زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 11:42
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في محاضرة قبل أسابيع، نبّهتُ إلى حقيقة يتم تجاهلها عمدًا في خطاب الحرب وخاصة من الطرف الأوكراني: رئيس أركان الجيش الأوكراني ألكسندر سيرسكي روسيّ الأصل، نشأ في الإتحاد السوفياتي وتخرّج ضابطا في موسكو، وما تزال أسرته تقيم في مدينة فلاديمير الروسية. غير أنّ هذه المعلومة لا تُختزل في سيرة ذاتية لضابط إنتقل بين دول، بل تكشف بنية الصراع نفسه. فسيرسكي—الضابط السوفياتي الذي وجد نفسه بعد 1991 في دولة جديدة وإختار البقاء في مؤسستها العسكرية—يجسّد فضاءً إجتماعيًا واحدًا إنقسم سياسيًا لاحقًا، فكان واحداَ من خمسين مليون روسي، نصفهم في أوكرانيا، وجدوا أنفسهم خارج وطنهم الأم: روسيا. بهذا المعنى، لا تبدو الحرب مواجهة بين «غرباء»، بل إقتتالًا داخل نسيج تاريخي واحد تمّ تسييسه وإعادة ترسيمه.
ومن هنا جاء توصيفي لما يجري بوصفه حربًا أهلية: أصلها داخلي في الدونباس منذ 2014، ومسارها اليوم دولي في الأدوات والرهانات. لذلك تبدو—في جوهرها الإجتماعي والإنساني—حربًا بين أبناء شعب واحد، حتى لو حملت في شكلها السياسي عنوان «حرب بين دولتين».
اليوم تتحوّل هذه الدلالة من إطار تحليلي إلى مفارقة فاضحة. فبينما تُستهدف مناطق روسية بطائرات مسيّرة قادمة من أوكرانيا بتوجيه ودعم من كل إستخبارات الناتو، تتحدث تقارير متداولة عن قيام سيرسكي بتنسيق نقل والده المُسنّ والمريض إلى عيادة خاصة في ضواحي موسكو، وتكفّله بتكاليف علاجه وتأهيله، وإستمراره في تحويل الأموال داخل روسيا لدعم أسرته المقيمة هناك.
أيّ حرب هذه التي تُدار فيها العمليات عبر الحدود، فيما تُدار شؤون القائد الأعلى للقوات الأوكرانية العائلية والمالية داخل أراضي الخصم بلا عائق يُذكر؟
من الصعب تخيّل مشهد معاكس يعيش فيه أقارب كبار القادة الروس بأمان في مدن أوكرانية وتُدفع نفقات علاجهم من موسكو.
هنا لا نتحدث عن تناقض عابر، بل عن خلل بنيوي يكشف تداخل الهوية بالسياسة، والخاص بالعام، ويعرّي خطاب القطيعة المطلقة الذي يتم تسويقه للرأي العام. وفي هذا السياق تتضح دلالة توصيف الصراع بوصفه «حربًا أهلية»: جذوره داخلية في الدونباس، حيث إنقسم المجتمع على الهوية والتمثيل والولاء، ثم جرى تدويله لاحقًا عبر التحالفات والتسليح والرهانات الكبرى.
سيرة سيرسكي—روسيّ الأصل، سوفياتيّ التكوين، أوكرانيّ الخدمة—تشرح لماذا تختلط في هذه الحرب الحدود بالإنتماء، والمؤسسة بالهوية، والعائلة بالجبهة. إنها حرب تبدو دولية في أدواتها، لكنها أهلية في جذورها الإجتماعية.
وهكذا، بين الحرب على الجبهات والطمأنينة العائلية في الداخل الروسي، لا يبقى إلا سؤال واحد: هل يعود “الإبن الضال” إلى أهله في روسيا—أم أن الحرب نفسها ستعيد تعريف معنى العودة وطريقتها؟
*****
المصدر: الخبر المتعلق بعلاج والد سيرسكي في ضواحي موسكو نُشر في 5 كانون الثاني/يناير 2026 ونُسب إلى قناة وكالة «ريا كاتيوشا» الروسية للأنباء عبر منصات تيليغرام.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟