أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أوزجان يشار - قصة لوحة تيموكليا ورمز الكبرياء النسوي في فن إليزابيت سيراني















المزيد.....

قصة لوحة تيموكليا ورمز الكبرياء النسوي في فن إليزابيت سيراني


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 00:25
المحور: الادب والفن
    


امرأة تنتصر على التاريخ بالفرشاة والإرادة

في زمن كانت فيه الحروب تُكتب بسيوف الرجال، وتُرسم بأيديهم أيضًا، برزت قصة تيموكليا كشعلة من نور في ظلام الغزو المقدوني. هذه المرأة الطيبية، التي واجهت مغتصبها بذكاء وقوة، لم تكن مجرد ضحية في سجلات التاريخ، بل أصبحت رمزًا للكرامة الإنسانية التي ترفض الخضوع. ومن بين الفنانين الذين أحيوا قصتها، كانت إليزابيتا سيراني – الفنانة الإيطالية الباروكية من بولونيا – الأكثر إبداعًا في تحويل تلك اللحظة التاريخية إلى عمل فني يتجاوز الزمن. لوحتها “تيموكليا تقتل مغتصبها” (1659) ليست مجرد تصوير لانتقام، بل هي إعلان عن قوة المرأة في مواجهة السلطة الذكورية، ودليل على كيف يمكن للفن أن يعيد كتابة التاريخ من منظور أنثوي.
في هذا المقال، سنستعرض حياة إليزابيتا سيراني، مسيرتها الفنية القصيرة لكن المؤثرة، والمدرسة الباروكية التي انتمت إليها. سنغوص في التأثيرات التاريخية والثقافية والاجتماعية التي شكلت أعمالها، ثم نروي القصة التاريخية الكاملة لتيموكليا كما وردت في المصادر القديمة. بعد ذلك، سنحلل اللوحة بالتفصيل، من جوانبها الجمالية والرمزية، ونناقش كيف أثرت هذه اللوحة على مسيرة سيراني، مما جعلها أيقونة في تاريخ الفن النسوي. سنعتمد على مصادر تاريخية مثل بلوتارخ، ودراسات فنية حديثة، لندعم الرواية بتفاصيل دقيقة، محاولين الوصول إلى فهم أعمق لكيفية تحول لحظة شخصية إلى أسطورة عالمية.

ــــــــــــــ

سيرة إليزابيتا سيراني: عبقرية مبكرة في عالم ذكوري

ولدت إليزابيتا سيراني في 8 يناير 1638 في بولونيا، الدول التابعة للكنيسة البابوية في إيطاليا، كأكبر أربعة أطفال لمارغريتا وجيوفاني أندريا سيراني. كان والدها تاجر فن ورسامًا في مدرسة بولونيا، وكان مساعدًا للرسام الشهير غويدو ريني، لكنه لم ينتج الكثير من الأعمال الخاصة به، مفضلاً التدريس. أسس جيوفاني أول مدرسة للرسم الحي في منزل إيتوري غيسيليري، وكان يدير ورشة فنية في المنزل. رغم تردد والدها الأولي في تدريبها، بدأت إليزابيتا تتعلم الرسم في ورشته منذ الصغر، مستفيدة من دراسة تقنياته ذاتيًا. يروي كارلو تشيزاري مالفاسيا، كاتب سير الفنانين وصديق العائلة، أنه هو الذي أقنع والدها بتدريبها بعد أن لاحظ موهبتها، لكن هذا قد يكون مبالغة لتعزيز سمعته الخاصة.
ظهرت سيرة سيراني في كتاب مالفاسيا “فيلسينا بيتريتشي: حياة رسامي بولونيا” (1678)، حيث وصفها كتجسيد للعبقرية البولونية، مشيدًا بتكويناتها الأصلية، أسلوبها في الرسم، سرعة عملها، واحترافيتها. قارنها مالفاسيا بلافينيا فونتانا، لكنه أبرز جرأتها مقابل خجل فونتانا. درست سيراني أعمال فنانين مثل أنيبالي كاراتشي، لورينزو باسينيلي، ديسوبليو، سيموني كانت ريني، وكارلو تشيغنياني، بالإضافة إلى تاريخ الكتاب المقدس، حياة القديسين، والأساطير الكلاسيكية. كانت أيضًا ماهرة في الموسيقى، ربما بفضل صهرها الموسيقي.
حصلت سيراني على أول تكليف لها في سن المراهقة: لوحة “عماد المسيح” كرفيقة للوحة والدها. بحلول عام 1654، تفوقت شهرتها على والدها وأخواتها (اللواتي كن رسامات أيضًا)، وعندما أصيب جيوفاني بالنقرس وأصبح عاجزًا، تولت إدارة الورشة العائلية، وأصبحت المعيل الرئيسي من خلال التدريس وتكليفات البورتريهات. ازدهرت ورشتها في جو بولونيا التقدمي، الذي كان يقبل الفنانات النساء. أنتجت أكثر من 200 لوحة، 15 نقشًا، ومئات الرسومات، وسجلت أعمالها منذ 1655، موقعة الكثير منها لتمييزها عن أعمال والدها ولتأكيد ابتكارها.
دعت سيراني النقاد لمشاهدتها ترسم بورتريه في جلسة واحدة في 13 مايو 1664 لدحض الشكوك حول إنتاجيتها. أسلوبها يشبه غويدو ريني لكنه يحمل تباينات أكبر في الضوء والظل، ضربات فرشاة ماهرة، وألوانًا براقة، متأثرة بلودوفيكو كاراتشي، غويرتشينو، وسيموني كانت ريني. تخصصت في الرسم التاريخي الذي يركز على النساء، محطمة الأعراف الجندرية باستخدام أنماط رمزية مستمدة من “إيكونولوجيا” تشيزاري ريبا، مع دمج الأساطير والشعر الهوراسي. كان رعاتها من الكرادلة، الملوك، الأمراء، التجار، والأكاديميين من بولونيا وأوروبا؛ زارها دبلوماسيون ونبلاء لمشاهدة عملها.
من أبرز أعمالها:
• “صورة ذاتية كرمز للرسم” (1658، متحف بوشكين، موسكو)
• “العذراء والطفل” (1663، المتحف الوطني للمرأة في الفنون، واشنطن)
• “عماد المسيح” (1658، سيرتوزا دي بولونيا)
• “المريم العذراء تتأمل الطفل يسوع” (1664، زيت على قماش، 85 × 69 سم)
• “جوديث مع رأس هولوفرنس” (حوالي 1660)
• “القديس أنطونيوس من بادوا” (1662، بيناكوتيكا نازيونالي دي بولونيا)
• “بورسيا تجرح فخذها” (1664، فوندازيوني كاريس بو، بولونيا)
• “رمز الموسيقى” (1659)
• “العذراء والطفل” (حبر وغسول على ورق)
• “رمز العدالة والمحبة والحكمة” (1664)
• “القديس يوسف مع الطفل يسوع” (حوالي 1662)
• “اكتشاف موسى” (قبل 1665)
• “بورتريه فينشينزو فيرديناندو رانوزي كأمور” (1663)
• “تيموكليا تقتل قائد الإسكندر الأكبر” (1659)
• على الأقل 13 لوحة مذبح عامة، بالإضافة إلى صور دينية مثل العذراء والطفل والعائلة المقدسة، الشائعة لدى الجامعين الخاصين. تغطي مواضيعها السرديات التاريخية/الكتابية، الرموز، البورتريهات (غالباً للنساء)، والرسم التاريخي.

ـــــــــــــ

المدرسة الفنية: الباروكية بطابع إنساني أنثوي

تنتمي سيراني إلى المدرسة الباروكية الإيطالية، التي اشتهرت بالدراما الحركية، الضوء المتفجر من الظلمة، التكوينات المتوترة، واللحظات المجمدة على حافة الانفعال العاطفي. كانت الباروكية مشروعًا ثقافيًا يرسم العوالم الداخلية، لا الوجوه فحسب. لكن سيراني طورت أسلوبًا خاصًا: باروكية بدون مبالغة، واقعية بدون فقر، وإنسانية عميقة تجعل المرأة مركز الفعل. بخلاف باروكيين آخرين، ابتعدت عن المبالغة الجسدية، محافظة على الطابع الإنساني، خاصة في لوحات البطلات التاريخيات اللواتي كسرن أدوارهن المفترضة. كانت لوحاتها مزيجًا من الدراما الباروكية والنعومة الإنسانية، مع أسلوب يقترب من صدق العاطفة وقوة الجسد البشري. لُقبت بـ”رافاييل بولونيا” لمهارتها المبكرة وتفوقها التقني، وبـ”سيدة الباروكية” لقوة تكويناتها. في لوحتها عن تيموكليا، تكون باروكية في الضوء، كلاسيكية في البناء، وإنسانية في جوهرها، مما يجعلها مختلفة عن أعمال معاصريها.

ـــــــــــــ

التأثيرات التاريخية والثقافية والاجتماعية على أعمال سيراني

نشأت سيراني في بولونيا، مدينة ذات إرث فريد: أول جامعة في أوروبا (تأسست عام 1088)، ومكان منح المرأة مساحة ثقافية أوسع من غيرها. كانت بولونيا حالة استثنائية في القرن السابع عشر، حيث سمحت بظهور فنانات نساء، وكانت سيراني في مقدمتهن. هذا المناخ التقدمي جعلها تتعامل مع البطولة النسوية كحقيقة تاريخية تم تجاهلها، لا كاستثناء. لذلك، جاءت بطلاتها – مثل تيموكليا، جوديث، وبورسيا – مزيجًا من القوة، العقل، والصلابة الأخلاقية. لم تكن النساء في لوحاتها زينة، بل محركات للتاريخ.
كان للصراعات الدينية والسياسية في أوروبا – مثل حروب الثلاثين عامًا (1618-1648) – أثر واضح في إبراز “القيمة الأخلاقية للفعل”. فتيموكليا ليست مجرد امرأة تثأر، بل تدافع عن كرامتها بنفس المنطق الذي دافع به شعوب عن هويتها. أما التأثير الاجتماعي، فتمثل في مواجهة سيراني نفسها لمنظومة ذكورية في الفن. كانت المرأة محرومة من الدراسة الرسمية، مقصاة عن الأكاديميات، لكن سيراني كسرت هذا القيد بتأسيس ورشة لتعليم النساء – أول مدرسة رسم غير رهبانية للنساء في أوروبا. دربت عشرات النساء، بغض النظر عن خلفياتهن الفنية أو الاجتماعية، مثل أخواتها باربارا وآنا ماريا، فيرونيكا فونتانا (نقاشة خشب)، كاتيرينا بيبولي، ماريا إلينا بانزاتشي، كاميليا لانتيري، لوكريتيا فورني (لوحات دينية)، فيرونيكا فرانشي (مواضيع أسطورية)، لوكريتزيا سكارفاغليا، وجينيفرا كانتوفولي (منافسة).
انعكست تجربتها الشخصية في اختياراتها: البطلة التي تواجه سلطة عسكرية تشبه الفنانة التي تواجه سلطة المجتمع. شهدت أوروبا صراعات دامية، وكان شبح الحرب حاضرًا في الفن، حيث تكشف قصص النساء هشاشة القانون أمام السيوف. منحت بولونيا سيراني حرية فكرية، مما انعكس في مواضيعها القوية التي تمنح المرأة دورًا قياديًا. قارنت دراسات حديثة أعمالها بأرتيميزيا جينتيليسكي، خاصة في تصوير البطلات القويات مثل جوديث، لكن سيراني أضافت إيقونولوجيا فريدة، محطمة الأعراف الجندرية بتصوير الجسد الذكري العاري في سياقات دينية.

ـــــــــــــ

القصة التاريخية لتيموكليا: من بلوتارخ إلى الأسطورة

تروي القصة التاريخية لتيموكليا (أو تيموكليا من طيبة) في مصادر قديمة، خاصة في “حياة الإسكندر” لبلوتارخ، وفي “فضائل النساء” له أيضًا. وقعت الحادثة خلال حملة الإسكندر الأكبر في البلقان عام 335 ق.م، بعد تمرد طيبة على الحكم المقدوني. كان الانتقام قاسيًا: دمرت المدينة، قتل الآلاف، وبيع الآخرون كعبيد، مع انتهاكات واسعة للمدنيين كما في معظم الحروب القديمة.
كانت تيموكليا من عائلة اجتماعية مرموقة، أخت تياجينيس، آخر قائد للفرقة المقدسة لطيبة، الذي مات في معركة خايرونيا عام 338 ق.م دفاعًا عن حرية اليونان ضد فيليب المقدوني (والد الإسكندر). بعد دخول الجيش، اقتحم قائد ثراقي (من قوات الإسكندر الثراقية) منزلها، اغتصبها، ثم طالبها بكشف كنوزها. لم ترتجف، بل أجابته بثبات، وقادته إلى بئر في حديقتها، موهمة إياه بوجود كنوز – أواني فضية، ذهب، ومال – في قعرها الجاف.
يصف بلوتارخ اللحظة بدقة: انحنى القائد ليطل داخل الظلمة، فدفعته تيموكليا بكل قوتها، فسقط مختل التوازن. ثم نزلت إلى البئر ورمت عليه الصخور الثقيلة حتى تأكدت من موته. لم تهرب، بل وقفت ثابتة عندما قبض عليها الجنود الثراقيون واقتيدت إلى الإسكندر. سألها الإسكندر عن سبب فعلتها، فأجابت بكرامة: “لم أتركه ينجو بعد أن انتهك بيتي وشرفي”. ذكرت أن أخاها مات دفاعًا عن اليونان. أعجب الإسكندر بشجاعتها، وقرر أن العدالة قد تمت، فأمر بإطلاق سراحها وأطفالها، وأمر ضباطه بحماية العائلات المرموقة من المزيد من الانتهاكات.
في “فضائل النساء”، يختلف الرواية قليلاً: ينزل القائد إلى البئر بنفسه، ثم ترمي تيموكليا الصخور. لم يطلق الإسكندر سراحها صراحة، بل أمر بحمايتها وعائلات أخرى. تحولت تيموكليا إلى رمز للبطولة النسوية أمام السلطة العسكرية الذكورية. ذكرت المصادر الأخرى مثل أريانوس في “أناباسيس الإسكندر”، ديودور الصقلي في “المكتبة التاريخية”، وكورنيليوس نيبوس في “حياة القادة”، تفاصيل مشابهة، مع التركيز على إعجاب الإسكندر.

ــــــــــــ

تحليل اللوحة: لحظة الانتقام كرمز للكرامة

الفنانة سيراني صورت وهي ترسم لوحة “تيموكليا مشهد قتل قائد الإسكندر الأكبر” (1659) لحظة سقوطه داخل البئر، ذروة الفعل الأخلاقي. اختارت سيراني هذه اللحظة بدلاً من المشهد اللاحق أمام الإسكندر، لتركيزها على التحول الداخلي. المشهد موقوت بالانفجار: تيموكليا تقف بثبات، وجهها هادئ، ذراعاها قويتان، عيناها غير مرتجفتين. هذا الهدوء يخفي غضبًا نبيلًا، إرادة لا صراخ فيها. الجسد المنكفئ للقائد – مقلوب، مختل التوازن – يرمز إلى انتكاسة السلطة الذكورية التي اعتقدت كل شيء مباحًا في الغزو.
يستخدم الضوء الباروكي ببراعة: ينسكب على جسد تيموكليا، مضيئًا فعلها العادل، بينما يترك الظالم في الظلمة. تبدو تيموكليا أقوى رغم فارق البنية، رمزًا لعودة التوازن الأخلاقي. اللون الأحمر في الثياب يعبر عن الغضب المكبوت، والخلفية الدرامية – درجات، جرة، أنقاض – تعزز التوتر. اللوحة مستوحاة من نقش ماتيوس ميريان (1629-1630)، لكن سيراني أضافت لمسة أنثوية، مركزة على قوة المرأة لا رحمة الإسكندر. مقارنة بدومينيكينو (1615، اللوفر)، الذي رسم تيموكليا أمام الإسكندر مع أطفالها، تركز سيراني على الفعل نفسه.
البعد الرمزي: اللوحة إعلان عن أن الألم يتحول إلى بطولة، والجسد سلاح للكرامة. تظهر تيموكليا كفاعلة، لا ضحية، مما يعكس وعي سيراني النسوي المبكر.

ــــــــــــــــ

كيف أثرت اللوحة على مسيرة سيراني: من الشهرة إلى الإرث النسوي

أثرت لوحة “تيموكليا” بشكل كبير على مسيرة سيراني، مساهمة في شهرتها الكبرى رغم عمرها القصير. كانت واحدة من أعمالها المبكرة (عمر 21 عامًا)، وأظهرت مهاراتها الاستثنائية في الرسم التاريخي، مما جذب رعاة أوروبيين. كسرت احتكار الرجال لرسم بطلات التاريخ، وقدمت جسد المرأة كفاعل، لا موضوع جمال. أعادت قراءة قصة قديمة بمنظور أنثوي، جسدت لحظة نادرة: امرأة تنتصر على مغتصبها في زمن كانت الضحية تلوم. جمعت بين الضوء الباروكي وعمق الأخلاقي، مما جعلها علامة فارقة في تمثيل البطولة النسوية.
ساهمت اللوحة في ترسيخ سيراني كرائدة: كانت أول امرأة في بولونيا تتخصص في الرسم التاريخي، خلافًا للأنواع النسائية التقليدية مثل الطبيعة الصامتة. أثرت على تلاميذها، اللواتي تبعنها في رسم التاريخ، مما عزز دور النساء في الفن الباروكي. مقارنة بأرتيميزيا جينتيليسكي، أظهرت سيراني بطلات قويات مع إيقونولوجيا فريدة. اللوحة جزء من معرضها الذي يركز على الوكالة النسائية، مما رفع مكانتها في بولونيا كـ”الفرشاة المأسوف عليها”.
رغم وفاتها المفاجئة في 28 أغسطس 1665 بعمر 27 عامًا – ربما بسبب قرحة معدية متفجرة أو إجهاد – تلقت جنازة مهيبة في بازيليكا سان دومينيكو بجانب قبر غويدو ريني، مع تمثال حي لها، خطب، وموسيقى. ألقت وفاتها ظلال شك في التسمم، لكن التهم ضد خادمتها سحبت. أثرت اللوحة في إرثها: أصبحت رمزًا للتمكين النسوي، وألهمت دراسات حديثة مثل “تدجين العبقرية” لإليزابيث كروبر، و”فن الباروك في بولونيا” لدونالد بوسنر.

ـــــــــــــــــ

عندما يصبح الفن ذاكرة أخلاقية

تثبت لوحة تيموكليا، كما صاغتها إليزابيتا سيراني، أن الفن ليس توثيقًا محايدًا للأحداث ولا مجرد إعادة تمثيل بصري للتاريخ، بل هو فعل أخلاقي كامل، يعيد توزيع العدالة داخل الذاكرة الإنسانية حين تعجز النصوص عن ذلك. فالتاريخ، كما وصلنا، كُتب في الغالب بأقلام المنتصرين، وحُمِّلت صفحاته بأسماء القادة والمعارك، بينما انزلقت حكايات النساء، وصرخات الأفراد، إلى الهوامش. هنا يتدخل الفن لا ليجمل المأساة، بل ليمنحها وزنها الأخلاقي الذي سُلب منها.

لولا الفرشاة، لبقيت تيموكليا اسمًا عابرًا في سطر عند بلوتارخ، حادثة تُروى ثم تُنسى، لكن الفن حوّلها إلى حضور دائم. منحها جسدًا لا بوصفه موضوعًا للنظر، بل أداة للفعل، ومنحها ضوءًا لا ليكشف ملامحها فقط، بل ليكشف عدالة فعلها، وصوتًا لا يخفت لأنه لا ينتمي إلى زمن واحد. في لوحة سيراني، لا نرى امرأة تنتقم، بل نرى كرامة تستعيد توازن العالم للحظة، في مواجهة سلطة عسكرية اعتادت أن تفرض سرديتها بالقوة.

وفي هذا المعنى، تصبح اللوحة أكثر من عمل فني؛ تصبح وثيقة ضمير. فالفن هنا لا يقف على مسافة من الحدث، بل ينحاز أخلاقيًا، ويقول بوضوح ما يتردد التاريخ في قوله: إن العدالة قد تولد أحيانًا خارج القانون، وإن الجسد الذي انتهك يمكن أن يتحول إلى أداة مقاومة، لا إلى أثر صامت للألم. بهذا المعنى، لا تُخلِّد سيراني تيموكليا فحسب، بل تُدين بنية كاملة من العنف الذكوري والعسكري الذي اعتبر جسد المرأة غنيمة حرب.

في زمننا الراهن، حيث ما تزال الحروب تعيد إنتاج أنماط الانتهاك نفسها، وتُعاد كتابة المآسي بلغة الأرقام والبيانات، تظل لوحة تيموكليا شاهدًا حيًا على قدرة المرأة على تحويل الألم إلى فعل، والهزيمة إلى سؤال مفتوح، لا يُغلقه الزمن. إنها تذكير بأن الذاكرة ليست مجرد أرشيف، بل مسؤولية، وأن الفن حين يبلغ ذروته لا يزيّن الماضي، بل يضعه موضع المساءلة.

هنا، عند هذا التقاطع الحاد بين الجمال والأخلاق، يتلاقى الفن مع الضمير، وتنتصر الذاكرة على النسيان. لا لأن المأساة انتهت، بل لأن هناك من رفض أن تمر بصمت. وفي هذا الرفض تحديدًا، تكمن عظمة إليزابيتا سيراني… وعظمة لوحة تيموكليا معًا.

ــــــ

المصادر والمراجع

المصادر الكلاسيكية (التاريخ القديم)
• بلوتارخ، حياة الإسكندر الأكبر، ضمن: السير المتوازية (Parallel Lives).
• بلوتارخ، فضائل النساء (Moralia: On the Virtues of Women).
• أريانوس، أناباسيس الإسكندر (Anabasis Alexandri).
• ديودور الصقلي، المكتبة التاريخية (Bibliotheca Historica).
• كورنيليوس نيبوس، حياة القادة العظام (Lives of Eminent Commanders).



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الإرث إلى الاختيار: حين يصبح القلق طريقًا… لا عيبًا
- ومضات من فن رافائيل سانزيو الرسّام والمعماري الإيطالي
- عام 2025: عام حزين آخر يرحل تاركا العالم على عتبة التحوّل ال ...
- ومضات من حياة حنّة آرنت: رحلة نجاة من النازيه حتى انقاذ التف ...
- مجتمع الغربان: بين شريعة الكل وإخفاق الفرد
- الحياة ضمن القطيع: ضرورة اجتماعية أم شعور زائف بالأمان؟
- الخلل في التفكير: بين ضرورة الأولويات ورفاهية الكماليات
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل التاسع والأخير- سيرة ملك بين الطين ا ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل الثامن- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل السابع- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل الخامس- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل السادس- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل الثالث- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل الرابع- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل الأول- سيرة ملك بين الطين البابلي وا ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل الثاني- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...
- رايان الذي روى عطش مليون إنسان
- ومضات من بريق ضوء في ماريلاند: رحلة باميلا واتسون عبر سكون ا ...
- الهندسة الأخلاقية للكون: قراءة في فلسفة براين لويس ومشروعه ف ...
- الوجه الخفي لليابان: من صليل سيوف فرسان الساموراي إلى رقة تل ...


المزيد.....




- عالم ما بعد هوليود: كيف تعيد صناعة السينما رسم خريطة التأثير ...
- مارلين بوث تحصد جائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية 2025 ...
- “فيلة وسناجب”: فيلم يكشف صعوبة استرداد الكنوز الأثرية المنهو ...
- غوينيث بالترو تكشف عن فقدانها لدور سينمائي بعد إعلان انفصاله ...
- تطورات الحالة الصحية للفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- وزير الإعلام اللبنانى ينعى نجل الفنانة فيروز
- الممثلة المصرية لقاء سويدان تكشف إصابتها بالعصب السابع على ا ...
- -Paname-.. معرض الفنان التشكيلي الجزائري بلال حمداد يدخل با ...
- بعد صدور كتابه - أبو الهول حارس السر المجهول - ؛ اختيار عمرو ...
- سارايكتش للجزيرة نت: الاستشراق الصربي تحول إلى أداة لتبرير إ ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أوزجان يشار - قصة لوحة تيموكليا ورمز الكبرياء النسوي في فن إليزابيت سيراني