أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد خالص - الضيافة بين الكرم والكرامة : قراءة سوسيولوجية وأنثروبولوجية في -ثقافة الضيف- بالمغرب-














المزيد.....

الضيافة بين الكرم والكرامة : قراءة سوسيولوجية وأنثروبولوجية في -ثقافة الضيف- بالمغرب-


خالد خالص

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 21:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تشكل الضيافة في المجتمع المغربي أحد أكثر الممارسات الاجتماعية كثافة من حيث الحمولة الرمزية والدلالية. فهي لا تختزل في كونها سلوكا أخلاقيا أو عرفا اجتماعيا محمودا، بل تندرج ضمن ما يمكن اعتباره نظاما ثقافيا متكاملا، يعيد إنتاج ذاته عبر الأجيال، ويؤطر علاقة الفرد بذاته وبالآخر وبالمجال العام. فالضيف في المخيال الاجتماعي المغربي ليس مجرد زائر، بل كيان رمزي يستدعى حوله منطق الكرم، والشرف، والاعتراف، وحفظ المكانة الاجتماعية.
ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة الضيافة باعتبارها طقسا اجتماعيا تعلق خلاله القواعد العادية للحياة اليومية، ويعاد ترتيب الفضاء والزمن لصالح الآخر. فاختيار تصميم المنازل، وتخصيص أكبر وأجمل غرفة للضيوف، والاحتفاظ بأفضل الأواني والمأكولات للمناسبات الاستقبالية، ليست تفاصيل عفوية، بل تجليات مادية لـ "هابيتوس" جماعي، يربط قيمة الذات بقدرتها على العطاء، ويقيس المكانة الاجتماعية بمدى السخاء المعروض أمام الغير.
وتتجسد هذه البنية الرمزية بشكل أكثر كثافة في طقوس الاستقبال ذاتها. فاستقبال الضيف بالتمر والحليب، بما يحمله ذلك من دلالات البركة والنقاء والوفرة، لا يُفهم كمجرد تقليد غذائي، بل كفعل اعتراف أولي بمكانة الضيف. كما أن استعمال أحسن الأواني، والاحتفاظ بها خصيصا لمثل هذه اللحظات، يعكس تراتبية رمزية للأشياء، حيث تشحذ المادة لخدمة المعنى، ويستدعى الجمال لإنتاج الإكرام. ولا يقف الأمر عند حدود الإمكانات المتاحة، إذ لا يتردد الكثيرون في الاستدانة أو تحمّل أعباء مادية تفوق طاقتهم من أجل تقديم أفضل الأطباق، بما يحول الكرم من اختيار أخلاقي إلى التزام اجتماعي صارم لا يقبل التخفيف.
ويمتد هذا التحول ليشمل اللغة والسلوك والهيئة؛ فطريقة الكلام تتغير، ويصبح الخطاب أكثر وزنا وتهذيبا، وتنتقى الألفاظ بعناية، وتضبط الضحكة ونبرة الصوت، وكأن التواصل ذاته يدخل في طقس الضيافة. كما ينتقى اللباس بعناية، ويصبح التزين جزءا من واجب الاستقبال، في محاولة لتقديم أفضل صورة ممكنة عن الذات الفردية والجماعية. ويسخر الجهد والوقت للبحث عن كل ما يريح الضيف ماديا ونفسيا، إذ لا ينحصر الهاجس في الإطعام أو الإيواء، بل في أن يغادر الضيف محملا بانطباع حسن، وألا يؤاخذ المضيف على أي تقصير، مهما كان بسيطا أو غير مقصود. هنا تكتسب الضيافة بعدا شبه مقدس، تقاس فيه نجاعتها برضا الضيف لا بحدود طاقة المضيف.
غير أن هذا الهابيتوس لا يتوقف عند حدود المجال الخاص، بل يمتد ليؤطر السلوك الجماعي والمؤسساتي. فالدولة، باعتبارها فاعلا رمزيا، تعيد إنتاج منطق الضيافة على مستوى السياسات العمومية، خاصة في سياق تنظيم التظاهرات الدولية. ويكفي التوقف عند تنظيم كأس إفريقيا للأمم 2025 لملامسة هذا الامتداد: بنية تحتية فائقة الجودة، وسائل نقل حديثة، إقامة فاخرة، طعام راق، تسهيلات استثنائية… وكأن الجماعة الوطنية بأكملها تدخل في طقس استقبال ممتد، تسخر فيه مواردها المادية والرمزية لإرضاء الضيف وإبهاره.
غير أن منطق الضيافة، حين ينفصل عن مبدأ التبادلية الرمزية، قد ينقلب من فضيلة إلى مصدر هشاشة. فالعطية، في معناها الأنثروبولوجي، لا تكتمل إلا بوجود عطية مضادة، ولو كانت رمزية، تتمثل في الاعتراف، والاحترام، وضبط السلوك داخل الفضاء المستقبل. وعندما يغيب هذا المقابل، أو يقابل السخاء بالتنكر أو الجحود أو الاستعلاء، تتحول الضيافة إلى علاقة غير متكافئة، يتراجع فيها موقع المضيف لصالح ضيف يتصرف وكأنه في موقع الهيمنة لا الاستضافة.
هنا بالذات يتشكل ما يمكن تسميته بـ"مركب الضيف": حالة اجتماعية يصبح فيها الإحسان المفرط نوعا من الإلزام الذاتي، ويغدو التنازل عن الحدود ضربا من إثبات الذات بدل كونه استثناء محسوبا. فبدل أن تكون الضيافة فعل قوة، تتحول إلى ممارسة تضعف القدرة على فرض القواعد، وتخلق مفارقة مؤلمة مفادها أن من يقدم أكثر، يطالب دوما بالمزيد.
إن السؤال الذي يطرحه هذا التحليل لا يستهدف نفي قيمة الضيافة أو الدعوة إلى الانغلاق، بل يدعو إلى إعادة التفكير في شروطها وحدودها. فالمجتمعات، مثل الأفراد، تحتاج إلى توازن دقيق بين الكرم والكرامة، بين الانفتاح والحماية الرمزية للذات. ومن دون هذا التوازن، قد تتحول إحدى أسمى القيم الثقافية إلى عبء صامت، يفرغها من معناها الأصلي، ويحولها من مصدر اعتراف إلى مصدر استنزاف.



#خالد_خالص (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كأس إفريقيا 2025 بطعم البلطجة
- النخالة
- النسبية
- اختلالات الصياغة التشريعية وأثرها على الأمن القانوني قراءة ن ...
- دولة الحق والقانون: الأسس والمعايير في ضوء القانون العام وال ...
- الهدم الإداري للبنايات القديمة في المغرب بين مقتضيات القانون ...
- 8 دجنبر 1975: تهجير المغاربة من الجزائر ومقتضيات الذاكرة وال ...
- قضية المهداوي… قراءة قانونية في اختلالات مسطرة تأديبية تمس ح ...
- حين تتحول إصلاحات مهنة المحاماة إلى أداة سياسية ...
- المغرب – الجزائر: اليد الممدودة ومخاطر الواقعية
- تعليق على أمر قاضي المستعجلات بالإذن بالحيازة
- بين مقتضيات التنظيم واحتمال تكريس الإفلات من العقاب: المادة ...
- عودة تجربة – مباراة المغرب ضد نيجير مجمع مولاي عبد الله، 5 ش ...
- عودة تجربة – مباراة المغرب ضد نيجير- مجمع مولاي عبد الله، 5 ...
- حين تطغى الإثارة الرقمية على حرمة الحياة الخاصة: بين الضجيج ...
- الاعتداء المادي: حينما تتجاوز الإدارة الدستور والقانون
- رسالة مفتوحة ردًّا على «لغز محمد السادس»: بين السرد الإعلامي ...
- قرار المحكمة الدستورية… جرس إنذار للتشريع المغربي
- الدفع بعدم الدستورية في المغرب: الحق المعطَّل ومخاطر التشريع ...
- تغييب المحامين عن صناعة التشريع القضائي: قراءة دستورية ومؤسس ...


المزيد.....




- تحقيقات فيدرالية عقب تحطم طائرة خاصة بعد إقلاعها بأمريكا.. إ ...
- لينا غطمة.. المعمارية التي تبني المستقبل من ذاكرة الماضي
- العاصفة فيرن تجتاح نحو أربعين ولاية أمريكية وعشرة ملايين شخص ...
- عقب تطورات اليمن.. السعودية تتطلع لـ -علاقات قوية- مع الإمار ...
- مقترح قانون مكافحة -الأشكال المتجددة من معاداة السامية- في ...
- أخبار اليوم: استعادة آخر رهينة تُنهي أولى مراحل وقف النار في ...
- فرنسا: -تكلموا استنكروا- كاميليا 17 عاما انتحرت لتعرضها للتن ...
- إيران: حزب الله يعتبر نفسه -مستهدفا- في أي هجوم أمريكي محتمل ...
- فيروس بلا لقاح ونسبة وفيات مرتفعة: ماذا نعرف عن نيباه؟
- نعيم قاسم: حزب الله لن يكون حياديا إذا ضُربت إيران


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد خالص - الضيافة بين الكرم والكرامة : قراءة سوسيولوجية وأنثروبولوجية في -ثقافة الضيف- بالمغرب-