أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - «غزة الجديدة»… حين يرتدي المشروع الإستعماري بدلة إستثمارية أنيقة














المزيد.....

«غزة الجديدة»… حين يرتدي المشروع الإستعماري بدلة إستثمارية أنيقة


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 20:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تحقيق د. زياد الزبيدي

29 كانون الثاني/يناير 2026

ليست كل الخطط الاقتصادية مشاريع تنمية، ولا كل صور الأبراج الزجاجية تعني نهضة. أحياناً تكون الرسومات المعمارية غطاءً سياسياً، وتكون لغة الإستثمار ستاراً لعملية إعادة تشكيل جغرافي وسيادي عميقة. هذا بالضبط ما يذهب إليه المؤرخ والكاتب الروسي فاليري بورت في مقاله المنشور في 27 كانون الثاني/يناير 2026، حيث لا يقرأ ما يُسمّى «خطة إعادة إعمار غزة» بوصفها مبادرة إنسانية، بل بوصفها مشروعاً سياسياً ذا طبيعة إستعمارية حديثة، أعيدت صياغته بلغة السوق.
منذ العنوان، يضع الكاتب القارئ في أجواء القراءة الصحيحة: «جاريد كوشنر ينظر إلى غزة بشهية».
غزة هنا لا تُقدَّم كأرض منكوبة تبحث عن نجاة، بل كـ فرصة كامنة، كمساحة قابلة لإعادة التوظيف، كأرض لم تُستثمر بعد كما ينبغي.

بين الركام والشاشات الرقمية

يصف بورت العرض الذي قُدّم في دافوس بعبارات تكاد تكون سينمائية: ناطحات سحاب، موانئ حديثة، مطار، ممرات لوجستية، مناطق صناعية، أبراج متعددة الوظائف على الساحل. صورة مستقبلية براقة تكاد تمحو من الذاكرة ما حدث قبلها. لكن المفارقة التي يتوقف عندها الكاتب تكمن في الهوّة بين المشهدين: «الصور الحاسوبية تعرض يوتوبيا عمرانية، بينما الأرض التي يُفترض أن تقوم عليها هذه المدينة ما تزال مشبعة بالدم والركام».
ليست المسألة فارقاً زمنياً بين الحرب وإعادة البناء، بل فارق في النظرة. غزة، في هذا التصور، لا تظهر بوصفها مجتمعاً سياسياً له تاريخ وصراع وحقوق، بل بوصفها قطعة أرض قابلة لإعادة التطوير.
وفي عبارة لافتة يوردها الكاتب عن كوشنر: «إنه من أولئك الذين يرون الإمكانات ويحوّلونها إلى مال».
ليست هذه جملة تعريف شخصية، بل مفتاح قراءة للخطة كلها: العقل الذي يصوغ المشروع هو عقل المطوّر العقاري، لا عقل الوسيط السياسي ولا رجل الدولة.

الإستعمار حين يتكلم لغة السوق

يبلغ المقال ذروته التحليلية حين ينقل بورت عن المؤرخ اليهودي البريطاني–الإسرائيلي آفي شلايم قوله: «خطة كوشنر لغزة مشروع إستعماري كلاسيكي يتجاهل بالكامل حقوق وتطلعات السكان المحليين».
بهذه العبارة ينتقل النص من السرد إلى التشخيص النظري. فالقضية، وفق هذا المنظور، ليست إعادة إعمار منطقة مدمّرة، بل إعادة تعريف من يملك الأرض ومن يقرر مستقبلها.
حين تحدث كوشنر سابقاً عن ضرورة «تنظيف أجزاء من غزة يمكن أن تكون قيّمة جداً»، يرى بورت أن المفردة الأساسية هنا ليست عسكرية فقط، بل إقتصادية. «القيمة» لا تُقاس بعدد السكان أو بحقوقهم، بل بإمكانيات الإستثمار والسياحة والعقار. هكذا تتحول الجغرافيا من فضاء سياسي إلى أصل إقتصادي.
إنه منطق قديم بثوب جديد: الأرض تُقدَّم بإعتبارها غير مستثمرة كما يجب، والسكان يُنظر إليهم بوصفهم مشكلة إدارة، والحل يُقدَّم بوصفه تحديثاً إقتصادياً.

إعادة هندسة المجتمع لا إعمار الحجر

الفقرة الأكثر إثارة للجدل في المقال تتعلق بمصير مقاتلي حماس، حيث يشير العرض – كما ينقل بورت – إلى أن: «أعضاء حماس سيُكافأون بالعفو وإعادة الإندماج أو المرور الآمن، وبعضهم سيُدمج في الشرطة الفلسطينية الجديدة بعد تدقيق شامل».
لكن خلف اللغة الإنفعالية، هناك إشارة سياسية أعمق: الخطة لا تتعامل مع غزة كمساحة يجب أن تُحلّ مشكلتها السياسية، بل كفضاء يجب إعادة تشكيل بنيته الأمنية بما يتوافق مع نظام جديد يُبنى من الخارج. المسألة ليست مصالحة داخلية، بل إعادة هندسة للفاعلين المحليين.

«الريفيرا الجديدة» فوق طبقات من العظام

حين يذكّر بورت بوصف ترامب لغزة المستقبل بأنها «الريفيرا الشرق أوسطية»، يضع بجانبه صورة رمزية مأخوذة من عمل فني: طفل على شاطئ غزة المستقبلي يحفر في الرمل ويستخرج جماجم بشرية. المشهد ليس تفصيلاً فنياً، بل خلاصة مكثفة للفكرة:
الإزدهار الإقتصادي الموعود يقوم فوق تاريخ لم يُحلّ، وفوق ذاكرة عنف لم تُعالج سياسياً. التجميل العمراني لا يمحو الجروح، بل قد يدفنها تحت الإسفلت والزجاج.

من غزة إلى أوكرانيا… النموذج يتكرر

في ختام مقاله، يلمّح بورت إلى أن وجود كوشنر ضمن فريق التفاوض الأمريكي حول أوكرانيا ليس صدفة، ويكتب ما معناه أن أحداً لن يُفاجأ إذا ظهر غداً مشروع «أوكرانيا الجديدة». هنا تتضح الصورة الكبرى: ما يجري ليس مبادرة معزولة، بل نموذج لإدارة مناطق ما بعد الحروب.
صراع، دمار، فراغ سياسي، ثم دخول رأس المال تحت عنوان الإعمار، مع إعادة تشكيل البنية الأمنية والسياسية. هكذا يتحول الدمار إلى فرصة، وتتحول التسوية إلى مدخل لإعادة توزيع النفوذ.

السؤال الذي يتجنب الجميع طرحه

في النهاية، لا يهاجم مقال فاليري بورت فكرة إعادة إعمار غزة بحد ذاتها، بل يهاجم الفلسفة الكامنة خلفها. الفكرة التي تتردد بين السطور يمكن تلخيصها في سؤال واحد: لمن ستُبنى غزة الجديدة، ومن سيملك قرارها؟
فإذا كان الإعمار يعني تغيير البنية الديموغرافية، وإعادة هندسة الأجهزة الأمنية، وربط الإقتصاد بشبكات إستثمار خارجية، فإننا لا نكون أمام مشروع تنموي، بل أمام إعادة تأسيس سياسية كاملة، مغلّفة بلغة السوق والفرص.
وهنا، كما يوحي المقال، لا يعود الإعمار فعلاً إنسانياً خالصاً، بل يصبح أداة لإعادة إنتاج ميزان القوة — ولكن هذه المرة عبر الأبراج الزجاجية والممرات اللوجستية، لا عبر الدبابات وحدها.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ستستخدم روسيا الأسلحة النووية ضد ألمانيا وبريطانيا إذا إستمر ...
- الشمال السوري بعد النفط: كيف تغيّر واشنطن قواعد اللعبة وتُعا ...
- قبل أن تُطلق الصواريخ… يبدأ الإضطراب
- ألكسندر دوغين عن المسيح الدجال 2.0: رؤية بيتر ثيل التنبؤية
- ريتشارد هاس وإيران: واشنطن تفكر بتأن وتل أبيب في عجلة من أمر ...
- ألكسندر دوغين: الغرب الواحد لم يعد موجوداً (برنامج إيسكالاتس ...
- مصر بعد مبارك: من زلزال الثورة إلى معادلة الإستقرار القَلِق ...
- ألكسندر دوغين - إحتجاجات إيران 2026: فتنة مدفوعة من الخارج
- طوفان الأقصى 840 - «مجلس السلام»: حين يُعاد تعريف السلام خار ...
- ألكسندر دوغين حول مجلس السلام - التحديات والرد المطلوب من رو ...
- ألكسندر دوغين يدلي بدلوه حول أحداث إيران
- خبر وتعليق - واشنطن تشخّص «مشكلة» الجيش الروسي… والخلل في ال ...
- طوفان الأقصى 838 - من القرن الإفريقي إلى غزة: لماذا ستصطدم ت ...
- طوفان الأقصى 837 - الأزمة الإيرانية: حين تصبح طهران خط الدفا ...
- طوفان الأقصى 836 - أندريه أريشيف: «إيران مضطرة لأن تستلهم تج ...
- تألقي، يا مدينة بطرس: ذكرى إختراق حصار لينينغراد في الذاكرة ...
- طوفان الأقصى 835 - أسباب تراجع ترامب عن ضرب إيران
- طوفان الأقصى 834 - من عدن إلى الرياض: إعادة خلط أوراق اليمن ...
- حين يختار الكبار الصمت - فرضيّة «الإنتظار الإستراتيجي» في مو ...
- طوفان الأقصى 833 - الشرق الأوسط الجديد بدأ يتشكل


المزيد.....




- عاد اهتمام أمريكا بالنفط العالمي.. فهل يعيد التاريخ نفسه؟
- هذا ما يأمل هارفي ماسون جونيور تحقيقه في حفل جوائز غرامي الم ...
- فيديو يظهر ميلانيا ترامب تقرع جرس افتتاح بورصة نيويورك
- بيان للخارجية المصرية بعد احتجاز 4 مصريين على متن سفينة فى إ ...
- وزير الخارجية الأمريكي: النظام الإيراني قد يكون أضعف من أي و ...
- نوري المالكي وترامب: هل يصل رئيس الوزراء السابق إلى الحكومة ...
- منع المكياج في أوقات العمل بقرار رسمي من محافظة اللاذقية
- إلهان عمر تعلق على تعرضها لهجوم بسائل مجهول في مينيابوليس -ل ...
- تفشي فيروس نيباه في الهند: مخاوف في آسيا وتشديد في المطارات ...
- السلطات الألمانية تداهم مكاتب -دويتشه بنك- على خلفية شبهات ت ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - «غزة الجديدة»… حين يرتدي المشروع الإستعماري بدلة إستثمارية أنيقة