أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالله عطوي الطوالبة - أخوان الصفاء وخلان الوفاء (4) رؤيتهم للدين وتأويلهم الرمزي للجنة والنار















المزيد.....

أخوان الصفاء وخلان الوفاء (4) رؤيتهم للدين وتأويلهم الرمزي للجنة والنار


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 13:50
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ة
كشف أخوان الصفاء في رسائلهم عن ميزة ليس من السهولة اظهار الناس عليها في مجتمعاتنا اليوم في القرن الحادي والعشرين، فكيف قبل ألف سنة ونيف، وبوجود سلطة قروسطية باطشة لا ترحم. المِيزة المقصودة، اجتهادهم في موضوع الدين وفهمهم له. فالدين الذي توافقوا واتفقوا عليه، غير المتبع في زمنهم. ولعل أول تبديات ذلك، دعوتهم لأتباعهم إلى عدم التعصب لأي عِلم أو مذهب. في الرسالة الخامسة والأربعين نقرأ:" ينبغي لاخواننا ألاَّ يُعادوا عِلماً من العلوم أو يهجروا كتاباً من الكتب ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب؛ لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم كلها". هنا، نحن أمام دعوة إلى التسامح وشمولية المعرفة تفتقر إليهما معظم تنظيمات الاسلام السياسي وأحزابه اليوم في القرن الحادي والعشرين إن لم يكن كلها، ناهيك برفض التعصب والتحجر الفكري. والأهم من ذلك ما يتراءى لنا من رؤية عميقة، عازمة على البحث عن فهم أعمق للإنسان والحياة والكون.
وليس يفوتنا أيضًا أن نسجل دعوة أخوان الصفاء في هذا القول إلى وضع نظام ديني مختلف، يحل محل شريعة لم يعد لديها ما تقدمه. دعوة تشف سطورها عن نداءٍ إلى دين عالمي منفتح على الثقافات والفلسفات والأديان كلها. لذا، لا نستغرب رؤيتهم بأن الأديان في جوهرها واحدة، وأن البراهين ميزان العقول، والذرع والكيل والشاهين موازين الحواس.
يتوسع أخوان الصفاء في رؤيتهم التي نحن بصددها، ويضيفون جديدًا لا يقل أهمية وعمقًا عما سبقت الإضاءة عليه. ففي رسالتهم السابعة يقولون:" فاجتهد يا أخي أن تبين الحق لكل صاحب دين ومذهب مما هو في يده، أو مما هو متمسك به، وتكشف عنه الشبهة التي دخلت عليه...ولا تمسك بما أنت عليه من دينك ومذهبك، واطلب خيرًا منه، فإن وجدت فلا يسعك الوقوف على الأدون، ولكن يجب عليك الأخذ بالأخير الأفضل، والانتقال إليه، ولا تشتغلن بذكر عيوب مذاهب الناس، ولكن انظر: هل لك مذهب بلا عيب؟".
موقف نقدي من الدين، أي دين، ومن التمسك بالموروث والمذاهب دون استثناء. ودعوة صريحة للتحلي بالتفكير النقدي، أين منها اسلاميو القرن الحادي والعشرين، بل وأين منها مدارس سياسية وفكرية في مجتمعاتنا غير الاسلاميين؟!
موقف ودعوة يستحضران أحد أهم ركائز المنظومة الفكرية لأخوان الصفاء، وتتمثل في تأكيد أهمية دور العلم والمعرفة والفضيلة في البحث عن الحقيقة وتصحيح المسار.
ويرى الدكتور حسين مروة في موسوعته "النزعات المادية في الفلسفة العربية"، أن مواقف أخوان الصفاء في نقد الأديان لا تستثني الشريعة الاسلامية. لكنهم فعلوا ذلك بأساليب مواربة، لأسباب معروفة أنف بيانها. وبذلك فقد لجأوا إلى ما استخدمه الصوفية، وعلى وجه التحديد تصنيف الشريعة إلى ظاهر وباطن. الأول، يصلح للعامة، فيداوي النفوس المريضة الضعيفة. أما الثاني، أي الباطن، فهو نتاج العقول القوية بالحِكمة العميقة المستمدة من الفلسفة. وعليه، يرى أخوان الصفاء "أن الذي يصلح للخواص البالغين في الحكمة، الراسخين في العلوم...هو النظر في أسرار الدين، وبواطن الأمور الخفية وأسرارها المكنونة".
على صعيد أخذهم بالظاهر والباطن، قالوا في رسالتهم السادسة والأربعين:"إن للكتب الإلهية تنزيلات ظاهرة، هي الألفاظ المقروءة والمسموعة، ولها تأويلات خفية باطنة، هي المعاني المفهومة المعقولة". والعلاقة بين الظاهر والباطن جدلية، فالمعاني " في الكلام كالأرواح، وألفاظها أجساد لها، فلا سبيل إلى قيام الأرواح إلا بالأجساد"(الرسالة 31).
ويؤكدون في السياق ذاته أن الباطن يجب أن يؤخذ من المعنى المستفاد من اللفظ:"واعلم أن الألفاظ محتملة المعاني، والأوهام تذهب في طلبها كل مذهب، فينبغي لك إذا سمعت لفظة محتملة للمعاني، ألا تحكم عليها دون أن يتبين بعقلك كل المعاني التي تحتملها تلك اللفظة، لعلك تفهم الغرض الأقصى الذي هو الصواب، وتبلغ الغاية القصوى التي هي الحق"(الرسالة 45).
وفي تفسيرهم لظاهر الدين وباطنه، قالوا إن الأول مرقاة للثاني، ويحتفظ بدوره حتى بعد ادراك الباطن. والقول بالظاهر والباطن، أحد أساليب التقريب بين الفلسفة والدين من خلال التأويل.
على أرضية الظاهر والباطن، العبادة عند أخوان الصفاء نوعان: العبادة الشرعية الناموسية، والعبادة الفلسفية الإلهية. من هنا، فالاعتراف بأحكام الشريعة وطقوسها وقوانينها شكلي، وفي آخر الأمر يخضع للتأويل الباطني من قِبَلِ الراسخين في العلم. ويلتقي أخوان الصفاء مع الصوفية في تحديد "الراسخين في العلم"، وذلك في إطار مفاهيم التأويل الباطني. ومن ذلك على سبيل المثال، تأويل أخوان الصفاءء للحج إلى مكة. فالتفسير الباطني للحج ليس كما يفهمه في الظاهر غير الراسخين في العلم، وإنما هو في "حقيقته" مثال لطواف الإنسان في الأرض. وعندهم ايضًا المفهوم الباطني للنبوة، أنها أثر فلكي. وهو ما يُفهم من قولهم في رسالتهم السادسة: "ينبث من جُرم عطارد قوة روحانية تسري في جميع جسم العالم وأجزائه، بها تكون المعارف، والاحساس في العالم، والخواطر، والالهام، والوحي والنبوة والعلوم أجمع".
إن تفسير أخوان الصفاء للنبوة بأنها أثر فلكي، إنما ينطلق من أثر مادي. وإذا ما أضفنا إلى ذلك دعوتهم المومأ إليها فوق لشريعة ومجتمع منفتحين على مصادر المعرفة والثقافات والفلسفات والأديان، نكون أمام دعوة تشف عنها رسائلهم إلى رفض مفهوم الشريعة الذي تتأسس عليه أيديولوجيا السلطة الحاكمة في زمنهم، أي الخلافة العباسية.
بخصوص النبوة أيضًا، ذهبوا إلى أن الوحي في اليقظة نوعان: "استماع صوت من غير رؤية مصدر الصوت، واستماع كلام من غير رؤية شخص المتكلم"، وهو ما يعني انكارهم النزول الحسي للوحي.
ولقد اعتمد أخوان الصفاء التأويل الرمزي للحياة الآخرة، بما ينسجم مع منظومتهم الفلسفية. فالجنة ربطوها بالمعرفة والنور العقلي، والنار بمنظورهم، كما نقرأ في رسالتهم السادسة عشرة، هي الجهل والظلمة الروحية. في السياق ذاته، أوَّلُوا الثواب والعقاب الحسي في الجنة والنار.
فمن الآراء الفاسدة برأيهم " من يظنون أن جهنم هي خندق محفور، كبير واسع، مملوء من نيران تشتعل وتلتهب، وأن الله -تعالى- يأمر الملائكة - قصداً منه وغيظاً على الكفار - أن يأخذوهم ويرموهم في ذلك الخندق، ثم إنه كلما احترقت أجسادهم وصارت فحماً ورماداً أعاد فيها الرطوبة والدم حتى تشتعل من الرأس ثانياً كما اشتعل أول مرة، وهكذا يكون دأبهم أبداً ". يرى أخوان الصفاء في هذا الرأي
إساءة إلى الله -تعالى- والاعتقاد بأن فيه من الحقد وقِلَّة الرحمة لخلقه تعالى الله عمَّا يقولون علواً كبيراً.
ومن الاعتقادات والآراء المحيِّرة وفق منظومتهم الفلسفية، التي تبعث على الشك والريبة، اعتقاد الإنسان أنه يباشر الأبكار في الجنة ويلتذ بها، وأن يرجو الجنة بعد خراب السموات وطيها كطي السجل للكتب. واعتقاده أن الأعمال تُجعل في كفتي الميزان، وأن يعتقد بسؤال منكر ونكير في القبر من جسد الميت، وأن يعتقد أن في الجحيم تنانين وثعابين وأفاعيَ يأكلن الفساق، وما شاكل هذه الاعتقادات المؤلمة لنفوس معتقديها.
باختصار، هذا يعني أن أخوان الصفاء يتخفظون على التفسير الحسي للجنة والنار، ويركزون على المفهوم الرمزي الروحي. للتوضيح أكثر، الجنة والنار بمنظورهم حالات نفسية وروحية وليست مكانين ماديين، وهم بذلك يبدون متأثرين بالفلسفة المادية.
لا يكتمل الحديث عن فهمهم للدين من دون الإضاءة على رأيهم ب"الإمامة"، الذي يتجلى في العديد من رسائلهم لا سيما الرسالة الثانية. الإمام بحسبهم، ينبغي أن تجتمع فيه ستٌّ وأربعون صفة، تضعه في منزلة النبوة. وإن لم يتفق واجتمعت تلك الخِصال في واحد، "تكون متفرقة في جماعتهم التي اجتمعت على رأي واحد، وائتلفت قلوبهم على محبة بعضهم بعضًا...فإن كنت عازمًا(الكلام موجه لأعضاء جماعتهم) على اصلاح الدين والدنيا، فهلُمَّ نجتمع مع جماعة أخوان فضلاء...".
الكلام واضح ولا يحتاج إلى مزيد بيان، حيث يطرح أخوان الصفاء أنفسهم بديلًا لنظام حُكم الخلافة العباسية. وهو ما يُفهم من قولهم "إن الإمام المنتظر ليس مختفيًا، بل ظاهر بين الناس"، وكأنهم يقولون إن جماعتهم هي هذا الإمام. (يتبع).



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أميركا إذ تسعى لتحقيق وحدة بلاد الشام !
- وقد لا يقع العدوان!
- الأحمق
- بصراحة عن آفة المخدرات
- كذبة تاريخية كبرى!
- أخوان الصفاء وخلان الوفاء (3) رفضهم للإستبداد وإيمانهم بالتغ ...
- الإعلام الفاشل الفاقد الرؤية.
- أخوان الصفاء وخلان الوفاء (2) رسائلهم وملامح عصرهم
- لتذكير الأخوان المسلمين خص نص!
- أخوان الصفاء وخلان الوفاء (1) أصل التسمية ومنهجية العمل
- لورنس يعترف!
- لعبة الأمم (9) وأخيرة عدوان 1967
- العرب والإيرانيون تحت مجهر النضج السياسي.
- لعبة الأمم (8) شيطنة عبدالناصر
- صفحات معتمة من ماضينا
- وحدة الضفتين!
- لعبة الأمم (7) المؤلف يكذب
- ماذا بعد القرصنة؟!
- لعبة الأمم (6) استراتيجية عبدالناصر بايجاد الكتل الدولية في ...
- في وداع عام واستقبال آخر. جدلية الإنسان والزمن


المزيد.....




- إليكم ثلاثة مصطلحات استخدمتها CNN للبحث في 3 ملايين صفحة من ...
- ليدي غاغا تتحوّل إلى -ساحرة- في إطلالات حفل جوائز غرامي
- فيديو لـ-لحظة خروج صواريخ باليستية من مخازنها في إيران-.. ما ...
- -من جنسيات عربية-.. وزير الداخلية الكويتي يشرف على ضبط -تشكي ...
- حريق غامض في قلب طهران والدخان يغطي أحياء واسعة.. ما الذي حد ...
- فرح ودموع في غزة مع عودة فلسطينيين إلى القطاع بعد فتح معبر ر ...
- قصف روسي جديد يهز كييف بعد وساطة ترامب.. وزيلينسكي يتهم موسك ...
- البرازيل: آلاف في ريو دي جانيرو يحيون طقوس تكريم إلهة البحر ...
- أخبار اليوم: محكمة تونسية تشدد أحكاما بالسجن على معارضين
- فضيحة إبستين ـ ميركل وحزب -البديل- ضمن وثائق التحقيق


المزيد.....

- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في منهجية البحث والمكتبة وتحقيق المخطوطات ( كتاب مخط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالله عطوي الطوالبة - أخوان الصفاء وخلان الوفاء (4) رؤيتهم للدين وتأويلهم الرمزي للجنة والنار