أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - خالد خالص - اختلالات الصياغة التشريعية وأثرها على الأمن القانوني قراءة نقدية في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة















المزيد.....

اختلالات الصياغة التشريعية وأثرها على الأمن القانوني قراءة نقدية في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة


خالد خالص

الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 16:27
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


تشكل الصياغة التشريعية عنصرا حاسما في جودة التشريع، إذ لا يكفي أن يستجيب القانون لمقاصد إصلاحية أو لحاجات اجتماعية ومؤسساتية، ما لم يصغ في قالب قانوني محكم، واضح، ومجرد. فالنص التشريعي ليس مجالا للسرد أو التفصيل المفرط، وإنما هو خطاب معياري يهدف إلى تحديد القواعد القانونية بدقة وإيجاز، بما يضمن الأمن القانوني وحسن التطبيق.
وانطلاقا من هذا المنظور، تكتسي دراسة الصياغة التشريعية لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة أهمية خاصة، بالنظر إلى الدور الدستوري لهذه المهنة في ضمان الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة. وتكشف القراءة النقدية لهذا المشروع عن وجود اختلالات بنيوية في الصياغة، لا تقتصر على الجانب الشكلي، بل تمس وضوح القاعدة القانونية وقابليتها للتطبيق، وقد تفضي إلى إشكالات تفسيرية وقضائية ودستورية.
وتسعى هذه الدراسة إلى إبراز هذه الاختلالات من خلال الوقوف على الخلل البنيوي في الصياغة التشريعية، وبيان خطورته على مبدأ الوضوح واليقين القانوني، مع تقديم أمثلة دالة، واقتراح صيغة نقدية قابلة للإدراج في النقاش الدائر حاليا، وصولا إلى طرح حل تشريعي يقوم على إعادة بناء هندسة النص، واستخلاص خلاصة أكاديمية تركيبية.
أولا- خلل بنيوي في الصياغة
يستخلص من مشروع القانون 66.23 بأن هنالك خلل بنيوي في الصياغة؛ إذ يلاحظ في عدد من مواده بأن النص يمتد على صفحة كاملة أو أكثر ويجمع بين أحكام متعددة، مساطر، استثناءات، آجال، سلطات، وآثار قانونية في مادة واحدة؛ ويصاغ بأسلوب سردي تتابعي أقرب إلى نثر إنشائي، أو تقرير إداري، أو "قصة تنظيمية"، وليس مادة قانونية بالمعنى التقني. وهذا يشكل انحرافا عن قواعد الصياغة التشريعية الرصينة.

ثانيا: لماذا يعد هذا خللا تشريعيا خطيرا؟
1- مخالفة لمبدأ الوضوح واليقين القانوني
المادة القانونية يجب أن تكون: محددة، موجزة، قابلة للفهم المباشر، وقابلة للتطبيق دون تأويل موسع، بينما المادة الطويلة السردية تربك المخاطب بالنص، تضعف اليقين القانوني، وتفتح الباب لاجتهادات متناقضة ليبقى المبدأ الدستوري المعني هو الأمن القانوني ووضوح القاعدة القانونية.
2- خلط غير مشروع بين القاعدة والمساطر
في الصياغة السليمة تنظم القاعدة في مادة والمسطرة في مادة أخرى والجزاء في مادة مستقلة. أما في المشروع فإننا نجد: القاعدة + المسطرة + الاستثناء + الطعن + الآجال وكلها في مادة واحدة مطولة. وهذه المنهجية تربك التطبيق القضائي وتفرغ مبدأ التدرج التشريعي من مضمونه.
3- انتهاك لمبدأ "وحدة الموضوع في المادة"
من القواعد المستقرة في الصياغة هي أن لكل مادة حكم قانوني واحد أو أحكام مترابطة مباشرة بينما نجد مواد تتناول اختصاصات، ثم إجراءات، ثم آجالا، ثم طعنا قضائيا، في نص واحد ممتد. وهذا عيب شكلي قد يثار غدا كدفع مستقل حول دستورية القانون أمام محكمة الموضوع ليصل أمام المحكمة الدستورية إذا ما تم اعتماد مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بالشروط والاجراءات لتفعيل الدفع بعدم دستورية القوانين.
4- انزلاق من التشريع إلى التنظيم
تقحم الصياغة المطولة التفصيلية المشرع في تفاصيل تنظيمية تفترض أن تترك للأنظمة الداخلية أو المراسيم وهو ما يشكل تضخما تشريعيا غير مبرر.
ثالثا: أمثلة دالة
توجد مواد في المشروع تبدأ بتحديد الاختصاص، ثم كيفية الممارسة، ثم كيفية التبليغ، ثم آجال الطعن، ثم جهة الطعن، ثم آثار الطعن… وكل ذلك في فقرة واحدة متصلة، دون ترقيم أو تفكيك وهو أسلوب لا ينسجم مع تقنية التشريع ولا يخدم لا القاضي ولا المحامي ولا المواطن.
رابعا: الحل التشريعي المقترح
تقتضي المعالجة الصحيحة ضبط المفاهيم وتفكيك المواد الطويلة إلى مادة للاختصاص، مادة للمسطرة، مادة للآجال، مادة للطعن، اعتماد ترقيم فرعي (مكرر / فقرة أولى، ثانية…) عند الضرورة، وحذف العبارات التفسيرية والإنشائية غير المعيارية.
إن خلاصة ما وقع في مشروع 66.23 ليس مجرد ضعف صياغي، بل خلل في فلسفة التشريع وانتقال غير محمود من "النص القانوني" إلى "النص السردي".
مثال للاستدلال (لا على سبيل الحصر): تعديل عنوان الفرع الثاني "مهام المهنة"
يلاحظ أن عنوان الفرع الثاني ورد بصيغة "مهام المهنة"، غير أن الأنسب، من زاوية الصياغة التشريعية والدقة المفاهيمية، هو استبداله بعنوان "اختصاصات المحامي"
ذلك أن التمييز بين مفهومي المهام والاختصاصات يعد تمييزا جوهريا في الصياغة القانونية؛ إذ تحيل المهام، في الغالب، على مدلول وصفي أو أخلاقي عام، قد يشمل الواجبات والسلوكيات المهنية، في حين تعد الاختصاصات مفهوما قانونيا دقيقا، ينشئ مجالا محددا - وأحيانا حصريا - لممارسة المهنة، وتترتب عنه آثار قانونية واضحة.
وبالرجوع إلى مضمون المواد 33 وما يليها، يتبين أنها تنظم أعمالا قانونية محددة، من قبيل تقديم الاستشارة القانونية، وتحرير العقود، والتمثيل والنيابة، والتحكيم والوساطة، وهي أعمال تندرج بلا خلاف ضمن الاختصاصات المهنية للمحامي، لا في إطار مجرد مهام عامة.
وعليه، فإن عنوان "مهام المهنة" لا يعكس بدقة طبيعة المقتضيات الواردة تحته، في حين أن اعتماد عنوان "اختصاصات المحامي" ينسجم مع مضمون النص، ويحترم قواعد الصياغة التشريعية السليمة القائمة على التطابق بين العنوان والمحتوى.
ومن جهة أخرى، يلاحظ أن ترتيب هذه الاختصاصات يقتضي اعتماد تسلسل منطقي ووظيفي يعكس تطور ممارسة المهنة، وذلك بالانطلاق من الأعمال الوقائية (الاستشارة، تحرير العقود، الصلح)، قبل الانتقال إلى التمثيل والمؤازرة القضائية، باعتبارها مرحلة لاحقة ومآلا استثنائيا للنزاع.
ويكرس هذا الترتيب الدور الوقائي للمحامي، ويواكب التوجهات الحديثة للتشريع المقارن التي توسع مفهوم المهنة ليشمل تحقيق الأمن القانوني والاستقرار التعاقدي.
وبناء عليه، يقترح اعتماد الصيغة التالية: بالنسبة لعنوان الفرع الثاني: اختصاصات المحامي
ويستحسن إعادة ترتيب المواد من النصح والاستشارة والعقود، مرورا بالتمثيل الإداري ووسائل الحل البديل، وصولا إلى المؤازرة القضائية.
وتكمن مزايا هذه الهيكلة، على سبيل المثال لا الحصر، في: انسجام العنوان مع المضمون التشريعي، عكس التسلسل الوظيفي الطبيعي لممارسة المهنة:
وقاية ← تنظيم ← تمثيل ← حل بديل ← نزاع ← قضاء ←...
كما أن هذه الهيكلة تبرز الدور الوقائي للمحامي قبل الدور القضائي، وتسهل الإحالة التشريعية والتطبيق العملي، وتواكب قواعد الصياغة التشريعية الحديثة والتشريع المقارن.
الخلاصة:
إن تجاوز الاختلالات التي تشوب المشروع يستدعي إعادة بناء هندسته على أساس ضبط المفاهيم وتفكيك المواد المطولة، وترتيب الأحكام وفق منطق تشريعي واضح يضع الصياغة في خدمة الوظيفة الدستورية للمهنة، ويعيد الاعتبار لجودة التشريع كشرط لنجاعة القانون وشرعيته.
وإذا تم الوقوف في هذه المرحلة على بعض اختلالات الصياغة التشريعية، فإن قراءتي النقدية اللاحقة لمشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة ستنصرف إلى مناقشة القضايا الجوهرية المرتبطة بمكانة مهنة المحاماة داخل المنظومة الدستورية، وعلى رأسها استقلالية المحامي، وضمانات حصانته، وطبيعة علاقته بمختلف السلط، وآليات حمايته أثناء ممارسة مهامه، وشروط الممارسة المهنية، وكرامة المنتمين إلى هيئة المحاماة والعديد من المواد الأخرى.
ذلك أن الغاية من هذا العمل ليست هي الانخراط في جدل إجرائي ضيق، وإنما الانتقال بالنقاش إلى مستواه الحقيقي، باعتباره نقاشا حقوقيا ومؤسساتيا حول موقع المحاماة في دولة القانون، ودورها في حماية الحقوق والحريات وضمان المحاكمة العادلة.



#خالد_خالص (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دولة الحق والقانون: الأسس والمعايير في ضوء القانون العام وال ...
- الهدم الإداري للبنايات القديمة في المغرب بين مقتضيات القانون ...
- 8 دجنبر 1975: تهجير المغاربة من الجزائر ومقتضيات الذاكرة وال ...
- قضية المهداوي… قراءة قانونية في اختلالات مسطرة تأديبية تمس ح ...
- حين تتحول إصلاحات مهنة المحاماة إلى أداة سياسية ...
- المغرب – الجزائر: اليد الممدودة ومخاطر الواقعية
- تعليق على أمر قاضي المستعجلات بالإذن بالحيازة
- بين مقتضيات التنظيم واحتمال تكريس الإفلات من العقاب: المادة ...
- عودة تجربة – مباراة المغرب ضد نيجير مجمع مولاي عبد الله، 5 ش ...
- عودة تجربة – مباراة المغرب ضد نيجير- مجمع مولاي عبد الله، 5 ...
- حين تطغى الإثارة الرقمية على حرمة الحياة الخاصة: بين الضجيج ...
- الاعتداء المادي: حينما تتجاوز الإدارة الدستور والقانون
- رسالة مفتوحة ردًّا على «لغز محمد السادس»: بين السرد الإعلامي ...
- قرار المحكمة الدستورية… جرس إنذار للتشريع المغربي
- الدفع بعدم الدستورية في المغرب: الحق المعطَّل ومخاطر التشريع ...
- تغييب المحامين عن صناعة التشريع القضائي: قراءة دستورية ومؤسس ...
- صياغة القوانين ودور المؤسسات الدستورية
- المحكمة الدستورية بين القانون بكامله وبين -الجلي- و-البيّن- ...
- مسار صناعة التشريع ودور المؤسسات الدستورية؛ المجلس الأعلى لل ...
- قرار المحكمة الدستورية: صراع خفي بين -رقمنة العدالة- واستقلا ...


المزيد.....




- قائد الشرطة الإيرانية يعلن بدء حملة اعتقالات لقادة أعمال الش ...
- اعتقال ثلاثة متهمين دوليين بتجارة المخدرات
- في دعوى المبادرة المصرية: اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان تدي ...
- هل يزيد اعتقال أميركا لمادورو معيشة الفنزويليين سوءا؟
- ماذا يقول القانون بشأن اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزو ...
- اعتقال مادورو وزوجته.. دمار خلفه الهجوم الأمريكي في قواعد عس ...
- خادم الحرمين الشريفين وولي عهده يوجهان بتكثيف جسور المساعدات ...
- الصين تعلق على اعتقال مادورو رئيس فنزويلا وزوجته وتوجه دعوة ...
- ماذا يقول القانون الدولي عن اعتقال مادورو؟
- رواية أميركية كاملة لاعتقال مادورو من المراقبة إلى اقتحام حص ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - خالد خالص - اختلالات الصياغة التشريعية وأثرها على الأمن القانوني قراءة نقدية في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة