أسامة الأطلسي
الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 20:28
المحور:
القضية الفلسطينية
بعد أشهر طويلة من الحرب والانهيار الإنساني، يبدو أن غزة تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. فمع الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، يبرز حديث جدي عن إنشاء “مدينة إنسانية” في جنوب القطاع، كمنطقة منزوعة السلاح، خارجة عن سيطرة الفصائل المسلحة، وعلى رأسها حركة حماس. هذا الطرح، مهما اختلفت القراءات حوله، يفتح نافذة نادرة للأمل في مكان اعتاد على خيبات متتالية.
الفكرة في جوهرها ليست مجرد مشروع عمراني أو ترتيبات إغاثية مؤقتة، بل محاولة لإعادة تعريف مفهوم الحماية للمدنيين في غزة. فطوال سنوات، كان المدني هو الحلقة الأضعف، يدفع ثمن الصراع، بينما تُدار الأرض بعقلية السلاح والهيمنة. اليوم، يأتي مقترح المدينة الإنسانية ليقول بوضوح إن الأمن الحقيقي يبدأ بنزع السلاح من الفضاء المدني، لا بتكريسه.
ما يلفت الانتباه في هذا المشروع هو الإطار السياسي والإقليمي الذي يتحرك ضمنه. “لجنة السلام لإدارة غزة”، التي تضم عدة دول، لا تطرح نفسها كقوة احتلال أو وصاية دائمة، بل كآلية انتقالية تهدف إلى إدارة الشأن المدني، وضمان الأمن، وإعادة بناء ما يمكن إعادة بنائه، بعيدًا عن منطق الفصائل. هذا التحول، إن كُتب له النجاح، قد يشكّل كسرًا فعليًا للدائرة المغلقة التي حبست غزة فيها منذ سنوات.
بطبيعة الحال، لا يخلو المشروع من تحديات وأسئلة مشروعة: هل يمكن فرض منطقة منزوعة السلاح في بيئة اعتادت عسكرة كل تفاصيل الحياة؟ وهل سيُسمح للمدنيين فعلًا بالتنفس خارج قبضة الخوف والابتزاز؟ ثم ماذا عن بقية القطاع؟ هذه الأسئلة لا يمكن تجاهلها، لكنها لا يجب أن تكون ذريعة لإسقاط الفكرة من أساسها.
المدينة الإنسانية ليست حلًا سحريًا لكل مآسي غزة، لكنها قد تكون بداية ضرورية لإعادة الاعتبار للإنسان، بعد أن طغى السلاح على كل شيء. نجاحها يتوقف على أمرين أساسيين: صدق الإرادة الدولية، وقدرتها على حماية المشروع من العبث السياسي والعسكري، ثم إشراك الفلسطينيين أنفسهم، كمدنيين لا كأدوات صراع، في صياغة مستقبلهم.
غزة لا تحتاج مزيدًا من الشعارات، بل إلى مساحة آمنة، ولو محدودة، تثبت أن الحياة خارج منطق السلاح ممكنة. المدينة الإنسانية، إن تحققت بشروطها، قد تكون هذه المساحة.
#أسامة_الأطلسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟