رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)
الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 22:57
المحور:
قضايا ثقافية
تُعدّ مفردات الخوف من أكثر الألفاظ دورانًا في اللغة العربية، لكنها على كثرة استعمالها ليست على معنى واحد، بل تتفاوت دلالاتها بتفاوت السياق والعمق النفسي والذهني الذي تحمله، ومن أبرز هذه الألفاظ الخوف والتخوّف والمخافة، وهي ألفاظ متقاربة في أصلها لكنها مختلفة في حقيقتها وأثرها. فالخوف هو الأصل الجامع، وهو انفعال نفسي فطري ينشأ عند توقع ضرر أو مكروه، سواء كان هذا الضرر حاضرًا أو وشيكًا، فيستجيب له الإنسان بالقلق أو الفزع أو التراجع، وهو شعور مباشر غالبًا ما يكون لحظيًّا، ولذلك يُستعمل في المواقف السريعة التي تستدعي رد فعل عاجل، ويشمل الخوف ما كان محمودًا كالخوف من الله، وما كان مذمومًا إذا أدى إلى الجبن أو تعطيل الواجب. أما التخوّف فهو أعمق من مجرد الخوف الآني، إذ يدل على حالة نفسية قائمة على الترقّب واستشعار الخطر قبل وقوعه، فهو خوف ذهني تأملي يتسلل إلى النفس تدريجيًا، وغالبًا ما يرتبط بالحذر والتفكير في العواقب، وقد لا يكون سببه واضحًا أو واقعًا بعد، ولذلك يطول أمده ويؤثر في السلوك والقرارات، وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ أي على تنقّص وخشية متتابعة، مما يدل على أن التخوّف يحمل معنى الاستمرار والتدرج لا المفاجأة. أما المخافة فهي أرقى هذه المعاني وأخصّها، إذ لا تقوم على مجرد توقع الأذى، بل على إدراك عظمة المخوف وجلاله، فهي خوف مقرون بالتعظيم والهيبة، ولهذا ارتبط استعمالها غالبًا بالخوف من الله تعالى أو من مقامٍ عظيم، فالمخافة لا تُضعف النفس بل تزكّيها، ولا تشلّ الإرادة بل تضبطها، وهي التي تولّد المراقبة والانضباط الداخلي، ولذلك كانت المخافة من صفات الإيمان الراسخ لا من مظاهر الاضطراب النفسي. ومن خلال هذا التفريق يتبين أن الخوف شعور عام وفوري، وأن التخوّف حالة توقّع وحذر ممتدة، وأن المخافة خوف واعٍ نابع من تعظيمٍ وإجلال، وبهذا تتجلى دقة اللغة العربية في تصوير الحالات النفسية بألفاظ متقاربة في ظاهرها، متباينة في عمقها وأثرها، مما يجعل فهم هذه الفروق مفتاحًا لفهم النصوص الشرعية والأدبية على وجهها الصحيح
#رحيم_حمادي_غضبان_العمري (هاشتاغ)
Raheem_Hamadey_Ghadban#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟