أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 00:34
المحور:
عالم الرياضة
في هذا اليوم، 18 يناير 2026، أشعر بسعادةٍ هادئة ومربكة في آنٍ واحد؛ سعادة لا علاقة لها بانتصار منتخب، ولا بانكسار آخر، بل بانتهاء بطولة كأس أمم أفريقيا نفسها، بانتهاء أسابيع طويلة من الشحن العاطفي، والانفعالات المتوترة، والخطابات التي تجاوزت حدود الرياضة لتلامس الأعصاب العارية لمجتمعاتٍ مأزومة، تبحث عن أي مناسبة لتفريغ غضبها المؤجل.
يزداد هذا الشعور وضوحًا حين ألاحظ أن النهائي لم يكن عربيًا خالصًا، بل جمع منتخبًا عربيًا بمنتخبٍ أفريقي أصيل، وكأن البطولة استعادت – ولو مؤقتًا – روحها الأولى، بوصفها مساحة تلاقٍ أفريقي، لا ساحة استقطاب قومي أو عرقي. في هذا المشهد البسيط تذكير عميق بأن كرة القدم وُجدت لتكون جسرًا بين الثقافات، لا مرآة لتضخم الأنا الجماعية.
لكن هذه اللحظة لا تعفينا من مواجهة الحقيقة.
فما رافق البطولة من خطاب إعلامي وتصريحات رسمية، خصوصًا تلك الصادرة عن المدير الفني للمنتخب المصري، بوصفه شخصية عامة تقود الخطاب ولا تعكسه فقط، كشف مرة أخرى حجم الأزمة الذهنية التي تُدار بها كرة القدم في فضائنا العربي. لم يكن الإشكال في الخروج من البطولة، فالهزيمة جزء طبيعي من أي لعبة، بل في الطريقة التي جرى بها تفسير الفشل: هروبٌ إلى التاريخ، واستدعاء غوغائي للبطولات السابقة، كأن أمجاد الماضي قادرة على تبرير عُري الحاضر.
هنا لا نتحدث عن شعبٍ كامل، ولا عن جمهورٍ متنوع بتجارب ووعي مختلف، بل عن خطاب قيادي غوغائي صادر عمّن يُفترض به تحمّل المسؤولية الفنية والأخلاقية؛ خطاب يحوّل النقد إلى خيانة، والمساءلة إلى مؤامرة، ويستبدل التحليل بالاستعلاء. خطورته لا تكمن في كلماته وحدها، بل في قدرته على تسريب هذا المنطق إلى الإعلام والجمهور، ومنح الغضب شرعية زائفة.
المفارقة أن هذا السلوك يكاد يكون غائبًا لدى معظم المنتخبات الأفريقية الأخرى. نيجيريا، السنغال، الكاميرون، أو حتى المنتخبات التي خرجت مبكرًا، تعاملت مع الخسارة بلغة تقييم وتطوير، لا بلغة تنمّر واستحضار هستيري للماضي. أما الفضاء العربي، فبقي – في كثير من نماذجه القيادية – الأكثر صخبًا، والأقل نضجًا، كأن كرة القدم تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات النفسية، لا لعبة تُخسر وتُربح.
هذه الغوغائية ليست انفعالًا عابرًا، بل عرضٌ لمرضٍ أعمق:
عقدة دونية جماعية مُدارة من الأعلى، تبحث عن انتصار رمزي لتعويض فشل واقعي مزمن.
أصول حضارية للعبة: من تهذيب الغرائز إلى مخدّر اجتماعي
اختُرعت كرة القدم في إنجلترا عام 1863، ليس كمجرد تسلية بريئة، بل كمشروع حضاري يهدف إلى ضبط الفوضى الاجتماعية، وتحويل الاشتباك الجسدي إلى تنافس منظم تحكمه قواعد أخلاقية وجمالية. كانت تهدف إلى تربية الشباب على قيم التعاون والاحترام، وأصبحت لغة مشتركة بين الشعوب، تعكس رقي الأمم وتقدم مجتمعاتها في فهم الاختلاف واللعب النزيه.
نشأت كأداة لتهذيب الطبقة العاملة في عصر الثورة الصناعية، حيث ساعدت في تفريغ الطاقات السلبية الناتجة عن الاستغلال الاقتصادي والضغوط الاجتماعية.
لكن في العالم العربي، تحولت كرة القدم إلى وظيفة مغايرة تمامًا. لم تعد أداة تهذيب، بل صمام أمان لتفريغ الغضب المكبوت جراء الفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي. في مجتمعات تعاني من البطالة المزمنة بين الشباب (التي تصل إلى 30% في بعض الدول العربية)، والفساد المستشري، والقمع السياسي، أصبحت اللعبة بديلًا عن الثورة أو الاحتجاج. تُستخدم لإلهاء الجماهير عن قضاياها الحقيقية، مثل الفقر والتفاوت الاجتماعي، حيث يُصرف الشعب طاقته في التعصب لأندية أو منتخبات، بدلًا من المطالبة بإصلاحات جذرية.
هذا التحول ليس مصادفة، بل نتيجة لاستخدام الحكومات الرياضة كأداة سياسية، كما في حالة “غسل الرياضة” في دول كثيرة من العالم لتحسين الصورة الدولية رغم انتهاكات حقوق الإنسان. ووفقًا لدراسات، أصبحت كرة القدم في المنطقة منبرًا للنقاش عن السلطة الاستبدادية والعنف، ووسيلة لتعزيز التضامن الاجتماعي في ظل غياب المساحات الديمقراطية.
التحول في العالم العربي: من المتعة إلى العنف المقنّع
في مجتمعاتنا، أصبحت كرة القدم أداة لتجنب القتل المباشر بالكلاشينكوف، لكنها تحولت إلى قتل معنوي بالغباء، والانحطاط، والتعصب الأعمى. الجمهور، الذي يعاني من شعور بالدونية جراء الفشل الوطني، يجد في المباريات فرصة لصناعة انتصارات وهمية. هذا التعصب والتنمر يعكس أزمات أعمق؛ ففي ظل أنظمة سياسية تستخدم الرياضة للتحكم في الجماهير، كما حدث في الربيع العربي، كانت ملاعب كرة القدم مجالًا للسؤال عن الظروف الاجتماعية والسياسية، ومنصة للاحتجاج ضد الديكتاتوريات العسكرية.
على سبيل المثال، في لبنان، تتداخل السياسة مع الرياضة بشكل كامل، حيث تُستخدم الأندية لتعزيز الولاءات الطائفية والسياسية، مما يعمق الانقسامات الاجتماعية.
أما الأمثلة على العنف الناتج عن هذا التعصب، فهي كثيرة ومؤلمة. في مصر عام 2012، اندلع شغب ستاد بورسعيد بعد مباراة بين الأهلي والمصري، أسفر عن مقتل 74 شخصًا وإصابة مئات آخرين. الشغب لم يكن عفويًا، بل اتُّهم فيه الأمن بالتقصير أو التخطيط، مما يعكس كيف تحولت الملاعب إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية والاجتماعية. كذلك، في الأردن، شهدت مباريات كرة القدم حوادث عنف متكررة، حيث يُستخدم التعصب الرياضي للتعبير عن الغضب من الظروف الاقتصادية والسياسية، مما يؤدي إلى اشتباكات بين الجماهير والقوات الأمنية. هذه الحوادث تثبت أن كرة القدم، بدلًا من توحيد المجتمع، تعمق الشقوق الاجتماعية، وتُستخدم كقناع للعنف المؤجل.
دروس من التاريخ: حروب عبثية تكشف الضعف الإنساني
ليس هذا الجنون حكرًا علينا؛ يكفي النظر إلى التاريخ لنرى كيف تحولت أسباب تافهة إلى حروب دامية عندما تتراكم الأحقاد. في عام 1969، اندلعت “حرب كرة القدم” بين السلفادور وهندوراس، عقب سلسلة مباريات فاصلة للتأهل إلى كأس العالم 1970. لم تكن اللعبة السبب الرئيسي، بل كانت شرارة لتوترات متراكمة، مثل النزاعات الحدودية، والهجرة غير الشرعية، والفقر، والاكتظاظ السكاني. استمرت الحرب مئة ساعة، وأسفرت عن آلاف القتلى والنازحين، وانتهت بوقف إطلاق نار دون حل جذري للمشكلات الأساسية.
قبل ذلك بقرون، في عام 1325، اندلعت “حرب الدلو” بين مدينتي بولونيا ومودينا الإيطاليتين بسبب سرقة دلو ماء من بئر، تحول إلى رمز للكرامة المجروحة، مما أدى إلى مقتل نحو 1500 جندي. وفي القرن الثامن عشر، أشعلت “حرب أذن جنكينز” بين بريطانيا وإسبانيا سنوات من الدمار بسبب قطع أذن قبطان سفينة. أما الحرب اليونانية البلغارية عام 1925، فبدأت بحادث حدودي تافه يتعلق بكلب ضال، وانتهت باشتباك عسكري.
كل هذه الحروب تجمع شيئًا واحدًا: عجز الإنسان عن مواجهة أزماته الكبرى، فيبحث عن رموز صغيرة ليعلق عليها فشله، سواء كان دلوًا أو كرة قدم.
التراث العربي: فخر أجوف يعكس الهشاشة
في تراثنا العربي، نجد أصداء لهذا الفخر الوهمي في شعر عمرو بن كلثوم، الذي يبالغ في تضخيم الذات ليعوّض هشاشة الواقع:
أَبا هِندٍ فَلا تَعَجَلْ عَلَينا
وَأَنظِرْنا نُخَبِّركَ اليَقينا
بِأَنّا نورِدُ الراياتِ بيضًا
وَنُصدِرُهُنَّ حُمراً قَد رَوينا
ثم يمضي:
مَلَأنا البَرَّ حَتّى ضاقَ عَنّا
وَظَهرَ البَحرِ نَملَؤُهُ سَفينَا
إِذا بَلَغَ الفِطامَ لَنا صَبيٌّ
تَخِرُّ لَهُ الجَبابِرُ ساجِدينَا
ويكتمل:
وَنَشرَبُ إِن وَرَدنا الماءَ صَفوًا
وَيَشرَبُ غَيرُنا كَدِرًا وَطينَا
هذا الخطاب، بفخره الأجوف، هو نفسه الذي نردده اليوم في المدرجات والشاشات، لكن بقمصان الأندية وأعلام المنتخبات. لم نعد نملأ البر والبحر، بل نملأ الفضاءات الافتراضية كراهية، في ظل مجتمعات تعاني من فقدان الهوية الوطنية الحقيقية، حيث تُستخدم كرة القدم للحفاظ على الهوية ضد الاحتلال أو الفشل الداخلي.
الخلاصة: نحو استعادة جوهر فهم اللعبة
كرة القدم، حين خرجت من إنجلترا، كانت محاولة لترويض الوحش داخلنا، لكن في مجتمعاتنا أصبحت غذاءً له. هذه الغوغائية القيادية، وهذا الخطاب الاستعلائي الذي يحوّل الهزيمة إلى مؤامرة، ما هو إلا عرض لمرض أعمق: مجتمعات تبحث عن انتصارات وهمية لتعويض إخفاقات حقيقية.
يجب أن نستعيد جوهرها كأداة للارتقاء الاجتماعي، لا كقناع للفشل. فالشعوب التي تبني مستقبلها لا تحتاج إلى انتصارات وهمية في الملاعب، ولا إلى خطاب غوغائي يستدعي أمجاد الماضي، بل إلى إنجازات حقيقية في التعليم، والاقتصاد، والعدالة. إن لم نفعل، سنظل نموت من الغباء والانحطاط، بينما يضحك الذين فوقنا على شغفنا الرخيص.
لن تُنقذنا تصريحات غوغائية، ولا أمجاد قديمة، ولا انتصارات وهمية. وإن لم نستيقظ، سنظل نُفرغ غضبنا في لعبة، بينما يضحك الذين تفوقوا علينا حضاريًا طويلًا، ونحن أيضًا سنضحك على وحشٍ ظنناه مروّضًا… فإذا بنا نطعمه خيباتنا كل يوم.
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟