أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 23:47
المحور:
قضايا ثقافية
لم تكن قصة عُمَر بن سعيد مجرّد حكاية عبدٍ تم اختطافه وأخذه من إفريقيا إلى العالم الجديد، ولا فصلًا هامشيًا في سجلّات العبودية العابرة للمحيطات، بل كانت شهادةً حيّة على لحظة انكسارٍ حضاريٍّ كبرى، حين يتحوّل الإنسان – بكل ما راكمه من علم وذاكرة وانتماء – إلى سلعة تُسعَّر، وتُباع، وتُمحى هويتها بقرارٍ واحد. إنها قصة صدامٍ عنيف بين عالمين: عالمٍ يرى الإنسان كيانًا أخلاقيًا وروحيًا، وعالمٍ لا يرى فيه سوى جسدٍ صالح للاستغلال.
نحن لا نتحدّث هنا عن رجلٍ عادي لم يتم اقتلاعه مصادفة من أرضه ومجتمعه، بل عن عالم دينٍ مسلم، تشكّل وعيه داخل مجتمعٍ إفريقيٍّ إسلاميٍّ متماسك، عاش في كنف عائلة مستقرة، متزوّجًا، أبًا لأطفال، منغمسًا في دورة حياة طبيعية تجمع بين العلم والتجارة والعبادة والطمأنينة الاجتماعية. كان ينتمي إلى عالمٍ يعرف اسمه، ويعرف نسبه، ويعترف بعلمه، ويمنحه مكانته. ثم، في لحظة عنفٍ صامتة لا تمنح حتى الفرصة للوداع، يُنتزع من كل ذلك دفعة واحدة، ليبدأ سقوطًا طويلًا لا في الجغرافيا وحدها، بل في معنى الوجود ذاته.
هذا الاقتلاع لم يكن مجرد انتقال قسري من قارة إلى أخرى، بل تفكيكًا ممنهجًا للذات. أن تُنتزع من لغتك، من عائلتك، من سياقك الديني، من الزمن الذي كنت تعرفه، ثم تُلقى في عالمٍ لا يفهمك ولا يريد أن يفهمك، هو شكلٌ من أشكال الموت المؤجَّل. ولذلك، حين كتب عُمَر بن سعيد عن نفسه بعد عقود من الأسر، لم يستحضر حياته الأولى بوصفها ذكرى رومانسية، بل بوصفها شيئًا يتآكل داخله مع الوقت، فقال بمرارة هادئة:
«لا أستطيع أن أكتب عن حياتي كما كانت، فقد ذهب أكثرها».
ليست هذه جملة نسيان، بل جملة نجاة؛ اعتراف بأن الذاكرة نفسها يمكن أن تُستعبد، وأن الإنسان حين يُسلب من سياقه طويلًا، يبدأ بفقدان مفرداته الأولى، لا لأنّه خانها، بل لأنها لم تعد تجد من يحميها.
وُلد عُمَر بن سعيد نحو عام 1770 في منطقة فوتا تورو، الواقعة بين نهرَي السنغال وغامبيا، داخل فضاءٍ إسلاميٍّ مزدهر لم يكن هامشًا منسيًا من التاريخ، بل أحد مراكزه الحيوية في غرب إفريقيا. كانت فوتا تورو قلبًا نابضًا لإمبراطورية الفولا، ومجتمعًا تُدار شؤونه بنخبة دينية وعلمية، حيث تنتشر المدارس القرآنية، وتُدرَّس العربية والفقه وعلوم الحساب والفلك، وتتشابك المعرفة الدينية مع النشاط التجاري والحياة اليومية.
في هذا المناخ تشكّل عُمَر بن سعيد، ابن عائلة ميسورة، لا بوصفه متلقيًا سلبيًا للعلم، بل بوصفه جزءًا من تقليد معرفي حيّ. قضى خمسًا وعشرين سنة كاملة في طلب العلم، وهي مدة لا تشير فقط إلى طول التعلّم، بل إلى عمقه، وإلى انتقاله من طور التلقّي إلى طور التمكّن. وحين أراد لاحقًا أن يختصر تلك المرحلة بكلمات قليلة، قال ببساطة محمّلة بثقل حياة كاملة:
«طلبتُ العلم مدة خمسٍ وعشرين سنة».
بهذه الجملة، التي تسبق السقوط الكبير، يبدأ التناقض الفادح في قصته: كيف يمكن لعالمٍ أمضى ربع قرن في بناء ذاته أن يُختزل لاحقًا في سجلّات العبودية إلى رقمٍ بلا اسم؟
أنها وصف في سياق الحكاية، على بساطتها، تحمل وزن حياة كاملة من التكوين والانتماء، وتجعل ما سيأتي بعدها أكثر قسوة.
غير أنّ هذا العالم، على تماسكه الظاهري، لم يكن محصَّنًا من العنف. فقد كانت مناطق واسعة من غرب إفريقيا، في مطلع القرن التاسع عشر، تعيش على وقع صراعات عسكرية معقّدة، غذّاها انهيار توازنات داخلية قديمة، وتغذّى بعضها الآخر مباشرة من الطلب الأوروبي المتصاعد على العبيد. لم تكن تلك الحروب دائمًا حروبًا دينية أو قبلية صِرفة، بل حروب اقتلاع، تتحوّل فيها القرى إلى مخازن بشرية، ويُختزل فيها الإنسان إلى قيمة قابلة للتصدير.
في عام 1807، داهمت قوات مسلحة منطقة فوتا تورو. لم يكن الهجوم حادثًا عابرًا، بل عملية عنيفة منظمة. قُتل كثيرون أمام أعين ذويهم، فُصل الآباء عن أبنائهم، والأزواج عن زوجاتهم، وتحوّلت البيوت التي كانت بالأمس فضاءات علم وطمأنينة إلى أطلال صامتة. كان عُمَر بن سعيد واحدًا من أولئك الذين سقطوا في قبضة هذا الانهيار الشامل. لم يُمنح وقتًا للفهم أو الوداع أو المقاومة، بل اقتُلِع من حياته كما يُقتلع الجذر من التربة.
يصف تلك اللحظة في مخطوطته دون انفعالٍ لغوي، وكأن الصدمة أكبر من أن تُقال، فيكتفي بجملة باردة تكشف عمق الكارثة:
«جاء إلى بلادنا جيشٌ كبير، فقتل ناسًا كثيرين، وأسروني».
هذه الجملة، في بساطتها، تُخفي خلفها عالمًا انهار دفعة واحدة. لم يكن الأسر انتقالًا قسريًا فحسب، بل تفكيكًا كاملًا للذات. في لحظة واحدة، فقد عُمَر عائلته، مكانته الاجتماعية، لغته المحيطة، وسياقه الديني والثقافي. فقد الزمن كما كان يعرفه، وانتقل من حياة لها معنى داخلي إلى انتظارٍ مفتوح لا يعرف نهايته.
بعد الأسر، بدأ الطريق نحو “البحر العظيم”، ذلك الفضاء الذي لم يكن في المخيلة الإفريقية سوى حدٍّ أسطوري بين العالمين. رحلة العبودية عبر المحيط الأطلسي لم تكن مجرد عبور جغرافي، بل تجربة سحقٍ نفسي وجسدي ممنهج. شهرٌ ونصف داخل سفينة مكتظة، حيث يُكدَّس البشر في ظلام خانق، يُقيَّدون بالسلاسل، ويتشاركون المرض والجوع والرعب. هناك، لا أسماء ولا لغات، بل أجساد تنتظر أن تصل حيّة إلى السوق.
في هذا الجحيم العائم، كان عُمَر يواجه فقدانًا مضاعفًا: فقدان الجسد الذي أنهكته الرحلة، وفقدان اللغة التي بدأت تتآكل تحت وطأة العزلة والقهر. يكتب لاحقًا معترفًا بهذا التآكل الداخلي:
«قد نسيتُ كثيرًا من كلامي، وكذلك كلام العرب».
ليست هذه مجرد شكوى لغوية، بل اعتراف بأن الذاكرة نفسها يمكن أن تُجرَح، وأن الإنسان حين يُعزل طويلًا عن لغته، يبدأ بفقدان جزء من نفسه.
وعندما رست السفينة أخيرًا في تشارلستون بولاية كارولينا الجنوبية، لم يكن الوصول خلاصًا، بل بداية فصلٍ جديد من الإلغاء. لم يصل عُمَر بن سعيد بوصفه عالمًا أو إنسانًا، بل كجسدٍ معروض في سوق العبيد. وقف بين آخرين لا يعرفهم، لا يشتركون معه في اللغة ولا في المصير، يُعايَن كما تُعايَن البضائع، ويُساوَم عليه دون أن يُسأل عن اسمه أو قصته.
انتقل من يدٍ إلى أخرى، وعاش تحت سيطرة سيّدٍ قاسٍ لم يرَ فيه سوى أداة عمل. كانت هذه المرحلة من أقسى فصول حياته، إلى الحدّ الذي دفعه، بعد فترة قصيرة، إلى اتخاذ قرار الهرب. لم يكن الهروب مجرّد محاولة يائسة للنجاة الجسدية، بل فعل رفضٍ أخلاقي، تمرّد صامت على نظامٍ أراد محوه بالكامل. كان محاولة أخيرة لاستعادة معنى الذات، حتى لو انتهت بالفشل.
غير أنّ النظام الذي وجد عُمَر بن سعيد نفسه في قلبه كان أوسع وأقسى من محاولة تمرّد فردية، مهما بلغت شجاعتها. فالهروب، على ما حمله من كرامة ورغبة في النجاة، لم يكن كافيًا أمام منظومة صُمِّمت لتطويق الأجساد وإعادتها إلى القيد متى خرجت عنه. أُلقي القبض عليه بعد أيام من التشرد والخوف، وسُجن في زنزانة باردة، لا بوصفه إنسانًا أخطأ، بل بوصفه “ملكية” حاولت الإفلات من صاحبها. هناك، في العزلة القاسية، بدأ عُمَر يدرك حدود الجسد أمام آلةٍ لا ترحم.
أُعيد بيعه مرة أخرى، وكأن محاولة الهرب لم تكن سوى رقم إضافي في سجلّاته، ليستقر أخيرًا في ملكية جيمس أوين. عند هذه النقطة تبدأ مفارقة مؤلمة: ظلّ عُمَر عبدًا حتى وفاته، لكن انتقاله إلى أوين أدخله في نمط مختلف من العبودية، أقل وحشية، وأكثر التباسًا. لم يعد يُجلَد أو يُطارَد، لكنه لم يُعتَق. وُضع في هامش ضيّق من “الرعاية” التي لا تلغي السيطرة، ومن الاحترام المشروط الذي لا يعترف بالحرية.
في هذا الهامش، بدأ التمرّد يتخذ شكلًا آخر. لم يعد الجسد قادرًا على المواجهة؛ تقدّم العمر، وضعف البصر، وبدأ الإنهاك يزحف ببطء. ومع ذلك، لم يستسلم عُمَر بمعنى الخضوع الداخلي، بل أعاد ترتيب مقاومته. كتب، لا ليبرّر ضعفه، بل ليشرح إنسانيته، فخاطب قارئًا مجهولًا في المستقبل، معتذرًا بصدق خالٍ من الانكسار:
«يا إخواني، أسألكم بالله ألاّ تلوموني، فإنّ عينيَّ ضعيفتان، وجسدي منهك».
هذا الاعتذار ليس طلب شفقة، بل اعتراف بحدود الجسد، وتمسّك أخير بكرامة العقل. إنه صوت إنسان أدرك أن البطولة ليست دائمًا في الصراخ أو الفرار، بل أحيانًا في البقاء واعيًا داخل القيد.
من هنا، تحوّلت الكتابة إلى فعل بقاء. لم تعد القلم أداة علم فقط، بل مساحة حرّة داخل عالم مغلق. كتب عُمَر مخطوطات عربية عديدة، بعضها ديني، وبعضها ذاتي، لكنها جميعًا تشترك في هدف واحد: تثبيت الذات في مواجهة المحو. كانت الكتابة طريقته ليقول: أنا هنا، أفكّر، أذكر، وأفهم، حتى وإن حُرمت من اسمي في سجلات الآخرين.
في أشهر مخطوطاته، المؤرخة عام 1831، يبدأ بسورة الملك:
«تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير».
لم يكن هذا الاستهلال اختيارًا تعبديًا محضًا، بل بيانًا فلسفيًا صامتًا. في عالمٍ يدّعي فيه البشر امتلاك البشر، يضع عُمَر السيادة حيث يراها حقًا: عند المطلق. بهذا السطر، ينزع الشرعية الأخلاقية عن عبوديته دون صدام، ويعيد ترتيب السلطة في داخله. فالعبودية، مهما طال أمدها، تظل حالة عارضة، بينما السيادة – كما يكتبها – لله وحده
فلسفيًا، تكشف سيرة عُمَر بن سعيد عن المأزق العميق الذي يواجه الإنسان حين يُسلب من سياقه الثقافي، لا بوصفه فردًا فقط، بل بوصفه كائنًا ذا معنى. لقد وُضع عالم مسلم، تشكّل وعيه في فضاءٍ يرى الإنسان خليفةً في الأرض ومسؤولًا أخلاقيًا، داخل مجتمع بروتستانتي أبيض كان يرى العبودية نظامًا مشروعًا، بل جزءًا من نظام العالم. هنا لم يكن الصدام دينيًا فحسب، ولا عرقيًا فقط، بل وجوديًا خالصًا: صدام بين تصورٍ يرى الإنسان قيمة في ذاته، وتصورٍ يختزله إلى أداة إنتاج، يمكن امتلاكها وتدويرها وإلغاؤها دون حرج أخلاقي.
في هذا السياق، لا يمكن فهم ما سُمّي “تحوّل” عُمَر بن سعيد إلى المسيحية بوصفه حدثًا عقديًا بسيطًا. فالإشارات الرسمية، والوثائق التي حاولت إدراجه داخل السردية الدينية السائدة، تصطدم بواقع كتاباته العربية، المغمورة بالقرآن، والمشبعة بالتسبيح، والمحمّلة بوعي ديني لا ينطفئ. ما حدث لم يكن تخليًا عن الإيمان، بل إعادة ترتيب له داخل شروط قهرية. كان إيمانه صامتًا، متخفّيًا، ذكيًا في بقائه، إيمانًا يعرف أن النجاة أحيانًا لا تكون في المواجهة، بل في الاستمرار دون أن يُمحى.
روحيًا، تكشف كتاباته أن الإيمان ليس طقسًا علنيًا فقط، بل علاقة داخلية مقاومة. حين يكتب، وحين يفتتح مخطوطاته بآيات السيادة الإلهية، لا يفعل ذلك بدافع الوعظ، بل بدافع إعادة تثبيت المعنى في عالمٍ فقد معناه. لقد حُرم من الحرية، لكنه لم يسمح بأن يُحرَم من الدلالة. ومن هنا تصبح الكتابة فعل عبادة، واللغة محرابًا أخيرًا، والذاكرة صلاة طويلة في وجه النسيان.
اجتماعيًا، تمثّل قصة عُمَر بن سعيد نقضًا جذريًا للصورة النمطية التي رسّختها السرديات الاستعمارية عن العبيد الأفارقة بوصفهم كتلة من الجهل أو الفراغ الحضاري. لقد حمل كثيرون منهم علومًا، ولغاتٍ، وأنساقًا أخلاقية متكاملة، لكن العبودية لم تسرق أجسادهم فقط، بل حاولت أن تسرق تاريخهم أيضًا. وجود عالم مثل عُمَر بن سعيد في قلب التجربة الأمريكية يكشف أن الإسلام لم يكن طارئًا على هذه الأرض، بل حاضرًا منذ البدايات، لا كدين مهيمن، بل كهمسٍ مكتوب، وذاكرةٍ خفية قاومت المحو بالحبر لا بالسلاح.
وعندما توفي عُمَر بن سعيد عام 1864، بعد أكثر من تسعين عامًا، معظمها في العبودية، دُفن بعيدًا عن أرضه الأولى، وبعيدًا عن اللغة التي أحبها، وبعيدًا عن العائلة التي لم يرها مرة أخرى. لكن موته لم يكن نهاية القصة. فمخطوطاته، التي نجت من النسيان، أعادته إلى التاريخ لا كعبدٍ صامت، بل كصوتٍ عربي مسلم يشهد على قرنٍ كامل من القسوة والاقتلاع، وعلى قدرة الإنسان على أن يحفظ نفسه، حتى وهو محاصر.
لقد كُسرت قيوده الجغرافية، وانهار عالمه الأول، لكن إيمانه، ووعيه، وقدرته على الكتابة، ظلّت آخر ما لم يستطع أحد انتزاعه. وهنا تكمن دلالة قصته العميقة:
أن الإنسان قد يُهزم جسديًا، وقد يُسحق اجتماعيًا، لكنه لا يُمحى ما دام قادرًا على أن يروي نفسه، وأن يكتب اسمه، وأن يترك أثرًا يتجاوز زمن القيد
⸻
المصادر
– The Library of Congress – Omar Ibn Said Collection
– Ala Alryyes, A Muslim American Slave: The Life of Omar ibn Said
– Sylviane A. Diouf, Servants of Allah: African Muslims Enslaved in the Americas
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟