أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - إيران 1953: الجرح الذي لم يلتئم — عندما أُطيح بالديمقراطية بإسم “حمايتها”














المزيد.....

إيران 1953: الجرح الذي لم يلتئم — عندما أُطيح بالديمقراطية بإسم “حمايتها”


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 23:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

5 شباط/فبراير 2026


في كل مرة يُرفع فيها شعار «الديمقراطية» في الخطاب الغربي تجاه إيران، يعود التاريخ ليطرح سؤالًا مُحرجًا: من الذي خنق التجربة الديمقراطية الإيرانية الأولى؟

مقال الكاتبة الروسية ماريا كيتش المنشور في 15 يناير 2026 على منصة تيليغرام، يعيد فتح هذا الملف الذي لا يزال، بعد سبعين عامًا، يشكّل أحد الجذور العميقة للعداء الإيراني للغرب. النص لا يروي حادثة تاريخية فحسب، بل يكشف عن نموذج سياسي تكرّر لاحقًا في العالم النامي: إسقاط حكومات منتخبة حين تتعارض السيادة الوطنية مع المصالح الإستراتيجية والإقتصادية الكبرى.


أولاً: مصدق… حين حاولت دولة نفطية أن تصبح دولة ذات سيادة

عام 1951 لم يكن مجرد سنة سياسية في إيران، بل لحظة فاصلة.
وصول محمد مصدق إلى رئاسة الوزراء عبر البرلمان مثّل صعود مشروع وطني واضح: “الثروة الوطنية للإيرانيين، لا للشركات الأجنبية”.
قرار تأميم النفط لم يكن مجرد إجراء إقتصادي؛ بل إعلان سيادة في وجه منظومة إستعمارية قديمة. شركة النفط الأنجلو–إيرانية، التي ستصبح لاحقًا British Petroleum، لم تكن شركة فحسب، بل كانت ذراعًا جيوسياسيًا لبريطانيا.
مصدق لم يكن رجل أيديولوجيا ثورية، بل ليبراليًا وطنيًا علمانيًا يؤمن بالدستور والبرلمان. لكنه إرتكب — من منظور الإمبراطوريات — خطيئة كبرى: «وضع الموارد الوطنية فوق توازنات النفوذ الدولي»


ثانيًا: من “النفط” إلى “الخطر الأحمر” — صناعة الذريعة

تُظهر كيتش كيف تحوّل النزاع من إقتصادي إلى أمني.
فبعد المقاطعة النفطية، دخلت لغة الحرب الباردة إلى المشهد: «لم يعد مصدق مجرد مؤمم للنفط، بل خطرًا قد يفتح الطريق أمام نفوذ سوفياتي»، هذا التحول في السردية كان حاسمًا.
عندما تعجز القوة عن كسر القرار الإقتصادي، يُعاد توصيفه كتهديد أيديولوجي.


ثالثًا: عملية “أجاكس” — هندسة الفوضى

الإنقلاب لم يكن حدثًا عفويًا. كان عملية إستخبارية نموذجية:
•تمويل إضطرابات
•شراء صحفيين ورجال دين وسياسيين
•صناعة رواية إعلامية تصوّر رئيس الوزراء المنتخب كـ فاسد، مضطرب، ومتعاطف مع الشيوعية
«الفوضى لم تكن نتيجة، بل أداة»
المرحلة الأخطر، كما تشير الكاتبة، كانت إخراج الشاه من المشهد مؤقتًا ثم إعادته كمنقذ.
هنا تتحول الشرعية من الشعب إلى “الإستقرار المدعوم خارجيًا”.


رابعًا: لحظة 19 آب 1953 — حين إنتصرت الجيوسياسة على الديمقراطية
في 19 أغسطس، اعتُقل مصدق.
لم تسقط حكومة، بل سقطت فكرة: أن دولة نامية يمكن أن تمارس سيادة إقتصادية حقيقية داخل النظام الدولي.
مصدق رد لاحقًا بعبارة تختصر المفارقة: «الشرارة الإلهية لم تكن في قلوب الإيرانيين، بل في توقيع سمح بتبادل حرية أمة كاملة مقابل حصة في كونسورتيوم نفطي».
هذه الجملة — سواء وردت حرفيًا أم بصيغتها الرمزية — تعبّر عن جوهر اللحظة:
الديمقراطية قايضتها الجيوسياسة بالموارد.


خامسًا: ما بعد الإنقلاب — ولادة الإستبداد المدعوم

إعادة الشاه لم تكن إستعادة نظام، بل بناء نظام جديد:
•سلطة مطلقة
•جهاز أمني (السافاك)
•إرتباط عضوي بالولايات المتحدة
«منذ تلك اللحظة، لم يعد الحكم في طهران يُستمد من صندوق الإقتراع، بل من توازنات الحرب الباردة».
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
القوى التي رفعت شعار “إحتواء الإستبداد السوفياتي” ساهمت في ترسيخ إستبداد حليف.

سادسا: لم يكن ما جرى في طهران صيف 1953 حادثةً معزولة في سجلّ الحرب الباردة، بل بدا وكأنه المخطط الأول لنمطٍ سيتكرر كلما حاولت دولة من العالم النامي إعادة تعريف سيادتها الإقتصادية. فبعد عام واحد فقط، وعلى بعد آلاف الكيلومترات، كانت غواتيمالا تعيش المشهد ذاته بصيغة أخرى: رئيس منتخب يسعى إلى إصلاح زراعي يلامس مصالح شركة أمريكية عملاقة، فتتحول التنمية فجأة إلى “تهديد أيديولوجي”، ويُعاد تشكيل الواقع عبر تدخل خفي يعيد السلطة إلى مسار أكثر توافقًا مع حسابات الخارج. ثم بعد عقدين، يتردد الصدى في تشيلي؛ هناك لم تكن الأرض ولا النفط، بل النحاس — العصب المعدني للإقتصاد — هو ما فجّر الصدام. سلفادور أليندي، الذي وصل عبر صناديق الإقتراع، وجد نفسه داخل المعادلة نفسها: قرار سيادي داخلي يُقرأ في العواصم الكبرى كإختلال إستراتيجي يستوجب “التصحيح”.
في الحالات الثلاث تتبدل الجغرافيا، وتختلف الشعارات، لكن البنية العميقة تبقى واحدة: ثروة وطنية يعاد تعريفها كمصلحة دولية، حكومة منتخبة تتحول فجأة إلى “مشكلة أمنية”، وتدخل إستخباري يعمل في الظل لإعادة ضبط التوازن. وكأن التاريخ يهمس في كل مرة بالعبارة ذاتها: «حين تلامس السيادة الإقتصادية خطوط المصالح الكبرى، لا تُلغى الديمقراطية صراحةً — بل يُعاد رسم حدودها».

سابعًا: الجرح المفتوح في الذاكرة الإيرانية

الثورة الإسلامية عام 1979 لم تنشأ من فراغ.
في الوعي الإيراني، 1953 هو اللحظة التي أثبتت أن: «الغرب لا يعارض الإستبداد… بل يعارض الإستبداد غير الموالي له».
لذلك، كل خطاب غربي عن “الديمقراطية في إيران” يُستقبل هناك عبر مرآة مصدق.


خاتمة: الدرس الذي تجاهله العالم

تجربة مصدق تطرح سؤالًا يتجاوز إيران: هل يُسمح للديمقراطية أن تكون سيادية؟أم أنها تُقبل فقط ما دامت لا تمس توازنات القوة العالمية؟
الإنقلاب على مصدق لم يكن مجرد عملية سرية؛ كان إعلانًا غير مكتوب: «السيادة في الدول الضعيفة قابلة للتفاوض».
ومن هنا، فإن أزمة الثقة بين إيران والغرب ليست نتاج 1979،
بل امتداد مباشر لصيف 1953.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «الناتو الإسلامي» في مواجهة المحور الإسرائيلي–الهندي
- هل تقترب الضربة؟ أربع سيناريوهات «للحرب الأميركية الجديدة» ع ...
- إسرائيل كضحية محتملة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط
- هل تقترب لحظة الصدام؟ الإستراتيجية الأمريكية تجاه إيران بين ...
- من روجافا إلى الجولان: ما الذي باعه الشرع لواشنطن؟
- بيريسليغين: الحسم ليس في دونباس… بل في أوديسا حيث تُكسر أوكر ...
- إيران في قلب الصراع على النظام العالمي: هل تضرب واشنطن الصين ...
- الصين عند مفترق “1937”: التطهيرات العسكرية بين إعادة الضبط ا ...
- «غزة الجديدة»… حين يرتدي المشروع الإستعماري بدلة إستثمارية أ ...
- ستستخدم روسيا الأسلحة النووية ضد ألمانيا وبريطانيا إذا إستمر ...
- الشمال السوري بعد النفط: كيف تغيّر واشنطن قواعد اللعبة وتُعا ...
- قبل أن تُطلق الصواريخ… يبدأ الإضطراب
- ألكسندر دوغين عن المسيح الدجال 2.0: رؤية بيتر ثيل التنبؤية
- ريتشارد هاس وإيران: واشنطن تفكر بتأن وتل أبيب في عجلة من أمر ...
- ألكسندر دوغين: الغرب الواحد لم يعد موجوداً (برنامج إيسكالاتس ...
- مصر بعد مبارك: من زلزال الثورة إلى معادلة الإستقرار القَلِق ...
- ألكسندر دوغين - إحتجاجات إيران 2026: فتنة مدفوعة من الخارج
- طوفان الأقصى 840 - «مجلس السلام»: حين يُعاد تعريف السلام خار ...
- ألكسندر دوغين حول مجلس السلام - التحديات والرد المطلوب من رو ...
- ألكسندر دوغين يدلي بدلوه حول أحداث إيران


المزيد.....




- المحادثات النووية: اتصالات بين عراقجي ونظرائه في مصر وقطر وا ...
- -جنة الوحش-.. عرض مسرحي يسخر من ترامب عبر شخصية ملك لا يشبع ...
- الجيش الإسرائيلي يتوغل في ريف القنيطرة ويعتقل مواطنا
- العثور على مقبرة جماعية بحي التضامن في دمشق
- المشري: حفتر ونجله مستفيدان سياسيا من غياب سيف الإسلام
- بعد تقارير عن تعثرها.. عراقجي: المحادثات مع أمريكا الجمعة في ...
- هل يمكن إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في ظل التحديا ...
- رئيس حكومة لبنان ليورونيوز: قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحد ...
- من الإذلال إلى السجن والإعدام.. تقرير حقوقي يوثق قمع كوريا ا ...
- المغرب: فيضانات تاريخية تهدد بغمر مدينة القصر الكبير بالكامل ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - إيران 1953: الجرح الذي لم يلتئم — عندما أُطيح بالديمقراطية بإسم “حمايتها”