يعلن صراحة أن القانون الدولي إنتهى، وهو وحده من يقرر ما هو أخلاقي.

الكاوبوي قال — والكاوبوي فعل. إقتحم السياسة العالمية كما يقتحم بار في الغرب المتوحش، أطلق النار على خصومه وأعلن نفسه شريفاً. ترامب هو تجسيد هذا «الغرب المتوحش» بكل ما فيه من صفات مقززة وجذابة لبعضهم. إذا كانت أوروبا اليوم «دار مسنين» هرمة كما في رواية «الجبل السحري» لتوماس مان، حيث يعيش العجزة على حساب العمال المهاجرين، فإن ترامب قوة شابة مفترسة عدوانية. تحوله إلى سياسة خارجية نشطة عقلاني تماماً.

سؤال - على المستوى الرسمي، بدأت تظهر تنبؤات مهمة. المبعوث الخاص للرئيس كيريل دميترييف أشار إلى أن أوروبا قد تبدأ، في ظل تصعيد ترامب، بالتوجه نحو حوار مع روسيا. ما مدى واقعية هذا السيناريو مع الحكومات الحالية في «الأجزاء الخمسة» من الغرب التي ذكرتها؟ فمن الناحية الجيوسياسية والجغرافية، يبدو الأمر مفيداً لأوروبا الآن.

جواب - لو تحدثنا قبل عام أو عام ونصف — بل قبل أشهر قليلة — عن أن أمريكا ستطرح جدياً ضم غرينلاند، لأعتبر ذلك خيالاً بعيداً حتى لدى أكثر المفكرين جرأة. تخيل أن أوروبا تجمع قوات لتحارب أمريكا من أجل غرينلاند، ثم تتراجع في أقل من أسبوع — كان ذلك مستحيلاً حتى الخريف الماضي. كنا لا نزال نعتقد أن لأوروبا بعض السيادة.

اليوم، وجد الأوروبيون أنفسهم في ظروف صادمة جديدة. كانوا يستطيعون سابقاً الجدال مع ترامب في تفاصيل دعم كييف. بالنسبة لترامب، هذا ليس أساسياً: صورته «صانع السلام» كانت مجرد ستار. ليس عبثاً أنه أعاد تسمية البنتاغون إلى «وزارة الحرب» — هذا يقول كل شيء. لا يهمه السلام الحقيقي ولا الهدنة في أوكرانيا. يحل مشكلاته الأمريكية البحتة.

قال ترامب للأوروبيين: «أبرموا هدنة سريعة مع الروس وفق الشروط التي إتفقت عليها أنا مع بوتين في أنكوراج». ردت أوروبا بكبرياء: «نحن تحالف الراغبين، سندعم أوكرانيا بدونكم». فرد ترامب: «إفعلوا، لكن ضعوا غرينلاند على الطاولة وكونوا مسؤولين عن أنفسكم». وجدت أوروبا نفسها في هذا الموقف فجأة وبدون إستعداد. الآن هناك ذعر عام.

حقيقة أن ماكرون بدأ يتحدث عن الخروج من الناتو، وفريدريك ميرتس يتأرجح بين الإعتراف بإنهيار الإقتصاد الألماني بسبب قطع العلاقات مع روسيا وبين التصفيق لواشنطن — هذه هستيريا كلاسيكية. الإتحاد الأوروبي في حالة ذعر. قادته الحاليون بقايا النظام القديم: أناس سوروس، منتدى دافوس، مؤمنون بنموذج فوكوياما الذي انهار نهائياً.

في هذه النزاع، قد يقترحون أي سيناريو، حتى الأكثر خيالية: «لماذا لا نعتمد على روسيا؟ لماذا لا نراجع علاقاتنا مع بوتين؟» مدى جدية ذلك سؤال كبير. يبدو التوجه نحو روسيا غير محتمل الآن، لكن في ظل إعادة تقسيم العالم الذي بدأه ترامب، لا يمكن إستبعاد أي شيء.

سؤال - لنبتعد قليلاً عن ترامب: نتحدث الآن عن مبادرته بإنشاء «مجلس السلام» لإدارة قطاع غزة. وصلتنا للتو أنباء: أكد المتحدث باسم الرئيس الروسي أن دونالد ترامب دعا فلاديمير بوتين للإنضمام إلى هذا المجلس. ما مهمة هذا الجهاز، وما مدى فعاليته في الظروف الحالية؟

جواب - أعتقد أن ترامب، بعد أن شمر عن ساعديه، إنتقل فعلاً إلى إعادة رسم الخريطة السياسية للعالم بشكل جذري. القانون الدولي، الذي تجسد في الأمم المتحدة، كان يعكس توازن القوى قبل قرن تقريباً — عالم ثنائي القطبية حيث كان الحوار بين قوتين عظميين، والباقون مجرد جمهور. بعد إنتحار الإتحاد السوفياتي جيوسياسياً، إنتهى هذه النظام فعلياً. الأمريكيون طرحوا مراراً حل الأمم المتحدة وإستبدالها بـ«رابطة الديمقراطيات» حيث يحل مونولوج أمريكي بدلاً من الحوار.

اليوم، إنقسم الغرب الجماعي إلى خمسة تكتلات كما ذكرنا. لكل منها برنامجه، لكن يبرز خصوصاً ثنائي ترامب-نتنياهو. الأخير يعلن نفسه «ملك اليهود» أكثر فأكثر، محققاً مشروع «إسرائيل الكبرى» بأساليب قاسية. أفكار إبادة الفلسطينيين وتوسيع الحدود من البحر إلى البحر، المذكورة في نصوص متطرفة مثل «توراة الملوك»، لم تعد نظريات مؤامرة — بل تتجلى في رموز الجيش الإسرائيلي نفسه.

ترامب، كصهيوني مسيحي خاص، يملّ من المؤسسات القديمة. يحتاج إلى هياكل جديدة، فيبدأ بتشكيل «مجلس السلام» حول المنطقة التي تشكل مركزاً في جيوسياسيته الإسخاتولوجية: إسرائيل وغزة. يريد ترامب مؤسسة لا تضم ناشطين عالميين مثل غريتا ثونبرغ بأساطيلها، بل من لا يعارض صديقه نتنياهو. هذا نموذج أحادي القطبية جديد، لكنه في صيغة «صوفية» جديدة.

أما دعوة فلاديمير بوتين إلى هذا المجلس، فالمعلومات تحتاج إلى تأكيد. إذا فعل ترامب ذلك، فهو يعتقد خطأً أن موقفنا من إسرائيل ألين من موقف العولميين الغربيين. نحن ندين بوضوح الإبادة في غزة ونعتبر أساليب نتنياهو غير مقبولة مطلقاً. ترامب يأمل في إحاطة نفسه بمن يثق بهم، لكن في مأساة فلسطين، آراؤنا تتعارض مع رؤيته لـ«النظام الجديد».

سؤال - هذا ما أكده دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئيس، رسمياً: الدعوة وصلت فعلاً إلى فلاديمير بوتين.

جواب - إذن، من الواضح أن ترامب يثق بنا ويعتقد أننا سندعم مبادرته. كما أنه مقتنع بأن من إستبعدهم عمداً سيعارضون. هذه الدعوة تندرج في نفس السياق مع قصة غرينلاند. نحن لا نفرح بصفقة شراء الجزيرة، لكن غرينلاند تهمنا أقل بكثير من فنزويلا أو إيران أو أوكرانيا. الأوروبيون يدركون جيداً: إذا ضم ترامب غرينلاند، سينسون أوكرانيا فوراً — لن يكون هناك وقت لها. عندها يستطيع فرض أي حل للهدنة بشروطه.

صورة ترامب كمعارض للتدخلات كانت مجرد ضباب سياسي. وعد بأن يكون «رئيس السلام»، لكنه يغزو حيث يشاء، يهدد الجميع بالحرب، ويحول وزارة الدفاع إلى «وزارة الهجوم» أو الحرب. السلام بالنسبة له مجرد لافتة. لا يؤمن به جدياً. هدفه الحقيقي: تعزيز الهيمنة الأمريكية على حساب الجميع — علينا، وعلى الصين، وعلى أوروبا كما تبين.

يرى ترامب أوروبا كمصدر إزعاج مقيت، كفرع متمرد في سلسلة متاجره يروج بضاعته الخاصة. عصيانهم يغيظه أكثر من موقفنا الهادئ والسيادي والمتباعد. نحن لا نستفز، نتصرف بثبات: ما نعلنه نفعله، وما نفعله نوضحه بكلمات مفهومة له. هذا لا يجعله صديقنا — فهو صديق نفسه فقط. لست متأكداً حتى أنه صديق للشعب الأمريكي، فقد تنتهي سياسته بكارثة. إنه مقامر يراهن بكل شيء: ممتلكاته وعائلته ومستقبله. أحياناً يفوز هؤلاء، لكنهم غالباً يخسرون كل شيء دفعة واحدة.

ترامب مقامر جريء وضع كل شيء على الطاولة. الرهانات في هذه اللعبة الكبرى وصلت إلى أقصاها. خطواته مفاجئة: دعوة روسيا إلى مجلس غزة ربما لإغاظة الإتحاد الأوروبي. يقول لهم: «أنظروا ما أستطيع فعله». بالنسبة للعولميين الذين وصفوه في عهده الأول بـ«عميل الكرملين»، هذه الدعوة كابوس حي. «صديق بوتين» دعا «صديقه» — بالنسبة لهم نهاية العالم القديم.

لكن توقع سلام حقيقي في فلسطين صعب: مصير الشعب الفلسطيني بين أيدي من يمكن وصفهم بالجلادين والمجانين. روسيا لا تملك الآن القدرة على فرض شروطها بقوة في المنطقة دون إغضاب ترامب كما أغضب أوروبا. هذه الدعوة عرض سننظر فيه بمسؤولية كبيرة. لا نريد هدايا. سنرى إن كانت الصين ودول بريكس الأخرى ستدخل هذا المجلس — هذا هو فهمنا للنظام متعدد الأقطاب: بديل عن الأمم المتحدة وعن العولمة.

العالم اليوم ليس صورة أبيض وأسود، بل «فلسفة التعقيد» كما قال الرئيس في فالداي. نحن في حالة ميكانيكا كمومية * في السياسة الدولية. الميكانيكا الكلاسيكية بإنحدارها وحساباتها لسقوط النووي إنتهت. الآن تسود قوانين الموجات. عمليات تراكب معقدة تنهار فجأة إلى دولة قومية: هنا رئيس وزراء يتكلم باسم بلده، وفي اللحظة التالية تعود كلها موجات شبكية * لا نعرف أين يبدأ أحدها وينتهي الآخر.

أدرس يومياً تقارير أبرز مراكز التحليل العالمية، وأشعر أن لا أحد يفهم ما يحدث بوضوح. كل يصف كونه الخاص بثوابته. نحتاج فكراً جديداً تماماً في السياسة الدولية.

دعوة إلى «نادي السلام» من دولة نحاربها فعلياً في أوكرانيا، بينما ندين عدوان حليفها إسرائيل — هذا تناقض يجب وضعه في سياقه الصحيح.

الخرائط القديمة بالخطوط الحمراء لم تعد تعمل. كما يقول سيرغي كاراغانوف*، حتى السلاح النووي لم يعد رادعاً بالمعنى التقليدي — الآن يطرح سؤال إستخدامهُ المباشر. نحن في إنتقال طوري: الماء في القدر إما غلى بالفعل أو على وشك الغليان. هذا الإنتقال الإحتمالي، الموصوف بمعادلات نافييه-ستوكس* ونظرية الكسور*، إنتقل اليوم كلياً إلى السياسة العالمية. حان الوقت لمحللينا أن يتركوا القوالب الإنسانية القديمة ويلجأوا إلى فيزياء جديدة ونظرية الهياكل الفائقة*.

سؤال - ذكرتَ المسار الأوكراني، ومن المثير للإهتمام جداً موقعه في السياق الحالي. الآن، حسب ما تنشره وسائل الإعلام الغربية، يعيد السياسيون الأوروبيون صياغة خططهم تجاه أوكرانيا على عجل: النقاط التي كانوا ينوون طرحها في منتدى دافوس تُرمى في سلة المهملات، ويتحول كل التركيز إلى غرينلاند. ما رأيك: هل من الممكن أن تبدأ الولايات المتحدة، بل وحتى أوروبا، بالإبتعاد تدريجياً عن الأحداث الأوكرانية، مما يسمح لنا فعلياً بإنهاء هذا الصراع وجهاً لوجه مع كييف وحدها؟

جواب - هذا سيكون السيناريو الأمثل، لكنني أخشى أن لا أحد سيمنحنا هذه الرفاهية. مع ذلك، أنا مقتنع تماماً: أيام زيلينسكي معدودة. سيتم «إلغاؤه» بالتأكيد. ليس بالضرورة أن يحل محله زالوجني — قد يُوضع شخص آخر مكانه. لكن لا ينبغي أن نغرق في الأوهام: ترامب نفسه غير مستعد لتسليمنا أوكرانيا. بل على العكس، وجود بؤرة صراع كهذه على حدودنا مباشرة يصب في مصلحته: إنها رافعة ضغط كلاسيكية (leverage) يستخدمها للسيطرة علينا.

ترامب لن يتخلى عن أوكرانيا طواعية. الخطة التي يقترحها زاعماً أنها تلبي شروطنا، ليست سوى محاولة لتجميد الصراع. ينوون إعادة ترتيب أوراقهم وإنشاء مركز ردع ضدنا «تحسباً لأي طارئ». لا أعتقد أن ترامب يرانا أعداء وجوديين، لكنه بالتأكيد لا يريد تعزيز قوتنا. إنه يدرك أن هزيمة روسيا مستحيلة، لكنه في الوقت نفسه لا ينوي مساعدتنا على النمو. على العكس، هدفه إضعافنا. لذا لا ينبغي أن نعول على عطفه.

بل على العكس، سيواصل ترامب الضغط عبر العقوبات، وربما يصل الأمر إلى إستفزازات عسكرية. ترامب ليس صديقاً لنا على الإطلاق. ورغم أن خصومه يصفونه بـ«صديق بوتين»، فهذا في الواقع غير صحيح. هو وحده، يدافع عن مصالحه الخاصة فقط. حتى في أكثر نسخ إستراتيجيته جرأة، لا توجد فكرة تسليم أوكرانيا لروسيا. إنتصار روسي حاسم لا يدخل في حساباته، وبالتالي سيظل يقف في وجهنا.

للأسف الشديد، علينا الإعتماد فقط على قوتنا الذاتية. يجب أن نستغل كل فرصة سانحة: التذبذبات أثناء إنتقال الرئاسة في أمريكا، الخلافات داخل أوروبا، فضائح الفساد التي تهز أوكرانيا، وتحول إنتباه الغرب إلى غرينلاند. كل هذه عوامل ينبغي أخذها في الحسبان. ليس أمامنا خيار آخر سوى العمل بسيادة تامة، وفق مصالحنا الخاصة وإستراتيجيتنا الذاتية.

نحتاج إلى إستراتيجية أكثر جرأة بكثير مما نتبعها الآن: سيادية، نشطة، سريعة وفعالة. إذا شئت، يجب أن تكون «مجنونة» على الطريقة الروسية، لأننا اليوم نتصرف بعقلانية مفرطة وطيبة زائدة.


*****

هوامش

1) الميكانيكا الكمومية
(Quantum Mechanics)
هي فرع الفيزياء الذي يصف سلوك المادة والطاقة على المقاييس الذرية والدون ذرية، حيث تتصرف الجسيمات كموجات وجسيمات في آن واحد (الثنائية الموجة-جسيم).
فيها تكون بعض الخصائص (مثل الموقع والزخم) غير محددة بدقة في نفس الوقت (مبدأ عدم اليقين لهيزنبرغ)، والأنظمة توجد في حالات تراكب (superposition) حتى يتم قياسها، مما يؤدي إلى انهيار دالة الموجة.

2) الموجات الشبكية (Network Waves) هي مفهوم مجازي يُستخدم في السياسة والعلوم الاجتماعية لوصف التدفقات والتفاعلات السريعة والمتشابكة في العالم المعاصر، حيث تتحرك الأفكار والمعلومات والتأثيرات عبر الشبكات الرقمية والاجتماعية كموجات لا مركزية، دون حدود واضحة أو مصدر واحد محدد.
في هذا السياق، تفقد الهياكل التقليدية (مثل الدول أو المؤسسات) سيطرتها الكاملة، وتصبح الأحداث نتيجة تفاعلات معقدة ومتداخلة تشبه الموجات التي تتراكب وتتداخل وتنهار فجأة إلى نتائج ملموسة، كما في الميكانيكا الكمومية.

3) معادلات نافييه-ستوكس (Navier-Stokes equations) هي مجموعة من المعادلات التفاضلية الجزئية غير الخطية التي تصف حركة السوائل اللزجة (مثل الماء والهواء) بدقة، وتشمل تأثير الضغط، واللزوجة، والقوى الخارجية (كالجاذبية).
تتكون من معادلة الاستمرارية (حفظ الكتلة) وثلاث معادلات للحركة (حفظ الزخم)، وتُعد من أهم المعادلات في ميكانيكا الموائع، لكن حلها الرياضي العام لا يزال غير معروف تماماً (مشكلة من مشكلات الألفية).

4) نظرية الكسور (Fractal Theory) هي فرع من الرياضيات يدرس الأشكال والأنماط الهندسية التي تتكرر على نفسها عند أي مستوى تكبير (التماثل الذاتي)، وتتميز بأبعاد كسرية غير صحيحة (مثل 1.26 أو 2.7).
تُستخدم لوصف الظواهر الطبيعية المعقدة والمتشابكة مثل السواحل المتعرجة، الغيوم، الجبال، أنماط الدماء في الأوردة، وحتى حركة الأسواق المالية أو تدفق السوائل المضطربة، حيث تظهر تعقيداً لا نهائياً في كل مقياس.

5) نظرية الهياكل الفائقة (Theory of Superstructures) هي مفهوم فلسفي-جيوسياسي حديث يُستخدم في الخطاب الروسي المعاصر (خاصة في أعمال ألكسندر دوغين وغيره) لوصف الهياكل العالمية الجديدة المعقدة والمتعددة الأبعاد التي تحل محل النظام الدولي التقليدي القائم على الدول القومية والمؤسسات الدولية القديمة.
تشير إلى ظهور "هياكل فائقة" غير مركزية ومتشابكة (شبكات، تحالفات، قوى غير حكومية، تكنولوجيا، أيديولوجيات) تتحكم في التدفقات العالمية (معلومات، اقتصاد، ثقافة، سياسة) وتتجاوز حدود الدول، مما يخلق نظاماً عالمياً جديداً يشبه "الكائنات الحية الفائقة" أو "الكيانات المتعددة الأقطاب" التي تتفاعل بطرق غير خطية وغير متوقعة.
6) سيرغي كاراغانوف
هو عالم سياسي روسي بارز، ومفكر جيوسياسي، وأستاذ في جامعة العلوم الوطنية للبحوث (HSE) في موسكو، ومدير سابق لمجلس السياسة الخارجية والدفاعية الروسي.
يُعرف بأفكاره الجريئة حول "الردع بالتصعيد" (escalation to de-escalate)
ودعوته لاستخدام السلاح النووي كأداة ردع في حالات معينة، ويُعتبر من أبرز منظري "العالم متعدد الأقطاب" والسياسة الخارجية الروسية المعاصرة.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مصر بعد مبارك: من زلزال الثورة إلى معادلة الإستقرار القَلِق ...
- ألكسندر دوغين - إحتجاجات إيران 2026: فتنة مدفوعة من الخارج
- طوفان الأقصى 840 - «مجلس السلام»: حين يُعاد تعريف السلام خار ...
- ألكسندر دوغين حول مجلس السلام - التحديات والرد المطلوب من رو ...
- ألكسندر دوغين يدلي بدلوه حول أحداث إيران
- خبر وتعليق - واشنطن تشخّص «مشكلة» الجيش الروسي… والخلل في ال ...
- طوفان الأقصى 838 - من القرن الإفريقي إلى غزة: لماذا ستصطدم ت ...
- طوفان الأقصى 837 - الأزمة الإيرانية: حين تصبح طهران خط الدفا ...
- طوفان الأقصى 836 - أندريه أريشيف: «إيران مضطرة لأن تستلهم تج ...
- تألقي، يا مدينة بطرس: ذكرى إختراق حصار لينينغراد في الذاكرة ...
- طوفان الأقصى 835 - أسباب تراجع ترامب عن ضرب إيران
- طوفان الأقصى 834 - من عدن إلى الرياض: إعادة خلط أوراق اليمن ...
- حين يختار الكبار الصمت - فرضيّة «الإنتظار الإستراتيجي» في مو ...
- طوفان الأقصى 833 - الشرق الأوسط الجديد بدأ يتشكل
- في ذكرى عيد ميلاده - عبد الناصر: الدولة، الكرامة، والهزيمة ا ...
- طوفان الأقصى 832 - إيران في مرآة الشارع الروسي: إحتجاج الداخ ...
- قليل من الإقتصاد - من بريتون وودز إلى جامايكا: كيف صُنِع عال ...
- طوفان الأقصى 831 - حين يصطدم المشروع الأميركي بالجدار الأورا ...
- قليل من الإقتصاد - إرتفاع نفط برنت… بين حسابات ترامب وإمتلاء ...
- طوفان الأقصى 830 - إيران على مفترق القيم والمصالح


المزيد.....




- مقاطع فيديو تكشف لحظات سبقت نزع عملاء فيدراليين لسلاح يُزعم ...
- مقبرة ضخمة توثق أهوال الحرب العالمية الثانية ويقول بعض الزوا ...
- شاهد.. سكان تكساس يقدمون المساعدة في دفع السيارات العالقة با ...
- بودكاستر أميركي يهاجم إدارة ترامب.. ما علاقة مداهمات الهجرة ...
- 10 سنوات على مقتل جوليو ريجيني في مصر: قضية الباحث الإيطالي ...
- هل يتجسس تيك توك على التطبيقات الأخرى؟
- الولايات المتحدة: حرمان الملايين من الكهرباء وإلغاء آلاف الر ...
- رئيس الوزراء السنغالي سيزور المغرب وسط توتر أشعلته أحداث نها ...
- التصعيد العسكري يهدد الانتخابات والسلام بدولة جنوب السودان
- حكومة جديدة في كوت ديفوار تحت شعار الاستمرارية


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين: الغرب الواحد لم يعد موجوداً (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)