أسامة الأطلسي
الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 22:40
المحور:
القضية الفلسطينية
ما كشفه تقرير وكالة أسوشييتد برس ليس تفصيلاً عابرًا في سجل الكارثة الغزّية، بل جرس إنذار أخلاقي مدوٍّ. حين تُستغل النساء في لحظات الجوع واليأس، وحين تُقدَّم المساعدة المشروطة بوعدٍ زائف أو ابتزازٍ مُقنّع، فإننا لا نكون أمام “تجاوزات فردية”، بل أمام انهيار منظومة القيم والحماية في واحدة من أكثر البيئات هشاشة في العالم.
القضية هنا لا تتعلق فقط بسلوك إجرامي—وهو كذلك بلا جدال—بل بمنطقٍ خطير يجعل الحاجة الإنسانية أداة ضغط. في غزة، حيث تقل الخيارات إلى حدّها الأدنى، يصبح الوعد بكيس طحين أو مبلغٍ زهيد أو “فرصة عمل” بابًا للسيطرة على مصير امرأةٍ محاصرة. هذا ليس تفاوضًا؛ إنه إكراه في ثوبٍ ناعم.
الأكثر إيلامًا أن الاستغلال لا يأتي دائمًا بصيغة فجة. أحيانًا يُغلّف بكلمات “الزواج” أو “المساعدة الخاصة” أو “العلاقة المؤقتة”، ليُخفّف وطأته الاجتماعية، ويُسكت الضحية قبل أن تفكر في الاعتراض. لكن الجوهر واحد: استغلال السلطة في سياق فقرٍ قاسٍ، حيث الطرف الأضعف يدفع الثمن وحده.
الصمت المحيط بهذه الجرائم مفهوم لكنه غير مقبول. مفهوم لأن الضحية تخاف الوصمة والانتقام وقطع المساعدات. وغير مقبول لأن الصمت يحمي الجاني ويُعيد إنتاج الجريمة. هنا تتضاعف المسؤولية: على الجهات التي تدير الإغاثة أن تُحصّن آلياتها، وعلى القيادات المحلية—السياسية والدينية والمجتمعية—أن تُعلن موقفًا لا لبس فيه يُجرّم الاستغلال ويُسميه باسمه.
المشكلة لا تُحلّ ببيانات عامة عن “عدم التسامح”، بل بإجراءات ملموسة: رقابة مستقلة على التوزيع، قنوات شكوى آمنة وسرية، فصل صارم بين السلطة والسلاح والعمل الإنساني، وحماية قانونية للضحايا. أي شيء أقل من ذلك هو تواطؤ غير مباشر.
غزة لا تحتاج فقط إلى الغذاء والدواء؛ تحتاج إلى ضمانات كرامة. فحين يُقايَض الخبز بالجسد، تُكسر الثقة في العمل الإنساني كله، ويُصاب المجتمع بندبة عميقة لن تشفيها إعادة الإعمار وحدها. إن الدفاع عن النساء في هذه اللحظة هو دفاع عن مستقبل غزة ذاته—عن مجتمعٍ لا يُدار بالجوع ولا يُحكم بالابتزاز.
الاختبار الحقيقي ليس في إدانة الجريمة لفظيًا، بل في منع تكرارها. وكل تأخير في ذلك يعني قبولًا ضمنيًا بأن اليأس يمكن أن يكون عملة تفاوض. وهذا، أخلاقيًا وإنسانيًا، خط أحمر.
#أسامة_الأطلسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟