أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أوزجان يشار - صوفيا بارغيري: الطفلة الإيطالية التي عادت إلى ملوك مصر القديمة















المزيد.....

صوفيا بارغيري: الطفلة الإيطالية التي عادت إلى ملوك مصر القديمة


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 17:34
المحور: الادب والفن
    


بين الذاكرة والضوء، وبين الطفولة والخلود، تحكي هذه القصة عن طفلة لم تختفِ، بل تذكّرت مسار رحلتها. قصة لا تمت للواقع، ربما هي مجرد نصّ يلامس تخوم الأسطورة، ويعيد طرح سؤال الغفران بوصفه شرطًا للعودة.



في مساءٍ من صقيع فبراير البعيد، كانت القاهرة تلمع ببطء، لا كمدينة، بل كصندوق عتيق مفتوح لكل زمان.
الضوء لم يكن يسقط على الأشياء، بل كان يخرج منها، كأن الحجارة نفسها تتذكّر، وكأن الهواء محمَّل بأنفاسٍ لم يُغفَر لها بعد.

رائحة الغبار القديمة لم تكن رائحة، بل أثر عبور. ودخان الشوارع لم يكن تلوّثًا، بل ستارًا تتخفّى خلفه المدينة كأنها شابة جميلة خجله كي لا تُراها هكذا بدون زينتها. القاهرة لا تكذب، لكنها لا تقول كل شيء دفعة واحدة.

في فندق «شبرد» القديم، الذي يقف كشاهدٍ صامت على انقلاباتٍ وولاداتٍ واعترافاتٍ لم تُدوَّن، جلست طفلة أمام نافذة عالية. كان الزجاج أقدم من بعض الذكريات البشرية، وكانت الأهرامات هناك، لا في الأفق، بل في عمق عينيها.

لم تكن تنظر إليها، بل تستدعيها.

بأنامل صغيرة مرتجفة لا من البرد بل من الفيض، كتبت على الزجاج المتعرّق:
«أنا أعرف هذا الضوء».

لم تكن جملة، بل اعترافًا متأخرًا.

اسمها صوفيا بارغيري. عشر سنوات بحسب الأوراق، لكن في عينيها الزرقاوين كان هناك زمن غير مصنَّف، زمن لا يخضع للتقويم، بل للندم.

والدها، إيميديو بارغيري، مهندس إيطالي جاء إلى مصر ليشارك في مشروع ترميمٍ آثاري، غير مدرك أن ما سينهار أولًا ليس حجرًا، بل يقينه بالعالم. قال لاحقًا، وهو يشدّ يده حول فنجان قهوة لم يبرد رغم الصمت الطويل:
«حين تنام صوفيا، لا ينام البيت. الجدران تتنفس. الظلال تتحرّك بلا مصدر. أسمعها تتحدث بلغات لا أعرفها، لا تُنطق بل تُستدعى، كأن الكلمات نفسها تخاف من فمها».

كانت تضحك وهي تبكي، ترسم عيونًا متوهّجة على الجدار، ثم تدخل فيها، كأن الجدار صار رحمًا، وكأن الطفولة ليست بداية، بل عودة.

في المدرسة الدولية بالقاهرة، لم تكن صوفيا ترفع يدها. لم تكن بحاجة. المعلّمون كانوا يتوقّفون قبل السؤال، كأن شيئًا في الغرفة قاله نيابة عنها. لم تكن تتعلّم؛ كانت تسترجع. كأن معرفتها لا تأتي من الكتب، بل من طبقة أعمق، من ذاكرة جماعية لم تُغلَق بعد.

قبل مجيئهم إلى مصر، في إيطاليا، امتلأت الصحف باسمها.
«الطفلة التي تتحدث مع الموتى».
«ابنة الشيطان في روما».
لم يبحثوا عن حقيقة، بل عن اسمٍ يعلّقون عليه خوفهم. أُجريت تحقيقات كنسية، وحين لم يُعثر على تفسير، عُثر على قرار. النفي لا يُعلن دائمًا؛ أحيانًا يُقترح وهذا ما جعل والدها يأتي إلى مصر.

في صباحٍ غائم بالقاهرة، طلبت صوفيا من أمها ماريا أن يذهبوا إلى الجيزة. قالت بصوتٍ لا يشبه أصوات الأطفال:
«هناك من لم يغادر بعد».

ضحك الأب محاولًا إنقاذ اللحظة: «من؟ السياح؟ الجِمال؟»

رفعت رأسها ببطء، وفي عينيها شيء يشبه العتاب الأزلي:
«الذين لم يُغفَر لهم كي يرقدوا بسلام».

عند الهرم، كان الهواء أثقل من المعتاد. المرشد السياحي فقد تسلسل كلامه، والكلمات تعطّلت. صوفيا بدأت تسلق الهرم الأكبر، لا كطفلة تلهو، بل كما لو كانت حجرا يعود إلى موضع جسده الأول. خطواتها لم تكن اجتهادًا، بل تذكّرًا عضليًا، كأن جسدها يحمل خريطة أقدم منها.

وفي منتصف الطريق، توقّف الجميع عن المتابعة .
ليس لأنها اختفت، بل لأن الضوء تغيّر.
لقد تقدّمت صوفيا خطوة واحدة، ثم لم يعد هناك ما يمكن وصفه.

في تلك الليلة، استيقظ والداها على صرخةٍ واحدة، كأنها انفلَتت من حلمٍ واحد تقاسماه دون أن يتفقا. رأيا صوفيا تهوي داخل نورٍ ذهبي كثيف، تحيط بها علامات تتحرّك ببطء، لا بوصفها رموزًا هيروغليفية فحسب، بل ككائنات حيّة تبحث عن موضعها الأخير.
وحين اندفعا إلى غرفتها، كانت النافذة مفتوحة على الريح، والجريدة التي اعتادت أن تطويها على شكل هرم صغير مبعثرة على الأرض. في الزاوية، تركت كلمة واحدة، بخطّها الطفولي المرتبك:
«عدتُ».

قُيّد الحادث في سجلات الشرطة المصرية كاختفاء غير مفسر.
لكن في دير سانتا ماريا ديلا فيتوريا في روما، كتب راهب كان يتابع القضية سرًا على هامش مخطوطة مهملة:
«الطفلة لم تختفِ. لقد عبرت طريقًا لا يُفتح إلا لمن حَمَلَ ذاكرة الذنب، لا ذنبه هو».

مرّت الأعوام، وبدا الزمن كأنه يلتفّ حول نفسه. جئتُ إلى القاهرة، فوجدت أن ما أبحث عنه ليس بين الآثار، بل بينها. عند سفح الهرم، شعرت بأن النداء لا يأتي من الخارج، بل من فراغٍ تركه اسم لم يُنطق.

وفي مساءٍ دافئ من أكتوبر، بعد الغروب، جاء الصوت من خلفي:
«لا تنظر خلفك… أنا هنا».

لم يكن في المكان ما يدلّ عليها، سوى شعورٍ مفاجئ بالاكتمال. قالت بهدوءٍ لا يُشبه الأصوات:
«لم أرحل. كنتُ حيث يتوقّف العابرون حين يعجزون عن الغفران».

لم تقل الكثير. كان الضوء هو الذي يتكفّل بالشرح. شعرتُ فقط أن الأهرامات لم تكن بعيدة كما ظننت، وأن ما اعتدنا تسميته ملوكًا لم يكن حجرًا ولا أسماء، بل أنفاسًا عالقة في النور.
وحين مرّ في صدري ذلك الإحساس الغامض بالامتلاء، فهمت دون أن تقول شيئًا:
هذا هو الهرم الحقيقي.

كان حديثها كأنه غناء. لغة لا تُفهم، لم يكن ما فعلته غناءً بقدر ما كان اهتزازًا في الهواء. شيء لا يُفهم، لكنه يترك أثره حيث لا تصل الكلمات. شعرت بأن الصوت لا يخرج منها، بل يمرّ عبرها، كأن المكان نفسه وجد نبرة يتذكّر بها.
وحين بدأ الضوء يخفت، وصلني صوتها لا كأمر، بل كأثرٍ باقٍ:
«لم أختفِ… من يكتب بصدق، لا يستدعي الغائبين، بل يفتح لهم موضعًا».
ثم قالت:
«أخبرهم أني لم أرحل. كل من يكتب بصدق، يعيد أحد الغائبين».

منذ تلك الليلة، صرت أرى الأشياء بعيون تعرف ما وراءها. حتى الهرم لم يعد حجرًا، بل كائنًا يتنفس. في الحلم، دخلت معبدًا بلا باب، حيث ظهرت صوفيا كنورٍ يتخذ هيئة إنسان. قالت:
«لا تكتب عني كأنني غبت. أنا هنا، لكني تغيّرت».

سألتها: «لماذا أنا؟»

ابتسمت:
«لأنك كتبت لتغفر، لا لتُدهش».

قالت إن الذنب هو الذاكرة حين ترفض أن تُسامَح، وإن الغفران ليس فضيلة، بل شرط عبور.
«اغفر للجميع»، قالت، «فالغفران هو الباب الأخير للخلود».

قبل أن أكتب السطر الأخير، أدركت أن بعض القصص لا تطلب نهاية، بل مصالحة. أن الذاكرة، مثل الهرم، لا تُبنى لتُزار، بل لتبقى واقفة في الداخل. كل ما ظننته لغزًا كان جرحًا مؤجَّل الاعتراف، وكل ظهور لم يكن عودة، بل تذكيرًا بما لم نجرؤ على غفرانه بعد.

اليوم، أكتب لا لأدهش، بل لأغفر.
رفعت بصري نحو الهرم، فرأيته يتوهّج لحظة، كابتسامة من زمن بعيد.

وإذا سمعتَ صوتًا صغيرًا لا يناديك باسمك، بل بذنبك القديم، فاعلم أنها هناك.
تنتظر أن تكتب قصتك.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كرة القدم: الوحش الذي أردنا ترويضه… فأطعمناه غضبنا وخيباتنا
- العقل الذي سبق الرصاصة: إيفاريست غالوا، أو كيف تموت الفكرة ق ...
- الحياة كفعل مقاومة: روث كيئيليكولاني، أميرة هاواي التي رفضت ...
- عُمَر بن سعيد: سيرةُ عالمٍ مسلمٍ كُسِرَت قيوده الجغرافية ولم ...
- نحو حلف إستراتيجي إقليمي: خياراتنا، مصيرنا، ومستقبل الشرق ال ...
- على حافة الزلزال الكبير: هل نحن أمام لحظة كسر النظام الإيران ...
- سون تزو: كيف أُفرغ علم تجنّب الحرب من معناه؟
- الوقوف الذي لا ينتهي: حين تتحوّل مدرّجات كرة القدم إلى نصبٍ ...
- قصة لوحة تيموكليا ورمز الكبرياء النسوي في فن إليزابيت سيراني
- من الإرث إلى الاختيار: حين يصبح القلق طريقًا… لا عيبًا
- ومضات من فن رافائيل سانزيو الرسّام والمعماري الإيطالي
- عام 2025: عام حزين آخر يرحل تاركا العالم على عتبة التحوّل ال ...
- ومضات من حياة حنّة آرنت: رحلة نجاة من النازيه حتى انقاذ التف ...
- مجتمع الغربان: بين شريعة الكل وإخفاق الفرد
- الحياة ضمن القطيع: ضرورة اجتماعية أم شعور زائف بالأمان؟
- الخلل في التفكير: بين ضرورة الأولويات ورفاهية الكماليات
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل التاسع والأخير- سيرة ملك بين الطين ا ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل الثامن- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل السابع- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل الخامس- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...


المزيد.....




- -بجّعْد- المغربية في كتاب جديد يتناول تراثهاالعمراني والمعما ...
- فرنسا -ضيف شرف- المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط
- بالفيديو.. سقوط مروع لمصارع في الفنون القتالية
- الصراحة المهنية وبناء ثقافة الشفافية المؤسسية
- فيلم -صوت هند رجب- يرشح لجائزة أوسكار
- أزمة الفنان محمود حجازي وزوجته تصل للنيابة.. روايتان وتحقيقا ...
- معارض لندن لسنة 2026 تتحدى إيقاع الحداثة وتتصالح مع الفن الم ...
- مهرجان دولي للصورة في طنجة تحت شعار -نداء البعيد-
- فيلم -بعد 28 عاما-: رعب دائم وجائحة تحتل الذاكرة الجماعية
- نص سيريالى بعنوان(نشيد العطب اَلأخِير)الشاعرمحمدابوالحسن.الا ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أوزجان يشار - صوفيا بارغيري: الطفلة الإيطالية التي عادت إلى ملوك مصر القديمة