رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)
الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 00:36
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تعكس السلوكيات السياسية والعسكرية الإيرانية خلال العقود الأخيرة نموذجاً خاصاً في إدارة الصراع يقوم على ضبط النفس المحسوب لا على امتلاك تفوق عسكري شامل، فإيران تدرك بوضوح أنها لا تملك القدرة على مواجهة تحالف دولي واسع تقوده الولايات المتحدة وتدعمه قوى غربية كبرى، وهو ما يفسر اعتمادها سياسة المناورة على حافة المواجهة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، إذ إن ميزان القوة التقليدي، خصوصاً في مجالات التفوق الجوي والبحري والاستخباري، لا يصب في صالحها. في هذا السياق، لا يمكن قراءة الموقف الأوروبي من الحرس الثوري الإيراني بوصفه إجراءً قانونياً معزولاً، بل باعتباره رسالة سياسية تهدف إلى نزع الشرعية عن أحد أعمدة الدولة الإيرانية، بما يعنيه ذلك من تضييق الخناق على النظام ككل ودفعه نحو مزيد من العزلة الدولية، دون أن يصل الأمر إلى إعلان حرب مباشر. هذا النوع من الضغوط يعكس إدراكاً غربياً لطبيعة القوة الإيرانية، فهي ليست قوة هجومية قادرة على فرض وقائع عسكرية كبرى، لكنها في الوقت ذاته تمتلك قدرة عالية على تعطيل الخصوم ورفع كلفة الصراع إلى مستويات غير مرغوبة. ومن هنا، فإن أي رد إيراني محتمل على هجوم عسكري أمريكي مباشر لن يتخذ شكل مواجهة تقليدية مفتوحة، بل سيعتمد على تحريك الأذرع الإقليمية وفتح ساحات اشتباك متعددة بهدف تشتيت الخصم واستنزافه نفسياً وعسكرياً، في نمط أقرب إلى حروب المدن والصراعات اللامتماثلة التي تُربك الجيوش النظامية مهما بلغت درجة تطورها. غير أن هذه الاستراتيجية، على الرغم من فعاليتها في منع الحسم السريع، تظل عاجزة عن تحقيق نصر استراتيجي حاسم، إذ إنها تقوم على إدارة الخسائر لا على قلب موازين القوى، وهو ما يضع إيران في موقع الدولة التي تجيد منع الهزيمة أكثر مما تجيد صناعة النصر. وعليه، يمكن القول إن القوة الإيرانية الحقيقية تكمن في قدرتها على التعقيد وطول النفس وتشابك ساحات الصراع، في حين يتمثل ضعفها الجوهري في عجزها عن التحول من منطق الأذرع والردع السلبي إلى منطق الدولة القادرة على فرض استقرار مستدام أو تقديم نموذج سياسي واقتصادي قابل للحياة في بيئة دولية شديدة الاستقطاب.
#رحيم_حمادي_غضبان_العمري (هاشتاغ)
Raheem_Hamadey_Ghadban#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟