أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد خالص - النسبية














المزيد.....

النسبية


خالد خالص

الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 12:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تعد النسبية، أو التريث في الحكم، منهجا فكريا يقوم على النظر إلى الأمور من زوايا متعددة ووضعها في سياق أوسع، بدل التعامل معها بشكل آني أو انفعالي. ويهدف هذا المنهج إلى الحد من تضخيم الأحداث السلبية أو تضييق أثرها الحقيقي، من خلال اعتماد مقاربة متوازنة ومرنة في التقدير والحكم. فالنسبية لا تعني الإنكار أو التبرير، بل تعني الفهم العميق قبل إصدار الأحكام.
وتكتسي النسبية أهمية خاصة في العلاقات الإنسانية، إذ تسهم في تحسين جودة التفاعل الاجتماعي وتعزيز الانسجام بين الأفراد. ففهم وجهات النظر المختلفة يقلل من التسرع في إصدار الأحكام، ويفتح المجال أمام التسامح والتفاهم، كما أن التريث يسمح بالتفكير الهادئ في دوافع الآخرين وظروفهم، مما يساعد على تجنب النزاعات غير الضرورية. ومن خلال النظر إلى الأمور من منظور الآخر، تتعزز مشاعر التعاطف ويتكرس تقبل التنوع في الآراء والمواقف.
وتستند النسبية إلى أساس فلسفي عميق، إذ تعارض فكرة الحقيقة المطلقة، وتؤكد أن الحقيقة غالبا ما تتشكل من تعدد المنظورات واختلاف الزوايا. فقد ذهب بعض الفلاسفة، ومنهم نيتشه، إلى أن ما يسمى بالحقيقة ليس إلا نتاجا لتفسيرات متعددة للواقع. وفي مجال الأنثروبولوجيا، أسهمت النسبية الثقافية في فهم القيم والممارسات الاجتماعية داخل سياقاتها التاريخية والثقافية الخاصة، بدل الحكم عليها وفق معايير خارجية قد تكون مجحفة أو قاصرة. كما تشجع النسبية، بوجه عام، على تنمية التفكير النقدي والإبداعي من خلال التحليل المتأني للمواقف المختلفة، وعدم الاكتفاء بالانطباعات السطحية.
أما في علم النفس، فتستخدم النسبية كأداة فعالة للتعامل مع القلق والتوتر، من خلال إعادة صياغة المشكلات والنظر إليها من زوايا أخرى أقل حدة. ويسهم هذا المنهج في تقليل الإحباط، عبر تقبل فكرة أن الواقع لا يكون دائما مثاليا، وأن التعثر جزء من التجربة الإنسانية. وتعكس الثقافة الشعبية المغربية هذا المعنى من خلال أمثال تدعو إلى التريث وعدم التسرع، وتؤكد أن الحكمة تكمن في الصبر وانتظار نضج الظروف قبل الحكم أو الفعل ونذكر من بين الامثال الشائعة "ما كايطيح غير اللي كايجري" و"ما كيتقاس الطاجين حتى يبرد"، أمثال تعكس أهمية التريث في مواجهة التحديات.
وفي عصر العولمة، حيث تتدفق المعلومات بوتيرة متسارعة وتتعاظم ردود الأفعال بفعل وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، تبرز الحاجة الملحّة إلى التريث كآلية لتمييز الجوهري من الهامشي، والحد من الانفعالات المبالغ فيها. فالنسبية هنا تصبح أداة عقلانية تساعد على استعادة التوازن وسط ضجيج الأخبار وتضارب الخطابات.
غير أن النسبية، رغم فوائدها، ليست بلا حدود. فالإفراط في اعتمادها قد يؤدي إلى إضعاف المبادئ الأساسية، أو إلى التردد في اتخاذ قرارات حاسمة، كما قد يفضي إلى تشويه الحقيقة عبر البحث الدائم عن أعذار تبرر الأخطاء وتفرغ النقد البناء من مضمونه. لذلك، يظل التحدي الحقيقي في كيفية توظيف النسبية دون السقوط في فخ التساهل أو النسبوية المفرطة.
ويقتضي تحقيق هذا التوازن الموازنة بين النسبية والثبات، من خلال فهم السياقات المختلفة دون التخلي عن القيم الجوهرية. كما يستلزم التمييز بين ما هو نسبي وقابل للاجتهاد، وما هو ثابت ويتطلب مواقف حاسمة، مثل قضايا العدالة وحقوق الإنسان. فالنسبية لا تكون مفيدة إلا عندما تطبق بحكمة، وفي المواضع التي تستدعيها طبيعة الوقائع والظروف.
في المحصلة، تعد النسبية مهارة فكرية وسلوكية تساعد على مواجهة الحياة بقدر أكبر من الهدوء والتوازن، إذ تدعونا إلى تجاوز اللحظة الآنية واعتماد رؤية أوسع وأكثر عمقا. غير أنها تظل أداة تحتاج إلى ضبط واعٍ وتوازن دقيق، حتى لا تتحول من وسيلة للفهم إلى ذريعة للإفلات من المسؤولية أو إضعاف القيم الأساسية.



#خالد_خالص (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اختلالات الصياغة التشريعية وأثرها على الأمن القانوني قراءة ن ...
- دولة الحق والقانون: الأسس والمعايير في ضوء القانون العام وال ...
- الهدم الإداري للبنايات القديمة في المغرب بين مقتضيات القانون ...
- 8 دجنبر 1975: تهجير المغاربة من الجزائر ومقتضيات الذاكرة وال ...
- قضية المهداوي… قراءة قانونية في اختلالات مسطرة تأديبية تمس ح ...
- حين تتحول إصلاحات مهنة المحاماة إلى أداة سياسية ...
- المغرب – الجزائر: اليد الممدودة ومخاطر الواقعية
- تعليق على أمر قاضي المستعجلات بالإذن بالحيازة
- بين مقتضيات التنظيم واحتمال تكريس الإفلات من العقاب: المادة ...
- عودة تجربة – مباراة المغرب ضد نيجير مجمع مولاي عبد الله، 5 ش ...
- عودة تجربة – مباراة المغرب ضد نيجير- مجمع مولاي عبد الله، 5 ...
- حين تطغى الإثارة الرقمية على حرمة الحياة الخاصة: بين الضجيج ...
- الاعتداء المادي: حينما تتجاوز الإدارة الدستور والقانون
- رسالة مفتوحة ردًّا على «لغز محمد السادس»: بين السرد الإعلامي ...
- قرار المحكمة الدستورية… جرس إنذار للتشريع المغربي
- الدفع بعدم الدستورية في المغرب: الحق المعطَّل ومخاطر التشريع ...
- تغييب المحامين عن صناعة التشريع القضائي: قراءة دستورية ومؤسس ...
- صياغة القوانين ودور المؤسسات الدستورية
- المحكمة الدستورية بين القانون بكامله وبين -الجلي- و-البيّن- ...
- مسار صناعة التشريع ودور المؤسسات الدستورية؛ المجلس الأعلى لل ...


المزيد.....




- جينيفر غارنر تكشف عن أصعب ما واجهته في طلاقها من بن أفليك
- -تجاهل للقواعد الدولية-.. ماكرون -يأسف- لابتعاد الولايات الم ...
- إبراهيم دياز يتألق مع المغرب .. هل يغيّر -الكان- حسابات تشاب ...
- أبرز دعاة انفصال جنوب اليمن.. من هو عيدروس الزبيدي؟
- دراسة: أكثر 10 مطارات مرهقة في العالم.. ومطار -ذهبي- للسفر ا ...
- عاجل | بيان مشترك لـ22 دولة ومنظمة التعاون الإسلامي: ندين ال ...
- إنفوغراف.. عمليات الهدم الإسرائيلية بالقدس الأوسع منذ 15 عام ...
- الخارجية المصرية: لن نقبل بتقسيم أو انهيار السودان
- وثائقي يحكي 100 عام من حياة مجلة نيويوركر
- تقدّم لبناني في حصر السلاح جنوب الليطاني


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد خالص - النسبية