|
|
ألكسندر دوغين - لا أحد بقي غير مبال لهذه المأساة (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 14:07
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألكسندر دوغين فيلسوف روسي معاصر
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
20 ديسمبر 2025
سؤال - في الأسبوع الماضي، تصدّرت المفاوضات المشهد الإخباري، سواء مع أوروبا أو مع الولايات المتحدة، بما في ذلك لقاءات برلين. تردنا أنباء متضاربة، من بينها حديث عن انسحاب ميرتس من بعض المباحثات، وعن تشكك أمريكي في جاهزية أوروبا للسلام في هذه المرحلة. كيف تقرأون مسار هذه المفاوضات؟ وما الذي يمكن توقعه مستقبلاً؟
جواب - المفاوضات الجارية اليوم تمثل منظومة شديدة التعقيد. نحن لا نتعامل مع مسار خطي بسيط، بل مع نظام ديناميكي تتحرك داخله مراكز قوى متعددة، وأوزان سياسية متغيرة، ولاعبون يؤثر سلوك كل واحد منهم في النتيجة النهائية: هل ستقع هدنة أم لا.
أود أولاً أن أذكّر بالإطار العام لما نناقشه. روسيا قدمت شروطها لوقف العمليات العسكرية في أوكرانيا. هذه الشروط تمثل، في الحقيقة، الحد الأدنى المطلق بالنسبة لنا. حتى لو قُبلت كاملة من دون أي تعديل، فلا يمكن اعتبار ذلك نصراً حقيقياً لروسيا. بل هو أقرب إلى تسوية مؤقتة، أو تجميد للصراع، وتأجيل لحسم قضاياه الجوهرية التي تبدو، في نهاية المطاف، حتمية.
نحن مستعدون، لأسباب جدية ومعقدة، لوقف القتال على هذا الأساس. لكنني مقتنع بأن مثل هذا الحل سيكون مؤقتاً فقط. نعم، نتحدث نظرياً عن «إزالة أسباب الصراع»، لكن أحداً في الغرب — لا الولايات المتحدة ولا أوروبا — ليس مستعداً فعلياً لمعالجة هذه الأسباب الحقيقية، والتي تعني في جوهرها إعادة أوكرانيا إلى المجال الروسي، أو على الأقل إخضاعها لسيطرة استراتيجية واضحة. هذا أمر لن يقبلوا به، وبالتالي يبقى الحديث عن «إزالة الأسباب» تعبيراً شكلياً أكثر منه واقعياً.
إذا نُفذت شروطنا، فسنكون قادرين — رغم الصعوبات والتكاليف الباهظة — على تثبيت حالة حرب غير مكتملة. هذه ليست هزيمة، لكنها أيضاً ليست نصراً. وليس مؤكداً إطلاقاً أن هذا هو الثمن الذي قُدمت من أجله كل هذه التضحيات. ومع ذلك، قدمت روسيا هذه الشروط، رغم عدم رضاها الكامل عنها. وما الذي سنفعله إذا تم قبولها فعلاً؟ هذا سؤال بالغ الخطورة والتعقيد.
ترامب، بعد أن أولى هذا الصراع اهتماماً أكبر، بدأ يفهم جوهر موقفنا. والأهم من ذلك، أدرك أن الشروط الروسية ليست مريحة حتى لنا أنفسنا. ومن هنا جاء قراره البراغماتي: قبول الشروط الروسية الآن من أجل «إنقاذ أوكرانيا»، ثم النظر لاحقاً في الخطوات التالية. في جوهرها، خطة ترامب تقوم على إنقاذ أوكرانيا عبر قبول مطالبنا كاملة، لأنها — من وجهة نظره — معتدلة وقابلة للتطبيق، بل ومفيدة على المدى الطويل للغرب نفسه.
هنا نرى قطبين واضحين: روسيا، التي صاغت هذه المطالب، وترامب، الذي فهم أنها لا تمثل نصراً روسياً كاملاً، بل تترك المجال مفتوحاً لمراحل لاحقة، ولذلك يدعمها. هذه لحظة شديدة الأهمية.
لكن يظهر عامل ثالث: الاتحاد الأوروبي مجتمعاً، ومعه زيلينسكي. هؤلاء غير معنيين إطلاقاً بمشروع ترامب الاستراتيجي بعيد المدى. ما يهمهم هو استمرار الصراع كما هو الآن، لأسباب تكتيكية بحتة. قبول هذه الخطة يعني بالنسبة للنخب الأوروبية الاعتراف الكامل بفشلها وعدم كفاءتها. بعد كل هذه السنوات من الهستيريا السياسية والإعلامية حول أوكرانيا، سيكون القبول بتسوية مذلة بمثابة توقيع على إفلاس سياسي شامل.
في هذه الحالة، سيخرج ماكرون، وستارمر، وميرتس من المشهد السياسي، وربما عبر آليات قاسية كالإقالة أو المحاسبة. وبالنسبة لزيلينسكي، فإن قبول هذه الشروط يعني نهايته السياسية وربما الشخصية. مجتمع أوكرانيا، الذي أُغرق في روسوفوبيا متطرفة ونزعات نازية جديدة، لن يقبل بذلك. مصيره سيكون السقوط، وربما الهروب.
لذلك، زيلينسكي والاتحاد الأوروبي مهتمون بإفشال أي هدنة ممكنة، وبالإبقاء على الوضع الراهن. ترامب، في المقابل، يدرك أن أي هدنة لا يمكن أن تتم إلا على أساس الشروط الروسية حصراً. أي تعديل بسيط، فاصلة واحدة إضافية، كفيل بأن يجعل الاتفاق غير مقبول بالنسبة لنا. بل إنني لست متأكداً تماماً من أننا نريد هذه الاتفاقيات أصلاً. نحن نثبت قدرتنا على التفاوض وعقلانيتنا السياسية، لكن اهتمامنا الحقيقي بها محدود.
ترامب مهتم بها لأنه يرى فيها فرصة لإنقاذ أوكرانيا ككيان تابع للغرب، وليس لروسيا. هذا منطقي من منظوره. لكنه يفهم أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بتنفيذ شروطنا حرفياً، لأنها تتضمن بالفعل حداً أدنى من التوازن. ومع ذلك، هذه ليست خطة جيدة لنا استراتيجياً. سيكون علينا أن نشرح لمجتمعنا لماذا قُبلت تسوية كهذه بعد كل هذه التضحيات، وهذا قد يفتح باباً لأزمات داخلية خطيرة. لذلك نحن بحاجة إلى نصر حقيقي، ونحن نسير نحوه. الرئيس قال ذلك مراراً: هذا هو هدفنا.
ترامب يريد وقف الحرب، لكنه في الجوهر يريد منع انتصارنا الاستراتيجي. هو يفهم أن أفضل لحظة لوقفنا هي الآن، ونحن نتقدم. أما الاتحاد الأوروبي وزيلينسكي، فلا يملكون رؤية استراتيجية على الإطلاق. هم شخصيات ظرفية، آنية، يدركون فقط أن قبول الخطة يعني نهايتهم الشخصية. ليس نهاية أوروبا ولا نهاية أوكرانيا، بل نهاية هذه النخب بعينها.
نحن نتحدث هنا عن جزء من النخب الغلوبالية التي وجدت نفسها في قلب الصراع التاريخي بين العولمة والعالم متعدد الأقطاب، ممثلاً بروسيا، وأصبحت رهينة للمشاريع التي وقّعت عليها وتدفعها حتى النهاية.
من هنا نفهم لماذا يعامل ترامب أوروبا بقسوة متزايدة. هو يرى أنهم يعرقلون مشروعه بدافع الخوف على مواقعهم، ويتصرفون بلا عقلانية استراتيجية. هذا يزعجه بشدة. ونحن نراقب هذا المشهد بحذر، وربما بأمل: إذا نجح الأوروبيون والأوكرانيون في إفشال هذه الاتفاقيات بأنفسهم، فسيجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع ترامب، بينما سنواصل نحن التقدم وفق استراتيجيتنا المخططة.
هذا، باختصار، تصوري للمشهد. قد أكون مخطئاً في بعض التفاصيل، فهذا تحليل مبني على مصادر مفتوحة وعلى قراءة أعمق لبعض الاتجاهات، وليس حقيقة مطلقة. لكنه، في رأيي، تحليل جيوسياسي متوازن لما يجري.
سؤال - قبل الإنتقال إلى الملف الكبير التالي، أود التوقف عند تطور إخباري لافت، مرتبط بتصريحات أخيرة صدرت عن زيلينسكي، وتناولتها أيضاً وسائل إعلام غربية كبرى. الحديث يدور عن ملامح محتملة لـ«خطة سلام»، تتضمن إستعداد أوكرانيا، من الناحية التقنية على الأقل، للإعتراف بعدم الإنضمام إلى حلف الناتو، مقابل ضمانات أمنية واضحة من أوروبا والولايات المتحدة. السؤال هنا: هل نحن أمام مسار حقيقي، أم مجرد إدارة وقت؟ ولماذا تُسرب مثل هذه التصريحات إلى الصحافة؟ ما الهدف منها؟
جواب - في الواقع، ما يجري في أوكرانيا ليس حرباً بين روسيا وأوكرانيا، بل صراع مباشر بين روسيا والولايات المتحدة، تؤدي فيه أوروبا دور التابع، بينما يُستخدم السكان الأوكرانيون كأداة تنفيذ. هؤلاء، بفعل الدعاية والتعبئة الشاملة، فقدوا بوصلة الفهم: لماذا يقاتلون، ومع من، ولأي غاية. ما حدث هو نوع من الاحتلال الشامل للوعي، أو ما يمكن وصفه بـ«اختراق دماغي جماعي». ضمن هذا السياق، تظهر شخصيات وسيطة عديدة، وزيلينسكي واحد منها. هو ليس فاعلاً مستقلاً، بل عنصر داخل آلية أكبر، يعمل وفق خوارزمية سياسية مفروضة عليه. اليوم، يبدو أن دونالد ترامب يسعى إلى الخروج من هذه الحرب. وإذا انسحبت الولايات المتحدة فعلاً، فإن ميزان الصراع سيتغير جذرياً: الحرب مع أمريكا معقدة وثقيلة، لأن الولايات المتحدة ما تزال قوة كبرى عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. أما من دونها، فإن حسم الحرب سيكون أسرع وأسهل نسبياً، وستؤول أوكرانيا في النهاية إلى الفضاء الروسي، دون حاجة إلى اتفاقيات معقدة. زيلينسكي يدرك ذلك. هو يعلم أن من يقاتل فعلياً ليست أوكرانيا، بل الولايات المتحدة. لكنه لا يستطيع أن يقول لترامب صراحة: «لا أريد السلام لأن نهايتي السياسية مرتبطة باستمرار الحرب». لذلك يحاول أن يبدو منضبطاً، مطيعاً، موافقاً شكلياً على مبادرات السلام، باعتباره تابعاً في هرم السلطة الغربية. وفي الوقت نفسه، هو يدرك أن أي سلام حقيقي يعني نهايته. لذا فإن مهمته الفعلية هي تعطيل المفاوضات، ولكن بطريقة لا يتحمل هو مسؤوليتها المباشرة. يضع شروطاً تبدو عقلانية في ظاهرها، لكنها في الجوهر مصممة لنسف أي اتفاق. والهدف هو تحميل المسؤولية لطرف آخر: موسكو، أو الاتحاد الأوروبي. أرجح أن زيلينسكي سيحاول نقل العبء إلى الأوروبيين. وإذا دخل ترامب في صدام سياسي مع الاتحاد الأوروبي — وهو بالفعل ينظر إلى نخب أوروبا بوصفهم خصوماً أيديولوجيين، مثل الغلوباليين والديمقراطيين في الداخل الأمريكي — فسيحاول زيلينسكي استغلال هذا التناقض لإطالة أمد الحرب. استمرار الدعم الأمريكي هو مسألة حياة أو موت بالنسبة له. من دونه، نهايته شبه مؤكدة. في العمق، الجميع يفهم — بما فيهم زيلينسكي نفسه — أن العامل الحاسم هو الولايات المتحدة. الدعم الأوروبي وحده، رغم الضجيج الإعلامي، لا يكفي لتغيير المعادلة. لكنه يبقى مهماً من الناحية النفسية، للحفاظ على التعبئة الداخلية واستمرار حالة الهستيريا الجماعية داخل المجتمع الأوكراني. لو حاول زيلينسكي فرض إنذارات أو شروط قصوى، لانتهى الدعم الأمريكي فوراً، ولانتهت الحرب، ومعها أوكرانيا ككيان سياسي قائم. لذلك هو يناور داخل حدود ضيقة للغاية، محاولاً إنقاذ نفسه. أما ترامب، فهو أيضاً لا يسعى ببساطة إلى «إيقاف الحرب». هو يريد الخروج منها بشروط، مع الحفاظ على نفوذ أمريكي ونتائج سياسية يمكن تسويقها داخلياً. ورغم ما يوصف به من تقلب وعدم اتساق، فإن سلوكه ليس عشوائياً بالكامل. هو يتحرك ضمن متجهات واضحة، حتى لو ابتعد عنها أحياناً، ثم عاد إليها بشكل حاد. من وجهة نظرنا، إدارة الصراع في أوكرانيا من دون مشاركة أمريكية مباشرة سيناريو قابل للتنفيذ بالكامل، والنصر فيه شبه مضمون. المسألة تتعلق فقط بالزمن والكلفة. أما الاستمرار في المواجهة مع انخراط أمريكي كامل، فذلك مستوى مختلف تماماً من الصراع: أكثر تعقيداً، وأكثر كلفة. ومع ذلك، حتى في هذا السيناريو، نحن قادرون على الصمود والانتصار، لكن بثمن أعلى بكثير. هذا هو جوهر الموقف كما أراه.
بالتأكيد، زيلينسكي شخصية تحمل قدراً كبيراً من الشر، لكن إذا نظرنا إلى سلوكه ببرود تحليلي، سنجد أن أفعاله عقلانية تماماً. هو ينفذ بدقة المهام الموكلة إليه من قبل من يديرونه. غير أن مركز القرار الغربي نفسه يعيش اليوم حالة إرتباك واضحة: فقد حدث تغيير في رأس الهرم السياسي للعالم الغربي، وجاء قائد جديد برؤى مختلفة، بينما بقيت النخب والكوادر الأدنى، التي تشكلت في المرحلة السابقة، في مواقعها، وهو ما يخلق حالة من التناقض والخلل.
زيارة أوباما الأخيرة إلى لندن، ولقاءاته مع زيلينسكي وستارمر، يمكن قراءتها في هذا السياق: محاولة لإعادة ضبط الوكلاء الأوروبيين، وإدارة شبكات النفوذ التي فقدت ثقة دونالد ترامب. نحن أمام وضع بنيوي معقد، وليس مجرد أزمة ظرفية، وزيلينسكي يتصرف داخله بعقلانية كاملة من وجهة نظره: عقلانية تخدم بقاءه الشخصي، وتنسجم مع مصالح من يقفون خلفه، وتحاول في الوقت نفسه تفادي استفزاز ترامب بشكل مباشر. هو يؤدي وظيفة محددة، لكن ضمن حدود صارمة لا يستطيع تجاوزها.
من هنا، أفهم اقتراحنا المتعلق بالهدنة. لماذا تقدم روسيا مقترحاً لا يحقق لها الرضا الكامل؟ لأننا لا نملك رغبة في الدخول في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة. القتال مع أمريكا في الساحة الأوكرانية بالغ الصعوبة. نعم، يمكننا الانتصار، لكن المخاطر هائلة، وعلى رأسها خطر الانزلاق في أي لحظة نحو مواجهة نووية شاملة، نحو سيناريو كارثي يدرك الجميع، نحن وخصومنا، مدى خطورته. وفي الوقت ذاته، هناك أهداف وجودية لا يستطيع أي طرف التنازل عنها، وهنا يكمن جوهر تعقيد الأزمة.
نحن لا نريد حرباً مع أمريكا. أما أوروبا، فلو لم تتصرف كما تفعل اليوم، لما كانت طرفاً في حساباتنا من الأساس. لكن أوكرانيا بالنسبة لنا مسألة وجودية خالصة. إنها ليست ملفاً سياسياً عابراً، بل قضية حياة أو موت. وجود روسيا ذاته مرتبط عضوياً بأوكرانيا. بدون أوكرانيا، لا يمكن لروسيا أن تبقى كما هي؛ كل شيء سيتداعى. إنها جزء منا، عضو من جسدنا، وانتزاع هذا العضو في الظروف الجيوسياسية الراهنة يعني تهديد وجودنا نفسه. من هنا تنبع درامية هذا الصراع وحدّته.
في الجوهر، يتمحور هذا المشهد كله حول شخصية ترامب. قوى متعددة تحاول دفعه في اتجاهات متناقضة. أما نحن، فنمضي بثبات في تنفيذ خطتنا الأصلية. معادلتنا واضحة: بدون أوكرانيا لا نكون نحن، وبدوننا لن يكون هناك توازن في هذا العالم. هذه حدودنا القصوى، ونحن نسير نحوها بثقة، من دون حسابات ضيقة للكلفة، كما كان الحال دائماً في كل الحروب الروسية الكبرى، الشعبية والوجودية.
سؤال - عندما نتحدث عن كلفة هذا الصراع، لا بد من التوقف عند جانب إنساني مؤلم. اليوم نحيي ذكرى الصحفيين الذين قُتلوا أثناء أداء واجبهم المهني. منذ عام 2014، فقد أكثر من ثلاثين مراسلاً عسكرياً روسياً حياتهم في منطقة العمليات الحالية. أنا كصحفي حديث التخرج، أتذكر جيداً ما كنا نتعلمه عن قواعد العمل في مناطق النزاع: الصحفي، وفق المعايير الدولية، ليس مقاتلاً، ولا ينبغي أن يكون هدفاً. لكن يبدو أن هذه القواعد لم تعد صالحة في واقع اليوم.
جواب - أنت محق. هذه القواعد لم تعد تعمل. بل أكثر من ذلك: في ظروف اليوم، الصحفي يقف في الصفوف الأمامية، سواء في الدفاع أو الهجوم. هو الوجه، هو الكلمة، ونحن نخوض اليوم حرباً على مستوى الروح والمعنى. الصورة، والكلمة، والشجاعة الأخلاقية، يمكن أن تغير مسار الصراع بقدر ما تفعل الأسلحة. في الفضاء الإعلامي المعاصر، هذا أحد أخطر وأهم ميادين القتال.
لكن الصحافة ليست مجرد مهنة إعلامية، بل مصير شخصي عميق. لا يستطيع الإنسان أن ينقل فكرة أو يدافع عنها بصدق إن لم يكن مؤمناً بها. إذا كانت الصحافة مجرد تمثيل أو وظيفة، فإنها تفقد تأثيرها فوراً، ويشعر بذلك الجميع.
الأشخاص الذين نحيي ذكراهم اليوم أصبحوا بالنسبة لي رمزاً لهذه المأساة ولهذا الإنجاز في آن واحد. واليوم، يصادف أيضاً عيد ميلاد ابنتي داريا دوغينا. كانت صحفية، مفكرة، وفيلسوفة، وبمعنى ما مراسلة حربية أيضاً. كان من المفترض أن تبلغ الثالثة والثلاثين، لكنها قُتلت. قُتلت غدراً، بعيداً عن الجبهة، قرب موسكو، بعد مشاركتها في مهرجان ثقافي سلمي. قُتلت أمام عينيّ.
لهذا، هذا اليوم بالنسبة لي يوم حزن مزدوج: ذكرى ابنتي، وذكرى جميع المراسلين الحربيين والصحفيين الذين سقطوا. داريا أصبحت رمزاً لجيل كامل: لجيل من الشباب الروسي الذي اختار أن يقف في الصفوف الأخطر، في ميدان الفكرة والروح. تركت إرثاً فكرياً حقيقياً، أصدرنا لها حتى الآن خمسة كتب تضم مقالاتها وتأملاتها حول نوفوروسيا، والحدود، وأوكرانيا، ومصير دولتنا ومصير جيلها.
يقال أحياناً إن جيل اليوم هو «جيل Z»، لكن داريا كانت تمثل شيئاً آخر: جيلاً قارئاً، مفكراً، يعرف أفلاطون، فلورنسكي، اللاهوت الأرثوذكسي، ويتعامل مع الأفكار بعمق. جيل يُصاغ اليوم في قلب هذه الظروف القاسية، سواء كان أفراده في الجبهة أو في الخلف. كثير منهم قدّم حياته ثمناً لمُثله.
عندما يموت الإنسان من أجل فكرة، تبدأ الفكرة في أن تحيا بقوة جديدة. هذه ليست استعارة، بل حقيقة تاريخية وروحية. ولذلك تبقى ذكرى هؤلاء أحياء، وتبقى أفكارهم فاعلة. الأفكار التي تُغسل بالدم لا تموت، بل تحرّك العالم.
الصحفي ليس مجرد ناقل خبر، بل محارب في ميدان المعنى. وإذا فقد صدقه، فقد كل شيء. دعونا نحيي اليوم ذكرى جميع مراسلينا الذين سقطوا، أولئك الذين رحلوا منذ 2014 وحتى اليوم، ونذكر أيضاً الأحياء منهم، وندعو لهم بالحياة.
بالنسبة للإنسان الروسي، العيش لمجرد البقاء ليس هدفاً. الحياة الحقيقية هي أن تُعاش بكرامة، بضمير، وبشرف، من أجل فكرة أعلى. بدون هذا الهدف، تتحول الحياة إلى وجود فارغ. أما أولئك الذين صعدوا إلى السماء، فهم أضاءوا الطريق لنا، وضمنوا لأنفسهم الخلود في الذاكرة والتاريخ. وداريا واحدة منهم.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
طوفان الأقصى 820 - غزة بعد «خطة ترامب»: هدنة بلا سلام… وإستق
...
-
طوفان الأقصى 819 - داعش 2.0: حين يُبعث الإرهاب لا ليحارب… بل
...
-
ألكسندر دوغين - هل يقترب العالم من الحرب العالمية الثالثة في
...
-
طوفان الأقصى 818 - هل ما زال السلام ممكنًا بين إسرائيل وفلسط
...
-
طوفان الأقصى 817 - اليمن… حين ينقلب تحالف الحرب إلى صراع نفو
...
-
حين تختنق أوروبا… يُعاد فتح ملف الحرب مع روسيا
-
طوفان الأقصى 816 - إعتراف إسرائيل بصومالي لاند
-
في ذكرى تأسيس الإتحاد السوفياتي - 7 نوفمبر: ذاكرة الثورة الت
...
-
طوفان الأقصى 815 - عام الإنكشاف: ماذا بقي من «محور المقاومة»
...
-
طوفان الأقصى 814 - نحو 2026: الإرهاب في سوريا يتبدّل شكله ول
...
-
طوفان الأقصى 813 - إيران في قبضة التناقضات الكبرى
-
طوفان الأقصى 812 - في بغداد، القلق لا ينتهي: نظرة على إرث ال
...
-
طوفان الأقصى 811 - النفط كقدر جيوسياسي: روسيا وترامب وممالك
...
-
طوفان الأقصى 810 - المتاهة السورية: بين وهم التسوية وشبح الح
...
-
طوفان الأقصى 809 - «ما هي الكلمة المسيحية في مواجهة الإبادة؟
...
-
في ذكرى عيد ميلاده - ستالين بين ذروة القوة وثمنها الفادح
-
طوفان الأقصى 808 - إسرائيل على حافة الهاوية - قراءة في أطروح
...
-
طوفان الأقصى 807 - الإمارات في مواجهة السعودية: تفكك معسكر “
...
-
طوفان الأقصى 806 - كيف وضعت إسرائيل والولايات المتحدة نفسيهم
...
-
ألكسندر دوغين - يجب تدمير الإتحاد الأوروبي (برنامج إيسكالاتس
...
المزيد.....
-
-أمريكا بحاجة إلى غرينلاند-.. كيف ردت أوروبا على تصريحات ترا
...
-
فعالية رمي الدمى لفريق هيرشي بيرز تجمع 81796 دمية لصالح جمعي
...
-
إسرائيل على صفيح ساخن: خلافات حول إعفاء الحريديم من التجنيد
...
-
فنزويلا: هل تعود الشركات الأمريكية للسيطرة على قطاع النفط في
...
-
العقل الجائع.. إلى أي مدى يؤثر نداء المعدة في قرارات الرجال؟
...
-
الجيش الإسرائيلي يزعم قتل عنصرين من حزب الله بغارة مسيرة
-
ترامب يجدد تمسّكه بضم غرينلاند ورئيس وزرائها يرد: هذا يكفي
-
كاتب أميركي: لترامب أميركا اللاتينية ولبوتين أوروبا وللصين ت
...
-
عاجل | سانا عن مصدر حكومي: وفد سوري برئاسة وزير الخارجية يشا
...
-
شاهد كيف تحدث ترامب عن غرينلاند لصحفيين على متن طائرة الرئاس
...
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|