أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أوزجان يشار - الحياة كفعل مقاومة: روث كيئيليكولاني، أميرة هاواي التي رفضت الذوبان ولم تتخلَّ عن عالمها















المزيد.....


الحياة كفعل مقاومة: روث كيئيليكولاني، أميرة هاواي التي رفضت الذوبان ولم تتخلَّ عن عالمها


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 22:21
المحور: قضايا ثقافية
    


كانت تملك ما يكفي من الأرض ليصمت أمامها وطنٌ كامل.
نحو تسعة في المئة من أراضي هاواي كانت باسمها، في زمنٍ كانت فيه الأرض تُشترى، وتُباع، وتُنتزع من أصحابها باسم “التقدّم”.

كانت تفهم اللغة الإنجليزية فهمًا كاملًا؛ لغة القوة الصاعدة، ولغة التجارة والمعاهدات والضغوط الدبلوماسية. ومع ذلك، رفضت أن تنطق بها. لا عن عجز، ولا عن جهل، بل عن وعيٍ حادّ بأن الكلمات، مثل الأرض، إن تنازلت عنها مرةً فلن تعود.

وكان يمكنها أن تعيش كما أراد لها المنتصرون: في قصرٍ فخم، وبملابس أوروبية، ولسانٍ يرضي الجميع. لكنها اختارت أن تسكن بيتًا من العشب، بيتًا عاش فيه أسلافها، لا بوصفه رمزًا، بل بوصفه بيتًا حقيقيًا تُدار منه شؤون الحكم وتُستقبل فيه الوفود.
اختارت البساطة لا لأنها فُرضت عليها، بل لأنها أرادتها.

اسمها روث كيئيليكولاني.
أميرة أمضت حياتها بالأفعال لا بالشعارات، لتثبت أن امتلاك السلطة لا يعني التخلي عن الهوية، وأن العيش بين عالمين لا يفرض عليك أن تهجر الأول لصالح الثاني.

وُلدت روث كيئيليكولاني في التاسع من فبراير عام 1826، في بوهوكاينا بجزيرة أواهو، في لحظة تاريخية دقيقة كانت فيها مملكة هاواي لا تزال دولة مستقلة ذات سيادة، لكنها تقف على حافة تحوّل لا رجعة فيه. جاءت إلى العالم محمولةً على إرثٍ ثقيل من النَسب والسلطة؛ فقد انحدرت من أرفع السلالات الملكية الهاوايية من جهتي الأب والأم.

كانت أمها كالاني باواهي، ابنة باولي كاوليوكو، الابن البيولوجي الأكبر لكاميهاميها الأول، الملك الذي وحّد جزر هاواي وأسس المملكة. أما والدها فكان ماتايو كيكواناوا، أحد أبرز الزعماء السياسيين في عصره، وحاكمًا سابقًا لجزيرة أواهو.
بعبارة أخرى، وُلدت روث في قلب السلطة، لا على هامشها، وفي مركز التاريخ، لا على أطرافه.

انتمت روث إلى طبقة الأليʻi، وهي كلمة تحمل في نطقها ما تحمله في معناها. وقد كُتب اسم هذه الطبقة بتلك العلامة الصغيرة التي قد تستوقف القارئ—علامة ليست حرفًا أجنبيًا ولا زينة لغوية، بل أثرًا صوتيًا من لغةٍ قاومت المحو مثلما قاوم أهلها. إنها وقفة خفيفة في النطق، تشبه الهمزة في العربية، كأن الكلمة تتنفس قبل أن تُقال، وكأن اللغة نفسها ترفض أن تُنطق على عجل.
هذه الوقفة ليست تفصيلًا عابرًا؛ إنها تذكير بأن للكلمات ذاكرة، وأن حذف علامة صغيرة قد يكون الخطوة الأولى نحو محو المعنى كله.

الإبقاء على هذه العلامة ليس تشدّدًا لغويًا، بل وفاء لنطقٍ أصيل، ولغةٍ أُريد لها أن تُنسى، فاختارت—عبر من نطقوها—أن تبقى.

أما الأليʻi أنفسهم، فلم يكونوا نبلاء بالمعنى الإقطاعي الأوروبي، ولا أرستقراطية تقوم على الامتياز الطبقي المجرّد أو تراكم الثروة. كانوا، في المخيال الهاوايي، حلقة الوصل بين السماء والأرض. يُنظر إليهم بوصفهم حملة المانا—تلك القوة أو الطاقة الروحية المقدّسة التي لا تُكتسب بالانتخاب ولا تُمنح بمرسوم، بل تُورث مع الدم، وتُصان بالفعل والسلوك.

لم تكن السلطة، في الثقافة الهاوايية التقليدية، شأنًا إداريًا منفصلًا عن الكون. الحاكم لم يكن مديرًا سياسيًا يجلس خلف القوانين، بل وسيطًا بين البشر والآلهة، ومسؤولًا عن حفظ التوازن بين الأرض والناس والعالم الروحي. فخصوبة الأرض، وهدوء البحر، وانتظام المواسم، لم تكن تُفهم بمعزل عن عدالة الحاكم ونقاء ماناه.

وكان الانتماء إلى طبقة الأليʻi يُحدَّد بالنَسب المقدّس، لا بالثروة وحدها. فكلما اقترب النسب من السلالات الملكية العليا، وعلى رأسها سلالة كاميهاميها، ازدادت المكانة الروحية والسياسية معًا. ولهذا لم يكن احترام الأليʻi قائمًا على القسر أو السلاح، بل على الاعتراف الجمعي بشرعيتهم، وعلى إيمان الناس بأن بقاء التوازن الكوني نفسه مرتبط ببقائهم في موقعهم.

ومع دخول الاستعمار الغربي، لم تُهاجَم هذه الطبقة بالسلاح أولًا، بل أُفرغت من معناها. جرى فصل السلطة عن الروح، والدين عن الأرض، وتحويل الأليʻi إلى ألقاب شكلية داخل نظام سياسي جديد لا يعترف بالمانا ولا يفهمها. صار النَسب مجرّد اسم، والحكم وظيفة، واللغة عائقًا.

غير أن روث كيئيليكولاني رفضت هذا التفريغ. تمسكت بالفهم التقليدي للأليʻi، لا بوصفهم بقايا ماضٍ يجب تجاوزه، بل باعتبارهم حُرّاس الهوية، وآخر خط دفاع بين شعبٍ يُعاد تشكيله قسرًا، وعالمٍ يُراد له أن يُمحى باسم التحديث.

نشأت روث وهي تشهد تآكل عالمها حجرًا بعد حجر، لا بانفجارٍ واحد، بل بتغييرات صغيرة متتابعة كانت تبدو، في ظاهرها، إصلاحًا، وفي جوهرها اقتلاعًا. ففي طفولتها، وصل المبشرون المسيحيون من نيو إنغلاند إلى جزر هاواي، حاملين الكتاب المقدس بيد، ونموذجًا كاملًا للحياة الأوروبية باليد الأخرى. لم يأتوا لنشر الدين وحده، بل لإعادة صياغة الإنسان الهاوايي نفسه: لغته، ولباسه، ونظرته إلى الجسد، والطبيعة، والآلهة.

لم تكن المسألة مسألة إيمان، بقدر ما كانت إدارة ثقافية شاملة. فالهولا—الرقصة التي لم تكن مجرّد احتفال، بل سردًا حيًا للأساطير، والأنساب، وتاريخ الأرض—صُنّفت “وثنية” ومُنعت. والديانة التقليدية، التي كانت ترى في البراكين والبحر والخصوبة قوى حية تستحق الاحترام، أُدينت بوصفها خرافة. آلهة مثل بيلي، إلهة البراكين التي تُجسّد قوة الخلق والدمار معًا، وكاني، إله الخصوبة واستمرار الحياة، تحوّلت فجأة إلى رموز للضلال يجب محوها من الذاكرة العامة.

في الوقت نفسه، بدأت حملة منظّمة لتجريم اللغة الهاوايية ذاتها. لم تُعامل كلغة شعب، بل كعقبة أمام “التحضّر”. فُرض على السكان أن يتحدثوا الإنجليزية، لغة التجارة والمعاهدات والسلطة الجديدة، وأن يرتدوا لباس الأوروبيين، وأن يتبنّوا أخلاقًا اجتماعية غريبة عن علاقتهم التقليدية بالجسد والطبيعة. لم يكن المطلوب تغيير ما يعبدون فقط، بل كيف يرون العالم.

وكان هذا التحول جزءًا من عملية استعمارية أوسع، بدأت فعليًا بوصول المبشرين عام 1820، لكنها كانت قد مهّدت الطريق لنفسها قبل ذلك بعام واحد، حين أُلغي نظام الكابو رسميًا سنة 1819، أي قبل ولادة روث بسبع سنوات. لم يكن الكابو مجرد قوانين دينية، بل نظامًا شاملًا ينظّم تفاصيل الحياة اليومية: ما يُؤكل، ومن يأكل مع من، وكيف يُمارس الزواج، ومتى تُقام الطقوس، وكيف يُحافَظ على التوازن بين البشر والطبيعة.

كان هذا النظام يقوم على مفهوم المانا—الطاقة الروحية التي تمنح الشرعية والسلطة، والتي تربط الإنسان بمكانه في الكون. وبإلغائه، لم يُلغَ نظام اجتماعي فحسب، بل انقطع الخيط الذي كان يربط الناس بأرضهم وآلهتهم وتاريخهم. وهكذا، فتحت الطريق أمام عالم جديد، لا يعترف بالمانا، ولا يفهمها، ويقيس كل شيء بمعايير الربح والانضباط والطاعة.

في هذا المناخ نشأت روث: بين عالمٍ يُهدم باسم التحديث، وآخر لا يزال حيًا في الذاكرة واللغة والطقس. لم ترَ التحوّل كحتمية تاريخية، بل كخسارة متعمّدة، وهو ما سيشكّل لاحقًا جوهر موقفها من كل ما فُرض على شعبها باسم “التقدم”.

ومع بلوغ روث سن الرشد، كانت مملكة هاواي قد دخلت مرحلة جديدة من التحوّل القسري. أغلب أفراد العائلة الملكية، الذين نشأوا مثلها داخل عالم طقسي وروحي قديم، كانوا قد اعتنقوا المسيحية. لم يكن ذلك قرارًا واحد الدافع؛ فبعضهم وجد فيها خلاصًا روحيًا، وبعضهم خضع لها تحت ضغط المبشرين، وبعضهم رأى فيها وسيلة للحفاظ على النفوذ في نظام سياسي جديد يُعاد تشكيله على مقاس القوى الغربية.
كان التحوّل، في كثير من الحالات، أقل قناعةً منه تكيفًا مع واقع يتغيّر بسرعة، واقع يُكافئ من ينسجم معه ويُقصي من يقاومه.

الأغلبية اختارت هذا الطريق.
أما روث، فلم تفعل.

لم يكن رفضها مجرّد تشبّث بعقيدة قديمة، بل موقفًا واعيًا من عالمٍ يُعاد تعريفه من الخارج. واصلت ممارسة الديانة التقليدية، واحترمت الآلهة التي شكّلت الوعي الهاوايي قرونًا طويلة، وأدّت الطقوس التي صُنّفت “محظورة” في ظل النظام الجديد. فعلت ذلك علنًا، دون مواربة، في زمنٍ صار فيه الإيمان القديم شأنًا خاصًا يُمارس في الخفاء إن سُمح له أصلًا.

الجميع كان يعلم.
لكن أحدًا لم يكن قادرًا على منعها.

لم تكن روث أميرة باللقب وحده، ولا مجرّد شخصية رمزية داخل بلاط يتآكل. كانت تمتلك ما هو أثقل من الألقاب: الأرض، والولاء الشعبي، والشرعية التاريخية المتجذّرة في النَسب والمانا. كانت تعرف أن سلطتها لا تستمد قوتها من اعتراف المبشرين أو رضا القوى الأجنبية، بل من ارتباطها العميق بالأرض وبالذاكرة الجماعية لشعبها.

وقد تجلّى هذا الارتباط بأوضح صوره في حادثة أصبحت لاحقًا جزءًا من الذاكرة الهاوايية. بين عامي 1880 و1881، حين هدّد تدفّق الحمم البركانية من بركان ماونا لوا مدينة هيلو، لم تكتفِ روث بإصدار الأوامر من بعيد، ولم تتعامل مع الكارثة بوصفها شأنًا إداريًا. توجّهت بنفسها إلى موقع البركان، في فعل يحمل دلالة سياسية وروحية في آن واحد، وأدّت طقوسًا تقليدية شملت الصلاة والقرابين لإلهة البراكين بيلي.

في ثقافة بدأت تفصل بين الطبيعة والروح، كان هذا الفعل صادمًا. لكنه، بالنسبة لكثير من الهاوايين، كان استعادةً لمعنى قديم: أن الكوارث ليست أحداثًا عمياء، وأن العلاقة مع الأرض ليست علاقة سيطرة، بل حوار واحترام. ووفقًا للروايات الهاوايية المتوارثة، توقّف تدفّق الحمم بعد تلك الطقوس، أو خفّ على نحوٍ أنقذ المدينة من الدمار الكامل.

سواء قُرئت الحادثة بوصفها إيمانًا أو رمزًا، فقد كان أثرها واضحًا. تعزّزت مكانة روث لا بوصفها حاكمة سياسية فحسب، بل كحارسة للتراث الروحي، وامرأة لا تزال قادرة، في زمن التحوّل القاسي، على مخاطبة القوى التي شكّلت وجدان شعبها منذ قرون.

تولت روث منصب الحاكمة الملكية لجزيرة هاواي، أحد أقوى المناصب السياسية في المملكة آنذاك، واستمرت فيه واحدًا وعشرين عامًا متواصلة. لم يكن المنصب شرفيًا ولا رمزيًا، بل موقعًا فعليًا تُدار منه شؤون الأرض والضرائب والقضاء والعلاقات مع القوى الأجنبية. كانت الجزيرة، الأكبر والأثقل وزنًا في الأرخبيل، مركزًا استراتيجيًا تتقاطع فيه المصالح التجارية والدينية والسياسية، ما جعل من منصب الحاكم الملكي نقطة تماس مباشرة مع النفوذ الغربي المتصاعد.

من هذا الموقع، وفي قلب إدارة الحكم اليومية، اتخذت روث موقفًا واحدًا بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه أربك الغربيين وأغضبهم في العمق:

لن تتحدث الإنجليزية.
مطلقًا.
لا في العلن ولا في الخفاء.

لم يكن ذلك جهلًا باللغة، ولا رفضًا للتواصل. كانت تفهم الإنجليزية فهمًا كاملًا، قراءةً واستيعابًا، وتشارك في نقاشات سياسية وإدارية معقّدة تُدار بها، وتُكتب بها الاتفاقيات والتقارير. لكنها رفضت أن تنطق بها. كان قرارًا محسوبًا بدقة: أن تبقى اللغة الهاوايية لغة السلطة، لا لغة البيت فقط.

من أراد مخاطبة الحاكمة الملكية، فعليه أن يتكلم اللغة الهاوايية.
ومن لا يجيدها، فليأتِ بمترجم.
لم يُستثنَ أحد من هذا الشرط: لا مبشر، ولا تاجر، ولا دبلوماسي، ولا شخصية أجنبية نافذة.

هاوايية… أو لا لقاء.

في زمنٍ كانت فيه اللغة الإنجليزية تتحوّل إلى أداة هيمنة ناعمة، وشرطًا غير معلن للدخول إلى عالم النفوذ والصفقات، كان هذا الموقف بمثابة قلبٍ لطاولة القواعد. لم تُجبر روث أحدًا على تعلّم لغتها، لكنها جعلت من جهلها عائقًا، ومن إتقانها ضرورة. وهكذا، تحوّلت اللغة—التي كانت تُقمع في المدارس—إلى شرط من شروط الحكم.

حدث هذا في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، في وقت كانت فيه المصالح الأمريكية والأوروبية تُحكم قبضتها على اقتصاد هاواي، وتُصاغ فيه القوانين والمؤسسات بما يخدم المستثمرين الأجانب. في المدارس، كانت اللغة الهاوايية تُقمع علنًا، ويُعاقَب الأطفال جسديًا لمجرد نطقهم لغتهم الأم. كانت اللغة تُعامل كجريمة، والهوية كعائق أمام ما سُمّي “التقدم”.

وسط هذا المشهد، لم تكن روث تحتج بخطابات، بل بالممارسة اليومية للسلطة. كل اجتماع، كل طلب، كل مقابلة رسمية، كانت تعيد طرح السؤال ذاته: من يتكيّف مع من؟

في هذا السياق، تحوّلت روث إلى مقاومة ثقافية حيّة، لا لأنها رفعت شعارًا، بل لأنها جعلت من الهوية ممارسة رسمية. وكانت مكانتها داخل البلاط تعزّز هذا الموقف؛ فهي أخت غير شقيقة للملكين كاميهاميها الرابع والخامس، ما منحها نفوذًا سياسيًا إضافيًا، وحصانةً ضمنية في مواجهة الضغوط الخارجية.

وفي قلب هذا المشهد كلّه—مشهد التغلغل الاقتصادي البطيء، والهيمنة التي لا تُعلن نفسها صراحة—جلست روث، إحدى أقوى نساء الأرخبيل، في بيتها المصنوع من العشب، تُجبر المتحدثين بالإنجليزية على البحث عن مترجم إن أرادوا مقابلتها. لم يكن المشهد تفصيلاً عابرًا في حياتها اليومية، بل صورة مكثفة لعالمين يتواجهان: عالمٌ يزحف بالمال والعقود، وآخر يصرّ على البقاء بلغته وأشكاله ومعاييره الخاصة.

كانت روث تملك قصرًا فخمًا على الطراز الغربي، مجهّزًا بكل ما كانت تعتبره النخب الأجنبية آنذاك علامة “تحضّر” واندماج في العصر الجديد. وكانت تملك من المال ما يتيح لها أن تعيش كما شاءت، وأن تنخرط في نمط الحياة الذي تبنّاه كثير من أفراد الطبقة الحاكمة. لكنها اختارت، عن وعي كامل، أن تسكن في هالي پيلي، البيت التقليدي المصنوع من العشب، كما عاش أجدادها لأجيال.

لم يكن ذلك حنينًا رومانسيًا إلى الماضي، ولا استعراضًا تراثيًا يُقدَّم للزوار. كان بيتها الحقيقي.
تنام فيه، تستقبل فيه الضيوف، وتدير شؤون الحكم منه.
وكانت الرسالة التي يلتقطها الجميع—حتى من حاول تجاهلها—واضحة وبسيطة:
أستطيع امتلاك عالمكم، لكنني أختار عالمي.

في تلك السنوات، كان المال الأجنبي يتدفّق على هاواي بوتيرة متسارعة. شركات السكر الأمريكية توسّعت، والمعاهدات التجارية غير المتكافئة بدأت تُفرغ السيادة من مضمونها بندًا بعد بند. لم يكن الاستعمار يُمارَس عبر الجيوش، بل عبر القروض، وعقود الإيجار طويلة الأمد، والوعود بالازدهار مقابل التنازل الصامت عن الأرض.

وبحلول سبعينيات القرن التاسع عشر، أصبحت روث أكبر مالكة أراضٍ خاصة في هاواي. كانت تسيطر على نحو 353 ألف فدان—أي ما يقارب تسعة في المئة من مساحة الأرخبيل بأكمله.

تسعة في المئة من وطنٍ كامل.

في عالمٍ كانت فيه الأرض تتحوّل سريعًا إلى سلعة، كان هذا الحجم من الملكية يمنحها قوة تفاوضية هائلة. كان بإمكانها أن تبيع جزءًا منها، أو تعقد شراكات مربحة، أو تُحوّل أراضيها إلى مشاريع سكر تدرّ أرباحًا طائلة. العروض لم تكن نادرة، والضغوط لم تكن خفية. كان الاندماج في النظام الاقتصادي الغربي يُقدَّم بوصفه الخيار العقلاني، بل الوحيد.

لكن روث كانت ترى أبعد من الأرقام.
كانت ترى كيف يتحوّل الاقتصاد إلى أداة سيطرة، وكيف تُستخدم الأرض لتفكيك المجتمع نفسه. كانت تدرك أن فقدان الأرض لا يعني فقط خسارة ملكية، بل خسارة لغة وذاكرة وقدرة على تقرير المصير. ولهذا، لم تتعامل مع أراضيها بوصفها أصلًا ماليًا، بل بوصفها امتدادًا للسيادة، ومسؤولية تاريخية لا يجوز التفريط بها.

في هذا السياق، لم يكن اختيارها السكن في بيت العشب، ولا فرضها اللغة الهاوايية، ولا رفضها الإغراءات الاقتصادية، قرارات منفصلة عن بعضها. كانت جميعها أجزاء من موقف واحد متكامل: مقاومة هادئة، يومية، تُمارَس من داخل السلطة نفسها، لا من هامشها.

لم يكن هذا القلق الذي رافق روث مجرّد تشاؤم، بل قراءة واعية لمسارٍ كان قد بدأ يتشكّل بوضوح. فمنذ أربعينيات القرن التاسع عشر، دخلت هاواي في شبكة معقّدة من المعاهدات التجارية مع القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ومع معاهدة المعاملة بالمثل عام 1875، فُتحت الأسواق الأمريكية أمام السكر الهاوايي دون رسوم جمركية، وهو ما بدا في ظاهره مكسبًا اقتصاديًا، لكنه في العمق ربط اقتصاد الجزر كليًا بالمصالح الأمريكية.

بمرور الوقت، لم تعد مزارع السكر مجرّد نشاط تجاري، بل تحوّلت إلى قوة سياسية. أصحاب المزارع—معظمهم أمريكيون أو أوروبيون—بدأوا يطالبون بنفوذ أكبر، وبقوانين تخدم مصالحهم، وبنظام حكم “مستقر” يضمن استثماراتهم. وهكذا، تحوّل الاقتصاد إلى أداة ضغط، والمعاهدة إلى مدخل لإعادة تشكيل السيادة نفسها.

في سبعينيات القرن التاسع عشر، وهو الزمن الذي كانت فيه روث في ذروة نفوذها السياسي والاقتصادي، كانت ملامح هذا التحوّل قد باتت واضحة:
تراجع استقلال القرار الملكي، تضخّم نفوذ النخب الاقتصادية الأجنبية، وتزايد الحديث—في الصحافة والمراسلات الدبلوماسية—عن ضرورة “ضم” هاواي أو وضعها تحت حماية أمريكية مباشرة.

لم يكن الضم حدثًا مفاجئًا سيقع لاحقًا من فراغ، بل نتيجة مسار طويل من الإضعاف المنهجي. كانت الملكية تُحاصر اقتصاديًا، ثم سياسيًا، قبل أن تُواجَه بالقوة. وهو ما سيتوّج لاحقًا بالإطاحة بالملكية عام 1893، ثم الضم الرسمي عام 1898.

روث لم تشهد هذه النهاية، لكنها عاشت ما يكفي لترى الطريق المؤدي إليها يُعبَّد خطوةً خطوة. ولهذا، لم تتعامل مع الأرض بوصفها ملكية شخصية قابلة للتصرّف، ولا مع المال بوصفه ضمانة أمان. كانت ترى فيهما ساحة صراع مؤجَّل، ومعركة سيُحدَّد فيها مصير شعبٍ كامل.

فاتخذت قرارًا لا يُتخذ إلا مرة واحدة في التاريخ.

عندما توفيت روث سنة 1883 في قصر هوليهي بكايلوا-كونا، بعد مرض قصير، أوصت بكل ما تملك—الأرض والنفوذ والثروة—لابنة عمها الأميرة برنيس باواهي بيشوب. ومن هذه الأراضي تأسس وقفٌ تعليمي خرجت منه مدارس كاميهاميها، المخصصة لأبناء السكان الأصليين من الهاوايين.

لم تكن صدقة، بل استراتيجية بعيدة المدى:
تحويل الأرض إلى معرفة،
والثروة إلى لغة،
والميراث إلى مستقبل.

تأسست هذه المدارس عام 1887، وركّزت على التعليم وتعزيز الثقافة الهاوايية، وهي اليوم من أغنى المؤسسات التعليمية الخاصة في الولايات المتحدة، تخدم آلاف الطلاب، وتلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على اللغة والثقافة الهاوايية حيّة، في عالم حاول طويلًا محوهما.

كل ذلك لأن امرأة واحدة رفضت البيع، ورفضت الذوبان، ورفضت أن تتحول إلى نسخة تُرضي المستعمِر.

عاشت روث وهي ترى لغتها تُقمع، وثقافتها تُشوَّه، وشعبها يفقد أرضه، ومملكتها تُباع قطعةً بعد قطعة. وكان ردّها حاسمًا بلا خطابة:

أن تعيش كما هي… بلا اعتذار.

تحدثت الهاوايية حين قيل لها: تحدّثي الإنجليزية.
سكنت بيت العشب حين قيل لها: عيشي كالغرب.
تمسكت بدينها حين طُلب منها التحول.
وحكمت بسلطة تقليدية حين فُرض عليها “التحديث”.

لم تكن حنينًا إلى الماضي، بل مقاومة واعية للحاضر.

توفيت الأميرة روث كيئيليكولاني سنة 1883، قبل سقوط الملكية بعشر سنوات، وقبل ضم هاواي بخمس عشرة سنة. لم تشهد النهاية، لكنها صنعت ما تجاوزها.

واليوم، بعد أكثر من قرن، وفي زمن يشهد فيه هاواي حركات إحياء ثقافي ولغوي، لا يزال إرث روث حاضرًا. لا تزال الأرض التي حمتها تُعلّم أبناء شعبها، ولا تزال لغتهم تُنطق، وثقافتهم تُمارس.

قد لا يعرفها كثيرون،
لكن كل طفل هاوايي يتعلم، وكل إنسان ينطق لغته بحرية، هو دليل حيّ على أن امرأة واحدة رفضت أن تختفي—ثم ضمنت أن شعبها لن يختفي أبدًا.

إن قصتها تذكير بأن المقاومة الثقافية ليست مجرد رفض، بل بناء طويل الأمد للمستقبل، وأن الهوية الحقيقية تكمن في الاختيار اليومي للعيش وفق قيم الأسلاف، لا في الاستسلام لما يُفرض باسم التقدم.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عُمَر بن سعيد: سيرةُ عالمٍ مسلمٍ كُسِرَت قيوده الجغرافية ولم ...
- نحو حلف إستراتيجي إقليمي: خياراتنا، مصيرنا، ومستقبل الشرق ال ...
- على حافة الزلزال الكبير: هل نحن أمام لحظة كسر النظام الإيران ...
- سون تزو: كيف أُفرغ علم تجنّب الحرب من معناه؟
- الوقوف الذي لا ينتهي: حين تتحوّل مدرّجات كرة القدم إلى نصبٍ ...
- قصة لوحة تيموكليا ورمز الكبرياء النسوي في فن إليزابيت سيراني
- من الإرث إلى الاختيار: حين يصبح القلق طريقًا… لا عيبًا
- ومضات من فن رافائيل سانزيو الرسّام والمعماري الإيطالي
- عام 2025: عام حزين آخر يرحل تاركا العالم على عتبة التحوّل ال ...
- ومضات من حياة حنّة آرنت: رحلة نجاة من النازيه حتى انقاذ التف ...
- مجتمع الغربان: بين شريعة الكل وإخفاق الفرد
- الحياة ضمن القطيع: ضرورة اجتماعية أم شعور زائف بالأمان؟
- الخلل في التفكير: بين ضرورة الأولويات ورفاهية الكماليات
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل التاسع والأخير- سيرة ملك بين الطين ا ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل الثامن- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل السابع- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل الخامس- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل السادس- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل الثالث- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...
- نبوخذنصر الثاني: -الفصل الرابع- سيرة ملك بين الطين البابلي و ...


المزيد.....




- في خطاب إلى السيسي.. ترامب يعلن استعداده لاستئناف الوساطة بي ...
- الرئيس الكوبي يهاجم -إمبراطور البيت الأبيض-.. وتظاهرات في ها ...
- الرئيس السوري يصدر مرسوما يعلن فيه الكردية -لغة وطنية- ويثبت ...
- أمام تضارب الأرقام... ما الحصيلة الحقيقية لقتلى الاحتجاجات ف ...
- تقرير: لماذا أودع دونالد ترامب أموال نفط فنزويلا في قطر؟
- فرنسا: الميزانية أولاً ....ولو سقطت الحكومة
- ضيوف الليل الخطرون.. كيف تحمي منزلك من الفئران؟
- الشرع يصدر مرسوما خاصا يضمن حقوق الأكراد بسوريا
- كاتب أميركي: ترامب اختار النفط على حساب الديمقراطية بفنزويلا ...
- البرهان يتوعد بحسم -التمرد- وسط تصعيد ميداني وتحذيرات من نفا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أوزجان يشار - الحياة كفعل مقاومة: روث كيئيليكولاني، أميرة هاواي التي رفضت الذوبان ولم تتخلَّ عن عالمها