أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - خبر وتعليق - واشنطن تشخّص «مشكلة» الجيش الروسي… والخلل في القراءة لا في العقيدة














المزيد.....

خبر وتعليق - واشنطن تشخّص «مشكلة» الجيش الروسي… والخلل في القراءة لا في العقيدة


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 14:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الحادي والعشرين من كانون الثاني/يناير 2026، نقلت وسائل إعلام روسية، إستنادًا إلى مقال للمحلل العسكري الأمريكي روبن جونسون في مجلة 19FortyFive، رأيًا مفاده أن «المشكلة الرئيسية في الجيش الروسي ذات طابع بنيوي»، تتمثل في مركزية القيادة وضعف اللامركزية وغياب جسم قوي من الضباط الصغار.
ويبدو هذا التشخيص، للوهلة الأولى، منطقيًا من زاوية المدرسة العسكرية الغربية. ولكن، عند إخضاعه للتحليل الأعمق، يكشف عن سوء فهم بنيوي أوسع لطبيعة الجيش الروسي نفسه.
فالمسألة لا تتعلق بخلل تقني أو تنظيمي عابر، بل بتصادم فلسفتين مختلفتين جذريًا لبناء الجيوش وخوض الحروب.


جيش صُمّم للحرب الكبرى

الجيش الروسي، مثل الجيش السوفياتي من قبله، لم يُبنَ ليكون أداة تدخل محدود أو قوة لإدارة نزاعات صغيرة على أطراف العالم.
لقد صُمّم، تاريخيًا وعقائديًا، على فرضية واحدة كبرى:
•إحتمال الحرب الوجودية الشاملة أي الحرب الكبرى كما أشرت إلى ذلك في محاضرة قبل عامين ونيف.
•حرب لا تُخاض بعيدًا عن الحدود، بل قد تُفرض في عمق البلاد نفسها.
•حرب يكون فيها البقاء السياسي والجغرافي للدولة على المحك.

من هنا، فإن السمات التي يصفها محللون غربيون بأنها «مشكلة بنيوية» – مركزية القيادة، الإنضباط الصارم، الإعتماد على القوة النارية، وأولوية السيطرة من الأعلى – ليست أخطاء تصميم، بل إنعكاس مباشر لتجربة تاريخية قاسية تشكلت عبر الغزوات، والحروب الكبرى، ومساحات جغرافية لا تسمح بالمغامرة.

الإتحاد السوفياتي: قوة عظمى بلا حروب صغيرة

المفارقة اللافتة في تاريخ الإتحاد السوفياتي أنه، رغم كونه إحدى أعظم القوى العسكرية في القرن العشرين، نادرًا ما خاض حروبًا صغيرة أو متوسطة بالمعنى الكلاسيكي.
فالحرب العالمية الثانية كانت حرب بقاء مطلق. والحرب الباردة كانت صراعًا عالميًا بلا مواجهة مباشرة. أما التدخلات الخارجية، فغالبًا ما أُديرت عبر الحلفاء أو بالوكالة.
الإستثناء الأبرز يبقى حرب أفغانستان، التي كشفت بوضوح حدود نموذج الجيش السوفياتي حين يُزَجّ في حرب لم يُصمَّم لها: حرب عصابات طويلة، بيئة جبلية معقدة، وعدو غير نظامي مدعوم خارجيًا.
ولم تكن نتيجة تلك الحرب هزيمة عسكرية تقليدية، بقدر ما كانت إستنزافًا إستراتيجيًا خارج منطق العقيدة الأصلية.


الولايات المتحدة: جيش الحروب الصغيرة التي لا تنتهي

على النقيض، تشكّل الجيش الأمريكي، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، كأداة لإدارة حروب صغيرة ومتوسطة الشدة، ومتعددة، ومتكررة.
جيش عبور للمحيطات، لا جيش دفاع عن الوطن.
جيش تدخل، لا جيش تعبئة وجودية.
من كوريا وفيتنام، إلى العراق وأفغانستان، وصولًا إلى عشرات العمليات الأقل شهرة، بات من الممكن القول إن لكل رئيس أمريكي حربه الخاصة، أو أكثر.
هذه الخبرة الطويلة أنتجت ثقافة عسكرية مختلفة:
•تقديس الوحدات الصغيرة والمبادرة الفردية
•دور محوري للضابط الصغير في إتخاذ القرار
•حساسية سياسية عالية للخسائر البشرية
•إعتماد كثيف على التفوق الجوي والتكنولوجي
وهي خصائص فعالة جدًا في الحروب المحدودة، لكنها ليست بالضرورة معيارًا صالحًا للحكم على الجيوش المصممة للحروب الكبرى، وهو ما تركز عليه البروباغاندا الأمريكية كما تعرضها أفلام هوليوود عن حروب أمريكا التي لا تعد ولا تحصى.


الطائرات المسيّرة: نهاية الحشود أم إعادة تعريفها؟

يشير الكاتب الأمريكي إلى أن الإعتماد الروسي التقليدي على التشكيلات الكثيفة بات نقطة ضعف في عصر الطائرات المسيّرة.
غير أن الواقع الميداني يُظهر أن الحشود لم تختفِ، بل تغيّر شكل إستخدامها.
فخلال مسار العمليات الأخيرة في أوكرانيا، إنتقل الجيش الروسي تدريجيًا من منطق «الصدمة السريعة» إلى منطق الإستنزاف المنهجي، مع إعادة توزيع القوى، وتفكيك التجمعات والتمركزات الكبيرة، ودمج واسع للإستطلاع وضربات الطائرات المسيّرة.
وهو ما أكده العقيد المتقاعد أندريه ديمورينكو حين أشار إلى أن مفاهيم مثل «تركيز القوى» و«قطاع الإختراق» فقدت معناها الكلاسيكي، وهو ما أشرنا إليه في محاضرة أخرى ب"غياب معارك الدبابات التي طبعت الحرب العالمية الثانية".
هذا التحول لا يعكس إنهيارًا بنيويًا، بل عملية تكيّف قاسية تحت النار.


الضابط الصغير: إختلاف وظيفة لا غياب كفاءة

التركيز الغربي على «ضعف الضباط الصغار» في الجيش الروسي يعكس، في جوهره، إسقاطًا للنموذج الأمريكي على واقع مختلف.
فالضابط الصغير في العقيدة الروسية ليس قائدًا مستقلاً بالمعنى الغربي، بل جزء من منظومة قيادة أشمل، حيث تُضبط المبادرة الفردية ضمن إطار مركزي صارم.
وقد أظهرت التجربة أن هذا الإطار نفسه بدأ يتسع، تدريجيًا، بفعل الضرورة العملياتية، دون أن يفقد السيطرة العامة – أي أن ما يحدث الآن هو تكيّف محسوب لا قطيعة عقائدية.



الخلاصة

ما يصفه بعض المحللين الأمريكيين بأنه «المشكلة الرئيسية للجيش الروسي» ليس خللًا عارضًا، بل نتاج فلسفة عسكرية مختلفة جذريًا.
فالجيش الروسي لم يُبنَ ليخوض حروبًا صغيرة وقصيرة ونظيفة، بل ليستوعب صدمات كبرى، ويصمد في صراعات طويلة، ويعيد تشكيل نفسه تحت أقسى الظروف.

وفي عالم يتجه نحو حروب إستنزاف معقدة، قد يتضح أن الفارق الحقيقي ليس بين جيش «حديث» وآخر «تقليدي»، بل بين جيش صُمّم للحرب الكبرى…
وجيش لم يُضطر يومًا إلى خوضها فعلًا.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طوفان الأقصى 838 - من القرن الإفريقي إلى غزة: لماذا ستصطدم ت ...
- طوفان الأقصى 837 - الأزمة الإيرانية: حين تصبح طهران خط الدفا ...
- طوفان الأقصى 836 - أندريه أريشيف: «إيران مضطرة لأن تستلهم تج ...
- تألقي، يا مدينة بطرس: ذكرى إختراق حصار لينينغراد في الذاكرة ...
- طوفان الأقصى 835 - أسباب تراجع ترامب عن ضرب إيران
- طوفان الأقصى 834 - من عدن إلى الرياض: إعادة خلط أوراق اليمن ...
- حين يختار الكبار الصمت - فرضيّة «الإنتظار الإستراتيجي» في مو ...
- طوفان الأقصى 833 - الشرق الأوسط الجديد بدأ يتشكل
- في ذكرى عيد ميلاده - عبد الناصر: الدولة، الكرامة، والهزيمة ا ...
- طوفان الأقصى 832 - إيران في مرآة الشارع الروسي: إحتجاج الداخ ...
- قليل من الإقتصاد - من بريتون وودز إلى جامايكا: كيف صُنِع عال ...
- طوفان الأقصى 831 - حين يصطدم المشروع الأميركي بالجدار الأورا ...
- قليل من الإقتصاد - إرتفاع نفط برنت… بين حسابات ترامب وإمتلاء ...
- طوفان الأقصى 830 - إيران على مفترق القيم والمصالح
- الصين بين الواقعية الإستراتيجية وإغراء “محور المقاومة”
- طوفان الأقصى 829 - لعبة إيران الكبرى: هل تمتلك روسيا أوراق ا ...
- طوفان الأقصى 828 - «حرب الذاكرة: الجزائر تُحاكم ماضي فرنسا ا ...
- ألكسندر دوغين - روسيا تبدأ بالتراجع، و«علينا أن نغيّر شيئاً… ...
- طوفان الأقصى 827 - إيران كما لم تُقرأ بعد: الأسباب الحقيقية ...
- ألكسندر دوغين - مسار التحوّلات الكبرى:التمسّك بالوضع القائم ...


المزيد.....




- هجوم كلب شرس في دورشستر يخلّف صدمة نفسية وإصابات خطيرة
- يُلقّب بـ-الهامس في أذن ترامب-.. من هو مارك روته الأمين العا ...
- أول تعليق لترامب بعد انتهاء اجتماعه مع زيلينسكي في دافوس
- مسؤول فلسطيني: معبر رفح سيُفتح الأسبوع المقبل في كلا الاتجاه ...
- بريطانيا تقرر إعادة جزر تشاغوس، وترامب يعترض
- الرئيس الإسرائيلي: مستقبل إيران -لا يمكن أن يكون إلا بتغيير ...
- إطلاق دينامية جديدة لحزب التقدم والإشتراكية بالفداء مرس السل ...
- من السخرية إلى الحملات التسويقية.. الطلبيات تنهال على نظارات ...
- بيان صادر عن الملتقى الوطني لدعم المقاومة وحماية الوطن
- مجلس السلام: ماهي آليات عمله وماهي مهامه؟


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - خبر وتعليق - واشنطن تشخّص «مشكلة» الجيش الروسي… والخلل في القراءة لا في العقيدة