أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - تألقي، يا مدينة بطرس: ذكرى إختراق حصار لينينغراد في الذاكرة الروسية الحية














المزيد.....

تألقي، يا مدينة بطرس: ذكرى إختراق حصار لينينغراد في الذاكرة الروسية الحية


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 13:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وإعداد د. زياد الزبيدي بتصرف


18 كانون الثاني/يناير 2026


في صباح يناير البارد من عام 2026، حيث يغطي الثلج شوارع سانت بطرسبرغ بطبقة بيضاء صامتة، يعود التاريخ ليروي قصته بصوت عميق ومؤثر. قبل يوم واحد فقط، في 17 يناير 2026، نشر فلاديمير روداكوف، رئيس تحرير مجلة «إيستوريك» الروسية الرصينة، منشوراً عاطفياً على منصة إكس تحت حساب @istorikrf، بعنوان مستوحى من أبيات بوشكين الخالدة: «تألقي، يا مدينة بطرس!». هذا النص، الذي كتبه روداكوف خصيصاً لقناة RT، ليس مجرد إستعادة تاريخية؛ إنه شهادة حية على صمود شعب، وتذكير قاسٍ بجريمة حرب لا تزال تثير الجدل والألم حتى اليوم.

يفتتح روداكوف مقاله بتاريخ دقيق يحمل وزناً رمزياً: «بالضبط قبل 83 عاماً، خلال عملية «إسكرا» أي الشرارة، تم إختراق حصار لينينغراد وإستعادة الإتصال بالمدينة مع بقية البلاد». كان ذلك في 18 يناير 1943، لحظة تحولت فيها مدينة محاصرة منذ 872 يوماً وليلة إلى رمز للصمود البشري. يصف روداكوف الحصار بلا مواربة: «واحدة من أفظع الجرائم التي إرتكبها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية».

ثم يسرد الأرقام التي تقشعر لها الأبدان: «فقط في ديسمبر 1941 خسرت المدينة 52881 إنساناً، وفي يناير وفبراير 1942 أودى الموت بحياة 199187 ساكناً». ويضيف تفصيلاً يجعل القارئ يشعر بالجوع نفسه: «إنخفضت الحصة اليومية من الخبز للعمال والمهندسين إلى 250 غراماً… أما الموظفون والمعالون والأطفال فقد كانوا يتلقون قطعاً صغيرة لا تتجاوز 125 غراماً». ويدعو إلى تجربة بسيطة مرعبة: «إقسموا رغيف خبز أسود وزنه كيلوغرام إلى ثمانية أجزاء، وستفهمون حجم تلك الحصص أثناء الحصار».

ما يميز نص روداكوف هو تحويله الحصار من حدث عسكري إلى جريمة إبادة جماعية مدبرة. يستشهد بمؤرخ ألماني معاصر، يورغ غانزنمولر، الذي يقول بصراحة: «لم ينشأ الحصار لأسباب عسكرية، بل كان أداة إبادة جماعية في المقام الأول». ثم يعود إلى وثائق النازيين أنفسهم، مستشهداً بتوجيه رئيس أركان البحرية الألمانية بتاريخ 29 سبتمبر 1941: «قرر الفوهرر محو مدينة بطرسبرغ عن وجه الأرض… من المقرر محاصرة المدينة بطوق ضيق… وتسويتها بالأرض عبر قصف مدفعي من جميع العيارات وبقصف جوي مستمر». ويتابع: «إذا طُلب الإستسلام بسبب الوضع في المدينة، فسيُرفض… نحن غير معنيين بالحفاظ على أي جزء من السكان».

يقدر روداكوف عدد الضحايا بحوالي مليون ونصف المليون إنسان، معظمهم قضوا جوعاً: «أكثر من 90% من الضحايا السكان هم ضحايا الجوع الرهيب». ثم ينتقل إلى الجانب الإنساني الأكثر تأثيراً، مستشهداً بمذكرات الأديب فيكتور مانويلوف «مذكرات إنسان سعيد». يروي مانويلوف كيف إحتفل خمسة أشخاص فقط بذكرى بوشكين في 10 فبراير 1942، وسط الجوع والموت: «وقفنا صامتين، ثم قال أحدهم بهدوء لكن بثقة: «تألقي، يا مدينة بطرس، وإبقي صامدة كما تصمد روسيا!» ثم تفرقوا».

في 27 يناير 1944، رفع الحصار نهائياً. لم تكتفِ المدينة بالصمود؛ بل واصلت إنتاج الأسلحة: «زوّدت الجبهة بالدبابات والهاونات والبنادق والقذائف»، وساهمت في تقييد حركة قوات العدو الكبيرة، مما منع نقلها إلى جبهات موسكو وستالينغراد وكورسك.

في نهاية مقاله، يترك روداكوف إنطباعًا عميقاً: المدينة لم تنكسر، بل تحولت إلى رمز للكرامة الإنسانية في وجه الوحشية الممنهجة. «تألقي، يا مدينة بطرس، وابقي شاهداً على التاريخ»، كما لو أن أبيات بوشكين لا تزال تتردد في شوارع نيفا المغطاة بالثلج، بعد ثلاثة وثمانين عاماً على إختراق الحصار، وفي زمن لا يزال يحمل أصداء تلك المأساة والإنتصار معاً.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طوفان الأقصى 835 - أسباب تراجع ترامب عن ضرب إيران
- طوفان الأقصى 834 - من عدن إلى الرياض: إعادة خلط أوراق اليمن ...
- حين يختار الكبار الصمت - فرضيّة «الإنتظار الإستراتيجي» في مو ...
- طوفان الأقصى 833 - الشرق الأوسط الجديد بدأ يتشكل
- في ذكرى عيد ميلاده - عبد الناصر: الدولة، الكرامة، والهزيمة ا ...
- طوفان الأقصى 832 - إيران في مرآة الشارع الروسي: إحتجاج الداخ ...
- قليل من الإقتصاد - من بريتون وودز إلى جامايكا: كيف صُنِع عال ...
- طوفان الأقصى 831 - حين يصطدم المشروع الأميركي بالجدار الأورا ...
- قليل من الإقتصاد - إرتفاع نفط برنت… بين حسابات ترامب وإمتلاء ...
- طوفان الأقصى 830 - إيران على مفترق القيم والمصالح
- الصين بين الواقعية الإستراتيجية وإغراء “محور المقاومة”
- طوفان الأقصى 829 - لعبة إيران الكبرى: هل تمتلك روسيا أوراق ا ...
- طوفان الأقصى 828 - «حرب الذاكرة: الجزائر تُحاكم ماضي فرنسا ا ...
- ألكسندر دوغين - روسيا تبدأ بالتراجع، و«علينا أن نغيّر شيئاً… ...
- طوفان الأقصى 827 - إيران كما لم تُقرأ بعد: الأسباب الحقيقية ...
- ألكسندر دوغين - مسار التحوّلات الكبرى:التمسّك بالوضع القائم ...
- طوفان الأقصى 826 - اليمن بين الخرائط والدم: أناتوميا حرب الج ...
- ألكسندر دوغين يطلق تحذيرًا صارمًا: الأهمّ الآن ألّا نقع في ف ...
- طوفان الأقصى 825 - «كيف أفلتت إيران من قبضة أعدائها؟»
- ألكسندر دوغين - إختطاف مادورو وملامح «نصرنا» (برنامج إسكالات ...


المزيد.....




- توجيه اتهامات لرجلين بعد إلقاء عبوات ناسفة قرب منزل عمدة نيو ...
- ترامب يرغب باختيار الزعيم الإيراني القادم.. كيف يمكن أن يأتي ...
- -صيد ثمين- في الخليج.. هل تصبح جزيرة خرج مفاجأة ترامب ونتنيا ...
- بيار الراعي.. ما علاقة حزب الله بمقتل كاهن في قصف إسرائيلي ع ...
- هيثم بن طارق.. تهئنة سلطان عُمان باختيار مجتبى خامنئي مرشدا ...
- ليندسي غراهام حليف ترامب يهدد السعودية والخليج والملياردير ا ...
- رافائيل غروسي: -من الضروري التوصل إلى اتفاق دبلوماسي- بشأن ا ...
- الحرب في الشرق الأوسط: كيف يمكن للفن أن يكون مساحة للصمود وا ...
- نائب الرئيس الإيراني للجزيرة: بلادنا تعرضت لاعتداء وسنواصل ا ...
- بالفيديو.. نازحون في شوارع بيروت بين الخيام والسيارات


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - تألقي، يا مدينة بطرس: ذكرى إختراق حصار لينينغراد في الذاكرة الروسية الحية