أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - طوفان الأقصى 830 - إيران على مفترق القيم والمصالح















المزيد.....

طوفان الأقصى 830 - إيران على مفترق القيم والمصالح


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 02:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


14 كانون الثاني/يناير 2026


قراءة في القيم، الموارد، ومستقبل التعددية القطبية

تتجاوز الإحتجاجات في إيران كونها حدثًا داخليًا أو إنفجارًا إجتماعيًا عابرًا. فهي تقع عند تقاطع نادر بين صراع قيمي عميق حول معنى الحياة الحديثة والراحة، وصراع جيوسياسي يمسّ توازنات الشرق الأوسط ومشروع العالم المتعدد الأقطاب. في هذا السياق، يقدّم الكاتبان الروسيان بلاتون بيسيدين و إدوارد بيروف قراءتين متباينتين في الظاهر، متكاملتين في الجوهر. ففي مقاله «الإضطرابات الجماهيرية كمعركة من أجل الرفاهية»، يرى بيسيدين أن ما يجري في إيران هو قبل كل شيء صدام حضاري بين منظومة تقليدية–دينية ومنطق إستهلاكي عالمي يُعيد تعريف الحياة عبر مفهوم «الرفاهية». أما بيروف، ففي مقاله «الأزمة الإيرانية: الرهانات مرتفعة جدًا لروسيا»، فيضع الأحداث ضمن إطارها الإستراتيجي الأشمل، معتبرًا أن زعزعة إيران ليست شأنًا داخليًا بحتًا، بل حلقة في صراع دولي على النظام العالمي ومواقع روسيا والصين فيه.
بين هاتين المقاربتين تتشكّل صورة أكثر عمقًا لأزمة متعددة الطبقات: أزمة قيم وهوية في الداخل، وأزمة توازنات ومصالح في الخارج.

أولًا: الإحتجاج بوصفه صراعًا على القيم ونمط العيش

ينطلق بلاتون بيسيدين من فرضية مفادها أن الإحتجاجات ليست مجرد مطالب سياسية، بل إحتكاك حضاري بين مجتمع ذي مرجعية دينية صارمة ومنظومة حداثية إستهلاكية تُسوِّق لـ«الرفاهية» بوصفها القيمة العليا. في هذا المنظور، تتحول الرفاهية—كما تُعرض عبر الإعلام والمنصات العالمية—إلى قوة ناعمة تُعيد تشكيل التطلعات الفردية، فتضع المجتمع أمام مفارقة: كلما إزداد التعرّض لصور «الحياة المريحة»، إزداد الشعور بالحرمان واللاجدوى من الأطر التقليدية.
وتتجلّى هذه المفارقة، كما يلمّح بيسيدين، في الفوارق الحادّة داخل المدن الكبرى وطهران بالتحديد: شمالٌ مرفّه أقرب إلى نمط عيش أوروبي، وجنوبٌ أقل حظًا. هذا التفاوت يعمّق الإحساس باللاعدالة، فيما تجعل شبكات الاتصال ووسائل تجاوز القيود التقنية إختراق الحواجز الثقافية أمرًا يوميًا. عند هذه النقطة، لا يعود الإحتجاج مجرّد رفض لسلطة سياسية، بل يصبح «معركة على نمط العيش»: تطلّعًا إلى نموذج حياة تم تسويقه ثقافيًا، حتى لو كان هذا النموذج—بحسب نقّاده—وعدًا إستهلاكيًا لا يضمن عدالة ولا سيادة.


ثانيًا: البعد الجيوسياسي—إيران في قلب صراع النظام الدولي

على الضفة الأخرى، يقرأ إدوارد بيروف الأزمة من زاوية إستراتيجية صِرفة. فإيران، في نظره، ليست دولة تواجه إضطرابات داخلية فحسب، بل عقدة محورية في شبكة تحالفات تسعى إلى كسر أحادية القطب. ويؤكد بيروف أن أي إضعاف حاسم للسلطة في طهران سيقود إلى:
1. تقويض الغاتفاقات الإستراتيجية التي ربطت إيران بكل من روسيا والصين في السنوات الأخيرة، بما فيها التعاون الإقتصادي والأمني.
2. إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يعزّز هيمنة إسرائيل ويقلّص هامش القوى الرافضة للنفوذ الأمريكي.
3. رسالة ردع إلى دول أخرى منخرطة في مشاريع مثل بريكس ومنظمة شنغهاي، مفادها أن كلفة الخروج عن «الإجماع الأمريكي» قد تكون زعزعة الإستقرار الداخلي.
ويضيف بيروف بُعد الموارد إلى هذه الصورة: فإيران، إلى جانب فنزويلا، تمتلك إحتياطيات ضخمة من الطاقة، ومع تحوّل الليثيوم إلى «مورد المستقبل» في إقتصاد التكنولوجيا والطاقة النظيفة، تصبح السيطرة غير المباشرة على هذه الموارد رافعة ضغط قادرة على التأثير في الأسعار والأسواق وتوازنات «أوبك+». من هنا، لا تبدو الأزمة منفصلة عن إستراتيجية إقتصادية–طاقوية أوسع.

ثالثًا: بين الداخل والخارج—كيف تتقاطع الدوافع؟

ليست مقاربة بيسيدين القيمية نقيضًا لقراءة بيروف الجيوسياسية، بل تكملة لها. فالداخل الإيراني يشهد ضغوطًا معيشية، وآثار عقوبات، وتراجعًا للعملة، وتفاوتات إجتماعية، إلى جانب تطلعات ثقافية جديدة. وفي الوقت ذاته، يعمل الخارج على إستثمار هذه التناقضات عبر السرديات الإعلامية والدعم السياسي والضغط الإقتصادي.
بهذا المعنى، يمكن أن يكون جزء من المحتجّين فاعلين إجتماعيين أصيلين بدوافع حقيقية، فيما تُحوَّل الحركة—جزئيًا—إلى أداة في لعبة أكبر. وهي دينامية باتت مألوفة في أزمات معاصرة عديدة: «إحتجاج محلي» يُعاد توجيهه دوليًا دون أن يفقد جذوره الإجتماعية.


رابعًا: سيناريوهات وتداعيات

1. سيناريو الإحتواء: إحتواء داخلي مع إصلاحات محدودة—يبقي إيران ضمن محور التعددية، لكن مع هشاشة كامنة.
2. سيناريو التحوّل الحاد: تغيير سياسي يعيد تموضع البلاد خارجيًا—يفتح الباب لإعادة هندسة الإقليم، ويضعف مشاريع مثل بريكس ومنظمة شنغهاي عبر أثر العدوى السياسية.
3. سيناريو الإستنزاف: لا حسم سريع؛ توتر طويل يُنهك الغاقتصاد والمجتمع، ويُبقي البلاد ساحة تنافس مستمر.
لكل سيناريو كلفة إقليمية: من أسعار الطاقة، إلى أمن الممرات، إلى إعادة ترتيب التحالفات.


خامسًا: ماذا يعني ذلك لروسيا ومشروع التعددية القطبية؟

وفق قراءة بيروف، تراهن موسكو وبكين على شبكة شركاء مستقلة نسبيًا عن المنظومة الغربية. أي إرتداد إستراتيجي في إيران قد:
يُضعف الثقة في قدرة المحور على حماية شركائه، ويشجّع أطرافًا أخرى على إعادة حساباتها، ويمنح واشنطن أوراقًا إضافية في ملفات الطاقة والتسعير والنفوذ الإقليمي.
وبالتالي، فإن الرهانات تتجاوز إيران لتطال بنية النظام الدولي قيد التشكل.

خاتمة

تكشف أزمة إيران عن إزدواجية اللحظة العالمية: صراع على القيم وأنماط العيش في الداخل، وصراع على الموارد والإصطفافات في الخارج. «معركة الراحة» التي يشخّصها بلاتون بيسيدين ليست تفصيلًا ثقافيًا هامشيًا، بل دينامية تُغذّي الإحتجاجات في عالم مُشبع بصور الإستهلاك. وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذه الدينامية عن حسابات القوى الكبرى التي يضعها إدوارد بيروف في صلب تحليله لإيران بوصفها عقدة إستراتيجية في مشروع التعددية القطبية.
إن قراءة واحدة لا تكفي. ففهم ما يجري يستلزم الجمع بين التحليل الإجتماعي–الثقافي والتشخيص الجيوسياسي. عند هذا التقاطع فقط تتضح حقيقة الأزمة: ليست مجرد إحتجاجات، ولا مجرد مؤامرة خارجية، بل لحظة إختبار لمستقبل إيران… ولمسار النظام الدولي برمّته.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصين بين الواقعية الإستراتيجية وإغراء “محور المقاومة”
- طوفان الأقصى 829 - لعبة إيران الكبرى: هل تمتلك روسيا أوراق ا ...
- طوفان الأقصى 828 - «حرب الذاكرة: الجزائر تُحاكم ماضي فرنسا ا ...
- ألكسندر دوغين - روسيا تبدأ بالتراجع، و«علينا أن نغيّر شيئاً… ...
- طوفان الأقصى 827 - إيران كما لم تُقرأ بعد: الأسباب الحقيقية ...
- ألكسندر دوغين - مسار التحوّلات الكبرى:التمسّك بالوضع القائم ...
- طوفان الأقصى 826 - اليمن بين الخرائط والدم: أناتوميا حرب الج ...
- ألكسندر دوغين يطلق تحذيرًا صارمًا: الأهمّ الآن ألّا نقع في ف ...
- طوفان الأقصى 825 - «كيف أفلتت إيران من قبضة أعدائها؟»
- ألكسندر دوغين - إختطاف مادورو وملامح «نصرنا» (برنامج إسكالات ...
- طوفان الأقصى 824 - على مفترق التحالفات: كيف يعاد تشكيل الشرق ...
- حرب أوكرانيا - خبر وتعليق
- طوفان الأقصى 823 - البيت الأبيض حين يحكمه الوهم: ترامب، نتني ...
- الحرب الروسية–الأوكرانية 2022–2025: جردة حساب حول صراع النفو ...
- طوفان الأقصى 822 -إختطاف مادورو: نبض الشارع العربي - كيف يتف ...
- ألكسندر دوغين - العالم يقف على أعتاب حرب كبرى: على وقع العدو ...
- طوفان الأقصى 821 - في أتون الغضب الإيراني: من يلعب بالنار في ...
- ليلة القبض على مادورو
- ألكسندر دوغين - لا أحد بقي غير مبال لهذه المأساة (برنامج إيس ...
- طوفان الأقصى 820 - غزة بعد «خطة ترامب»: هدنة بلا سلام… وإستق ...


المزيد.....




- وسط تصاعد الهجمات.. اتهامات روسية لأوكرانيا باستهداف ناقلات ...
- ترامب يصر على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى غرينلاند لـ -أغر ...
- بين الاحتجاجات والتهديد الأميركي.. كيف تقرأ العواصم العربية ...
- أئمة في الجيش الألماني .. خطوة تاريخية نحو التنوع الديني
- الضفة الغربية.. مركز قلنديا المهني على حافة الانهيار بعد قرا ...
- قطر: الدوحة تؤكد مغادرة أفراد من قاعدة العُديد الأمريكية بسب ...
- الجيش السوري يرسل تعزيزات إلى شرق حلب.. هل تحضر دمشق لهجوم ش ...
- ما هو -مجلس السلام- الذي يستعد ترامب للإعلان عنه لإدارة قطاع ...
- إدارة قطاع غزة: مصر تؤكد الاتفاق على أسماء 15 عضوا في لجنة ا ...
- قشور الليمون.. -كنز أصفر- غني بالفوائد الصحية


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - طوفان الأقصى 830 - إيران على مفترق القيم والمصالح