|
|
ومضات من حياة كارِل تشابِك: سيرة الكلمة في زمن الآلة وما تبقّى من الإنسان
أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 21:25
المحور:
سيرة ذاتية
البدايات – بين الغابة والمتحف
في صباحٍ شتويٍّ كثيف الصمت، من التاسع من يناير عام 1890، فتح كارِل تشابِك عينيه على العالم في قريةٍ صغيرة تُدعى ماليِه سفاتونوفيتسه، عند التخوم الجبلية لبوهيميا، حيث كانت البيوت الحجرية تتكئ على الغابات، وحيث كانت الإمبراطورية النمساوية المجرية تمدّ ظلها الثقيل فوق حياةٍ بسيطة لا تعرف بعدُ أنها تُنجب كاتبًا سيقلق القرن القادم. هناك، في مكانٍ لا يكاد يُرى على خرائط السياسة، وُلد الطفل الثالث لعائلةٍ تقف في المنطقة الرمادية بين الريف والمدينة، بين العلم اليومي والحكاية، بين العقل الذي يُشخّص الجسد، والذاكرة التي تحفظ الروح.
لم تمضِ ستة أشهر حتى تغيّر المشهد. ففي يونيو من العام نفسه، انتقلت العائلة إلى بلدة أوبيتسه، بلدةٍ أكثر انفتاحًا، تحيطها الأشجار من جهة، وتطل على الحياة العامة من جهة أخرى. في تلك البلدة بدأ وعي كارِل يتشكّل ببطء، لا على وقع الأحداث الكبرى، بل على إيقاع التفاصيل: حفيف الأشجار عند المغيب، وقع خطوات والده العائد كل مساء، وصوته وهو يروي — دون قصد — قصص الألم الإنساني من عيادته الصغيرة.
كان الأب، أنتونين تشابِك، طبيبًا لا يرى في الطب مهنةً فقط، بل مسؤولية أخلاقية. رجلًا يؤمن بالعلم، وبالتعليم، وبأن المعرفة لا يجب أن تبقى حبيسة الكتب. أسّس متحفًا محليًا، وشارك في الحياة الثقافية للبلدة، وكأنه كان — من حيث لا يدري — يهيّئ ابنه لحياةٍ سيقف فيها دائمًا بين الفكرة والواقع. أما الأم، بوزينا تشابكوفا، فكانت نقيضًا مكملًا: امرأة تحفظ الحكايات الشعبية، وترويها لأطفالها كما لو أنها تعاويذ صغيرة ضد قسوة العالم. كانت تؤمن بما لا يُرى، وتثق بأن للقصص قدرة على حماية الذاكرة من البرودة.
من هذا التوتر الخلّاق — بين الطب والعاطفة، بين الواقعية والخيال — بدأت تتشكّل ملامح الكاتب. وسيقول كارِل لاحقًا، كمن يعترف بجذوره الأولى: «من أمي تعلّمت أن أؤمن بما لا أراه، ومن أبي تعلّمت أن أتحقق مما أراه.»
في ذلك البيت، حيث تتجاور الكتب مع أدوات التشريح، نشأ الصبيّ الذي سيمنح الإنسانية بعد عقود كلمة «الروبوت»، لا بوصفها اختراعًا لغويًا، بل بوصفها مرآةً للإنسان حين يفقد روحه. كان أصغر إخوته الثلاثة، وأكثرهم التصاقًا بأخيه جوزيف تشابِك، الذي سيصبح لاحقًا رسامًا وكاتبًا ومفكرًا، وشريكًا روحيًا في أكثر من عمل. لم تكن العلاقة بينهما أخوّة دمٍ فقط، بل تحالفًا فنيًا وفكريًا، سيحمل كلٌّ منهما عبء القرن بطريقته. وسيكتشف كارِل، متأخرًا، أن هذه الأخوّة لم تكن نعمة فحسب، بل قدرًا، وأن الفن حين يولد في بيتٍ واحد، يترك أثره طويلًا… حتى بعد أن تتفرّق المصائر بزمن الحرب.
⸻
التكوين والوعي الفلسفي
مع مطلع القرن العشرين، كان كارِل تشابِك قد بدأ يشعر أن البلدة التي احتضنت طفولته لم تعد تتّسع لأسئلته. لم يكن الرحيل إلى براغ مجرد انتقالٍ جغرافي، بل عبورًا داخليًا من عالمٍ تحكمه العادة إلى عالمٍ تمزّقه الأفكار. هناك، في العاصمة التي كانت تغلي بالنقاشات القومية والفلسفية، أكمل تعليمه الثانوي، قبل أن يلتحق بـجامعة تشارلز، حيث انفتح لأول مرة على الفلسفة لا بوصفها علمًا نظريًا، بل كأداةٍ لفهم القلق الإنساني.
درس الفلسفة والجماليات، ووجد نفسه محاطًا بأسئلة لا تشبه تلك التي وُلدت في البيت أو الغابة: ما الحقيقة؟ هل للمعرفة قيمة في عالمٍ يُعاد تشكيله بالقوة؟ وهل يمكن للفكر أن يكون أخلاقيًا في زمنٍ يستعد للحرب؟
لم يرضَ تشابِك بالبقاء داخل أسوار الجامعة. كان يشعر أن الفكر، إن لم يحتك بالعالم، يتحول إلى زينةٍ لغوية. لذلك شدّ رحاله إلى برلين ثم إلى باريس، حيث حضر محاضرات في السوربون، واطّلع على الفلسفة الفرنسية، وتأثر بالبراغماتية الأميركية التي ترى أن الحقيقة لا تُقاس بتماسكها النظري، بل بقدرتها على العمل داخل الواقع. هناك، بدأ يدرك أن الفلسفة ليست بناءً مكتملًا، بل ممارسة يومية للشك، وأن السؤال قد يكون أصدق من الجواب.
في الثامن والعشرين من مايو عام 1915، نال درجة الدكتوراه في الفلسفة، وكانت أطروحته تدور حول «القيمة المطلقة في نظرية المعرفة». اختيار الموضوع لم يكن محايدًا؛ ففي زمنٍ كانت أوروبا تتهاوى تحت نيران الحرب العالمية الأولى، كان تشابِك يسأل عن المطلق، عن الثابت، عن معنى المعرفة حين يصبح العالم نفسه موضع شك. لكن الواقع لم يمنحه رفاهية التأمل الطويل. الحرب كانت تحيط به من كل الجهات، واللغة التي يكتب بها كانت مهددة بأن تفقد معناها.
في تلك السنوات، كان جسده يفرض عليه إيقاعًا آخر. فقد كان يعاني من التهابٍ مزمن في العمود الفقري، مرضٌ سيلازمه طوال حياته، ويجعل الألم رفيقًا يوميًا لا يغيب. هذا المرض أعفاه من الخدمة العسكرية، فبينما كان أبناء جيله يُرسلون إلى الجبهات، بقي هو في الخلف — لا بوصفه ناجيًا، بل شاهدًا. كتب لاحقًا: «المرض لا يقتل الإنسان فحسب، بل يعلّمه أن يرى الحياة من وراء زجاج الألم، بوضوحٍ أكثر مما يحتمل.»
ذلك “الزجاج” لم يكن حاجزًا، بل عدسة. فمن خلفه، راقب تشابِك العالم وهو ينفجر، وبدأ يفهم أن المعرفة وحدها لا تخلّص، وأن العقل إن لم يُسائل ذاته يتحول إلى أداةٍ أخرى من أدوات الخراب. بين الجسد المتعب والعالم المنهار، وجد في الكتابة ملاذًا ومقاومة في آنٍ واحد. فبينما كان الآخرون يطلقون النار، كان هو يطلق الأسئلة.
كانت تلك السنوات مختبرًا قاسيًا لوعيه الفلسفي. تعلّم أن الحضارة ليست صلبة كما تبدو، وأن التقدم قد يكون قناعًا هشًّا للعنف، وأن الكلمة — مهما بدت ضعيفة — قادرة على أن تكون خندقًا ضد العبث. ومن هنا، بدأ يتشكّل تشابِك الذي سيكتب لاحقًا عن الإنسان حين يصنع ما يتجاوزه، وعن العقل حين يتحول إلى آلة، وعن السؤال بوصفه آخر أشكال الحرية.
⸻
المسرح والرواية – إنذار الإنسان الحديث
في مساء الخامس والعشرين من يناير عام 1921، أُطفئت أنوار المسرح الوطني في براغ، وارتفع الستار عن عملٍ لم يكن الجمهور يدرك أنه سيغادر القاعة وهو يحمل كلمة ستطارد القرن بأكمله. مسرحية R.U.R. (Rossum’s Universal Robots) لم تُقدَّم بوصفها خيالًا علميًا، بل بوصفها مرآةً مشروخة وُضعت أمام الإنسان الحديث. في تلك الليلة، وُلدت كلمة «روبوت»، المشتقة من robota، أي العمل القسري — لا كاختراع لغوي بريء، بل كتشخيصٍ أخلاقي لعصرٍ بدأ يُعيد تعريف الإنسان بوصفه أداة.
في عالم المسرحية، لا يصنع البشر آلات معدنية باردة، بل كائنات تشبههم في الشكل، تخلو من الألم، ومن الشفقة، ومن السؤال. كائنات خُلقت لتعمل، لا لتعيش. ومع تقدّم الأحداث، لا يتمرّد الروبوت لأن لديه روحًا، بل لأن الإنسان — في سعيه إلى السيطرة — نسي أن ما يصنعه قد يعكس صورته الأكثر قسوة. كتب تشابِك لاحقًا: «الروبوت لا يتشبث بالحياة، لأنه بلا روحٍ تمسك به، ولا غريزةٍ تحفظه.» لكن السؤال الأعمق الذي يتركه النص معلقًا هو: ماذا عن الإنسان حين يفقد روحه وهو لا يزال حيًا؟
لم تكن المسرحية تحذيرًا من الآلة، بل من العقل الذي يُقدّس الإنتاج وينسى المعنى. ولهذا بدت، منذ عرضها الأول، وكأنها رسالةٌ من المستقبل، موجهة إلى زمنٍ لم يكن قد وُلد بعد — زمننا نحن، حيث تُقاس القيمة بعدد المهام، لا بعمق الحياة.
بعد عامٍ واحد، وفي الثامن من مارس 1922، عاد تشابِك إلى المسرح، لكن هذه المرة بقناعٍ ساخر. في مسرحية «من حياة الحشرات» (Ze života hmyzu)، التي كتبها بالاشتراك مع أخيه جوزيف، لم يظهر البشر على الخشبة، بل ظهرت الحشرات. نملٌ يعمل بلا سؤال، فراشاتٌ لا تعيش إلا للزينة، حشراتٌ مفترسة تقتل بلا وعي. كان العالم مصغّرًا، لكن الرسالة كانت جارحة: حين يفقد الإنسان ضميره، يصبح أقلّ وعيًا من حشرة. لم تكن السخرية هنا ضحكًا، بل فضحًا. هجاءً فلسفيًا لبشريةٍ تتقن التنظيم، وتفشل في الرحمة.
في السابع من نوفمبر عام 1924، انتقل تشابِك من خشبة المسرح إلى فضاء الرواية، وأصدر عمله «كراكاتِت» (Krakatit). الرواية ليست عن مادة متفجرة فحسب، بل عن العقل حين يُغوى بقوته. بطلها عالمٌ يكتشف مركّبًا قادرًا على إبادة العالم، لكنه لا يحتفل بالاكتشاف، بل يرتجف أمامه. يعيش صراعًا داخليًا بين نشوة المعرفة، ورعب العواقب. في هذا النص، لا يُدان العلم، بل يُمتحن الإنسان الذي يحمله. وكأن تشابِك كان يكتب وهو يسمع دويّ الانفجار قبل أن يحدث. وحين ستُلقى القنبلة الذرية بعد عقدين، سيبدو النص وكأنه لم يتنبأ، بل تذكّر.
أما في الثاني والعشرين من مارس عام 1936، فقد بلغ تشابِك ذروة نضجه الفكري بروايته «الحرب مع السمندلات» (Válka s mloky). في هذه الرواية، يكتشف البشر سلالةً بحرية ذكية، فيبدأون باستغلالها، تعليمها، تسليحها، ثم استخدامها كيدٍ عاملة رخيصة. ومع الوقت، تتعلم السمندلات من البشر أكثر مما ينبغي: تتعلم الطاعة، ثم تتعلم القوة، ثم تتعلم القسوة. ليست السمندلات هنا كائنات خيالية، بل مرآة استعمارية، تعكس كيف يصنع الإنسان عدوّه بيده، ثم يندهش حين يواجهه. الرواية هجاءٌ مريرٌ للرأسمالية، للعنصرية، وللوهم الأخلاقي الذي يسمح للبشر أن يبرروا أفعالهم باسم التقدم.
في هذه الأعمال مجتمعة، لا يكتب تشابِك عن المستقبل، بل عن نقطة الانكسار في الإنسان. يكتب عن اللحظة التي يصبح فيها العقل أقوى من الضمير، والتنظيم أقوى من الرحمة، والتقنية أسرع من الحكمة. ولهذا لم تكن أعماله تنبؤات، بل إنذارات — كُتبت بلغة الفن، لكنها وُجّهت إلى ضمير الإنسانية.
⸻
الفكر والفلسفة – الإنسان في مواجهة ذاته
لم يكن كارِل تشابِك فيلسوفًا بالمعنى الأكاديمي المجرّد، ولم يسعَ يومًا إلى بناء نسقٍ فلسفي مغلق، بل كان فكره يعيش داخل الكتابة نفسها، كنبضٍ خفيٍّ لا يُرى لكنه يُحسّ في كل سطر. لم يثق بالأنظمة الفكرية المكتملة، وكان يرى أن الأفكار حين تكتمل تفقد إنسانيتها. لذلك لم يسأل: ما الحقيقة؟ بقدر ما سأل: كيف نعيش معها؟
في نظره، لا يُعرَّف الإنسان بما يملكه من معرفة أو سلطة أو أدوات، بل بما يخسره وهو يحاول أن يحافظ على إنسانيته. الخسارة، عنده، ليست فشلًا، بل اختبارًا أخلاقيًا. وكان يعتقد أن التجربة الإنسانية لا تُقاس بالنتائج، بل بالثمن الداخلي الذي يدفعه الفرد مقابل اختياراته.
من هذا المنطلق، جاءت كتاباته الصحفية التي نشرها بانتظام في جريدة ليدوفي نوفيني (Lidové noviny)، حيث لم يكتب بوصفه معلّقًا سياسيًا، بل شاهدًا قلقًا على عصرٍ يسرع نحو التطرّف. دافع عن الديمقراطية لا بوصفها نظام حكم فحسب، بل باعتبارها اعترافًا بكرامة الفرد، وهاجم الشموليات لأنها — في جوهرها — تلغي الإنسان باسم فكرة، وتستبدل الضمير الجماعي بآلة طاعة.
كان يرى أن أخطر ما في الأيديولوجيات الكبرى أنها تبدأ بنوايا أخلاقية، ثم تتحول، خطوةً بعد أخرى، إلى مبررات للعنف. ولهذا كتب عبارته الشهيرة التي تختصر مأزق القرن العشرين: «كل إنسان يحب البشرية جمعاء، لكنه يكره الإنسان الذي أمامه. نقتل الأفراد لنُنقذ النوع البشري.» بهذه الجملة، لم يقدّم نقدًا سياسيًا فحسب، بل تشريحًا نفسيًا عميقًا للإنسان حين يختبئ خلف الشعارات، ويمنح نفسه إذنًا أخلاقيًا لارتكاب ما لا يستطيع تبريره وجهًا لوجه.
في فلسفة تشابِك، لم تكن الحرية شعارًا يُرفع في الميادين، بل عبئًا داخليًا يتحمله الفرد وحده. الحرية مسؤولية، لأنها تعني القدرة على الاختيار في عالمٍ لا يمنحك ضمانات. وكان يعتقد أن الإنسان الحر ليس من يفعل ما يشاء، بل من يتحمّل نتائج ما يفعل دون أن يتخلّى عن ضميره.
أما التقنية، فلم يرفضها، لكنه كان شديد الحذر منها. رأى فيها سيفًا ذا حدّين: أداة لتحرير الإنسان من التعب، وأداة لسحق خياله إن لم تُضبط بالقيم. كان يخشى أن يتحوّل التقدم إلى بديلٍ عن الحكمة، وأن يُقاس الإنسان بما ينتجه لا بما يشعر به. ومن هنا، لم يكن “الروبوت” في أعماله كائنًا خياليًا، بل استعارةً عن الإنسان الحديث حين يُفرغ من المعنى، ويُختزل إلى وظيفة، ويعيش بلا غايةٍ سوى الأداء، وبلا حبٍّ سوى النجاح.
في عالم تشابِك، السؤال أهم من الجواب، والشك أكثر أمانًا من اليقين، والتواضع الفكري فضيلة لا ضعف. لم يكن يؤمن بالخلاص الجماعي السريع، بل بالإصلاح البطيء الذي يبدأ من الفرد. وكان يرى أن الحضارة، مهما بلغت من تعقيد، يمكن أن تنهار إذا انفصل العقل عن الرحمة.
هكذا يقف فكر تشابِك في مواجهة ذاته: لا كصرحٍ فلسفي، بل كمساءلة دائمة للإنسان عن مكانه في عالمٍ يصنعه بيديه، ثم يخاف منه. فكره ليس وعدًا بمستقبل أفضل، بل تحذيرٌ هادئ من حاضرٍ قد يبتلع روحه إن لم ينتبه.
⸻
الإرث والذاكرة المفتوحة
في السادس والعشرين من أغسطس عام 1935، تزوّج كارِل تشابِك من الممثلة التشيكية أولغا شاينفلوغوفا، بعد علاقةٍ طويلة بدأت في شبابهما، وتشكّلت على مهل، بين المسرح والكتابة، بين الحياة العامة والعزلة الفكرية. لم تكن أولغا زوجةً بالمعنى التقليدي، بل رفيقة طريق، امرأةً تعرف هشاشته كما تعرف صلابته، وتفهم أن الرجل الذي يقف على المنصات ويدافع عن الحرية، يعود إلى البيت محمّلًا بالقلق والأسئلة. كان الزواج، في سنواته الأخيرة، أشبه بمحاولة للإمساك بالحياة قبل أن تنفلت، بيد أن الجسد لم يعد مطيعًا كما كان.
مع حلول خريف عام 1938، بدأت صحة تشابِك تتدهور على نحوٍ مقلق. المرض القديم في العمود الفقري اشتدّ، والإرهاق النفسي الناتج عن تصاعد الخطر النازي خنق أيامه. كانت تشيكوسلوفاكيا تقف على حافة الانهيار، وأصوات الحرب تقترب، فيما كان تشابِك — الذي حذّر طويلًا من الشمولية — يرى مخاوفه تتحقق واحدةً تلو الأخرى. تلقّى دعواتٍ عديدة من أصدقاء ومثقفين لمغادرة البلاد، واللجوء إلى الغرب، لكنه رفضها جميعًا. لم يكن الرفض عنادًا، بل موقفًا أخلاقيًا. قال لهم، بوضوحٍ يشبه الوصية: «لن أترك أرضي لأعيش سالمًا في أرضٍ غريبة. إن كانت الكلمة تنتمي إلى اللغة، فالجسد ينتمي إلى الوطن.»
في مساء الأحد، الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1938، وفي مدينة براغ التي أحبّها وكتبها وحاورها، رحل كارِل تشابِك في منزله، عن عمرٍ لم يتجاوز الثامنة والأربعين عامًا، إثر التهابٍ رئوي حادّ. جاء موته في يوم الميلاد، كأن المفارقة أرادت أن تقول إن بعض العقول تولد لتغيب مبكرًا، لا لأنها أنهت ما لديها، بل لأن العالم لم يكن مستعدًا لها بعد. دُفن في مقبرة فيشيهراد، حيث يُوارى كبار الأدباء والمفكرين التشيك، في مدينةٍ كان قد جعلها — بقلمه — رمزًا للكرامة الفكرية، وفضاءً للمقاومة الثقافية.
لم تتوقف المأساة عند هذا الحد. ففي الثلاثين من أبريل عام 1945، وبعد سبع سنوات من رحيله، توفي أخوه جوزيف تشابِك في أحد معسكرات الاعتقال النازية. لم يشهد كارِل ذلك المصير، لكنه كان قد كتبه، بطريقةٍ ما، في نصوصه: حين تتحول الأنظمة إلى آلات، فإن أول ما تلتهمه هو الفن، وأول من تسحقه هو الإنسان الحر. هكذا أُغلقت الدائرة المأساوية للعائلة، لا بوصفها حادثة شخصية، بل كمرآةٍ لما أصاب أوروبا كلها.
بعد وفاته، رُشّح تشابِك سبع مراتٍ لجائزة نوبل في الأدب، ولم ينلها، لكن غياب الجائزة لم ينتقص من حضوره، بل زاده رسوخًا. فقد تحوّل، مع مرور الزمن، إلى أحد الأصوات المرجعية في الأدب الأوروبي، وإلى اسمٍ يُستدعى كلما طُرحت أسئلة العلاقة بين الإنسان والتقنية، وبين الحرية والخوف. أنشئت في براغ جائزة كارِل تشابِك تخليدًا لإرثه، تُمنح للكتّاب والمفكرين الذين يدافعون عن القيم الإنسانية، كما أُطلق اسمه على شوارع، ومدارس، وجامعات، ليس بوصفه كاتبًا فحسب، بل بوصفه ضميرًا ثقافيًا.
لكن إرث تشابِك الحقيقي لا يقيم في الجوائز ولا في الأسماء المنقوشة على الجدران. إنه يقيم في الأسئلة التي لم تُغلق، وفي التحذيرات التي لم تفقد راهنيتها، وفي ذلك الصوت الهادئ الذي ما زال يهمس للقارئ: احذر أن تصنع ما يتجاوزك، واحذر أكثر أن تفقد نفسك وأنت تفعل ذلك.
⸻
تأمل أخير – الحرية التي تثقلها الكلمة
حين نقرأ كارِل تشابِك اليوم، لا نعود إلى كاتبٍ ينتمي إلى مطلع القرن العشرين، بل نقف أمام مرآةٍ وُضعت بعناية في وجه الحاضر. نقرأه فنرى أنفسنا: الإنسان الذي صنع أدواته ليخفّف عنه عبء الحياة، فإذا بها تتحوّل إلى عبءٍ جديد، أدقّ، وأكثر تسلّلًا. كان تشابِك يكتب عن الإنسان في مواجهة آلته، ونحن اليوم نحمل الآلة في جيوبنا، ونراقب بقلق كيف تتسلّل إلى لغتنا، وإلى ذاكرتنا، وإلى الطريقة التي نفهم بها أنفسنا.
لم يكن فكره نبوءةً عن مستقبلٍ بعيد، بل تحذيرًا أخلاقيًا موجّهًا إلى كل حاضرٍ يتوهّم أنه استثنائي. كان يقول، دون أن يصرّح، إن الخطر لا يكمن في ما نصنعه، بل في اللحظة التي نتوقف فيها عن مساءلة ما نصنعه. لهذا لم يرَ الحرية هروبًا من القيد، بل قدرةً على الاختيار في حضوره، والاعتراف بثمنه. الحرية، في نظره، ليست امتيازًا، بل مسؤولية تُثقل صاحبها، لأن عليه أن يظلّ يقظًا أمام إغراء السهولة والطاعة.
أما الكتابة، فلم تكن عنده تعبيرًا عن الذات، ولا تمرينًا جماليًا، بل فعل مقاومة صامتة ضد التلاشي. كان يؤمن أن الكلمة، حين تُكتب بصدق، لا تغيّر العالم دفعةً واحدة، لكنها تمنع الإنسان من أن يذوب فيه بلا أثر. وفي زمنٍ تتسارع فيه الأصوات، وتضيع فيه المعاني تحت وفرة الإنتاج، تبدو كتابته وكأنها تذكير بطيء، ثقيل، بما لا ينبغي أن يُنسى.
كتب في إحدى مقالاته الأخيرة: «لا تحتاج أن تكون قويًا لتكون إنسانًا، تحتاج فقط أن تعرف أن الضعف هو صورتك الأجمل حين تتعلم منه.» لم تكن هذه جملة عزاء، بل موقفًا وجوديًا. فالضعف، عند تشابِك، ليس نقصًا، بل شرطًا للوعي؛ اللحظة التي يدرك فيها الإنسان حدوده، فيكفّ عن ادّعاء السيطرة المطلقة، ويبدأ في الإصغاء.
ربما لهذا بقي حيًّا في الذاكرة، لا بوصفه كاتبًا عظيمًا فحسب، بل بوصفه صوتًا هادئًا يذكّرنا بما نخسره كلما اعتقدنا أننا ربحنا كل شيء. صوتًا لا يصرخ، ولا يَعِد، بل يسأل — ويترك السؤال معلّقًا في الهواء.
لم يمت كارِل تشابِك في براغ فقط، بل توزّع فيها: في مكتباتها التي ما زالت تحفظ كتبه، في مقاهيها التي شهدت حواراته، وفي عقول أولئك الذين أدركوا أن الكلمة لا تحرّر الإنسان لأنها قوية، بل لأنها صادقة بما يكفي لتُثقله بالمسؤولية.
وهكذا، تبقى الحرية عند تشابِك ليست خفيفة ولا سهلة، بل حرية تشبه الكلمة نفسها: تمنحك المعنى، وتطالبك بأن تحمله — حتى حين يثقل عليك العالم.
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صوفيا بارغيري: الطفلة الإيطالية التي عادت إلى ملوك مصر القدي
...
-
كرة القدم: الوحش الذي أردنا ترويضه… فأطعمناه غضبنا وخيباتنا
-
العقل الذي سبق الرصاصة: إيفاريست غالوا، أو كيف تموت الفكرة ق
...
-
الحياة كفعل مقاومة: روث كيئيليكولاني، أميرة هاواي التي رفضت
...
-
عُمَر بن سعيد: سيرةُ عالمٍ مسلمٍ كُسِرَت قيوده الجغرافية ولم
...
-
نحو حلف إستراتيجي إقليمي: خياراتنا، مصيرنا، ومستقبل الشرق ال
...
-
على حافة الزلزال الكبير: هل نحن أمام لحظة كسر النظام الإيران
...
-
سون تزو: كيف أُفرغ علم تجنّب الحرب من معناه؟
-
الوقوف الذي لا ينتهي: حين تتحوّل مدرّجات كرة القدم إلى نصبٍ
...
-
قصة لوحة تيموكليا ورمز الكبرياء النسوي في فن إليزابيت سيراني
-
من الإرث إلى الاختيار: حين يصبح القلق طريقًا… لا عيبًا
-
ومضات من فن رافائيل سانزيو الرسّام والمعماري الإيطالي
-
عام 2025: عام حزين آخر يرحل تاركا العالم على عتبة التحوّل ال
...
-
ومضات من حياة حنّة آرنت: رحلة نجاة من النازيه حتى انقاذ التف
...
-
مجتمع الغربان: بين شريعة الكل وإخفاق الفرد
-
الحياة ضمن القطيع: ضرورة اجتماعية أم شعور زائف بالأمان؟
-
الخلل في التفكير: بين ضرورة الأولويات ورفاهية الكماليات
-
نبوخذنصر الثاني: -الفصل التاسع والأخير- سيرة ملك بين الطين ا
...
-
نبوخذنصر الثاني: -الفصل الثامن- سيرة ملك بين الطين البابلي و
...
-
نبوخذنصر الثاني: -الفصل السابع- سيرة ملك بين الطين البابلي و
...
المزيد.....
-
فيديو يظهر سيدة إيرانية توجه رسالة استغاثة لترامب.. ماذا قال
...
-
مقتل شخص في إطلاق نار من عناصر بإدارة الهجرة في مينيابوليس ب
...
-
أخبار اليوم: أخبار اليوم: الناتو يعتزم إنشاء -منطقة دفاع مؤت
...
-
أفريقيا: قرار ترامب بوقف منح التأشيرات -تمييز وإقصاء شعبوي-
...
-
البوندسليغا.. بايرن يتجرع أول خسارة بعد أشهر من الهيمنة المح
...
-
إيران تؤكد استعدادها للرد على أي هجوم محتمل من قبل الولايات
...
-
بين من يؤيد توجيه ضربة موجعة لإيران ومن يعتقد أن الوقت لم يح
...
-
ما الذي قد تستهدفه الضربة الأمريكية المحتملة ضد إيران؟
-
د. ناصر بن حمد الحنزاب: -التعليم ركيزة أساسية لتعزيز السلام
...
-
هل تواجه مدينتا كادقلي والدلنج مصير الفاشر؟
المزيد.....
-
كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة
/ تاج السر عثمان
-
سيرة القيد والقلم
/ نبهان خريشة
-
سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن
/ خطاب عمران الضامن
-
على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم
/ سعيد العليمى
-
الجاسوسية بنكهة مغربية
/ جدو جبريل
-
رواية سيدي قنصل بابل
/ نبيل نوري لگزار موحان
-
الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة
/ أيمن زهري
-
يوميات الحرب والحب والخوف
/ حسين علي الحمداني
المزيد.....
|