|
|
العقل الذي سبق الرصاصة: إيفاريست غالوا، أو كيف تموت الفكرة قبل أن تولد؟
أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 18:12
المحور:
قضايا ثقافية
في فجر الثلاثين من مايو عام 1832، لم تكن فرنسا تستيقظ بعد. الضباب كان لا يزال عالقًا فوق الحقول الرطبة في أطراف غينتولييه، والصمت يضغط على الأرض كما لو أنه يعرف ما سيحدث، لكنه عاجز عن منعه. في ذلك الفراغ البارد، وقف شاب نحيل الجسد، شاحب الوجه، يحمل في داخله ما لا يمكن لجسده أن يحتمله طويلًا.
لم يكن يقف بانتظار خصم. كان يقف بانتظار نهايةٍ مُبرمَجة.
المبارزة، في ظاهرها، طقس شرف قديم. رجلان، مسدسان، خطوة إلى الأمام، وخطوة إلى الخلف. لكن كل شيء في تلك اللحظة كان يقول إن هذا ليس طقسًا، بل مسرحية قصيرة كُتبت نهايتها سلفًا. كان إعدامًا بلا محكمة، بلا قاضٍ، وبلا جمهور — سوى التاريخ، الذي لم يكن يعرف بعد أنه سيخجل.
اسم الشاب: إيفاريست غالوا. عمره: عشرون عامًا… بالكاد. وما سيُسجَّل لاحقًا بوصفه “حادثة غرامية” أو “نزوة شاب متهوّر” لم يكن في حقيقته سوى الطريقة الأسهل للتخلّص من عقلٍ غير قابلٍ للاحتواء.
لم يكن غالوا يموت لأنه خسر مبارزة. كان يموت لأنه سبق زمانه بطريقة فاضحة.
عقله كان يعمل بمنطق لم تولد لغته بعد. أفكاره كانت تتحرّك بسرعة قرنٍ كامل أمام العالم الذي يحيط به. بينما كانت فرنسا غارقة في ارتباك ما بعد الثورة، وفي صراعات السلطة والشرعية، كان هذا الشاب يرى بنيةً أعمق، نظامًا خفيًا، قوانين لا تهتم بمن يحكم، بل بكيفية انتظام الأشياء في ذاتها.
كانت قدماه مغروستين في وحل القرن التاسع عشر، لكن رأسه كان قد تجاوز القرن العشرين دون إذن.
وهذه الفجوة — لا الرصاصة — هي التي ستقتله.
---
كان طفلًا عاديًا في بور لا رين. لا عبقرية مبكرة تُروى، ولا أسطورة طفل يحلّ مسائل تفوق عمره. كان يمشي في العالم كما يمشي الأطفال: بلا وعي بما ينتظره، وبلا شكّ في أن هذا العالم سيفسح له مكانًا يومًا ما.
إلى أن وقعت بين يديه، مصادفةً لا تبدو عظيمة في حينها، نسخة من كتاب عناصر الهندسة لأدريان ماري ليجندر.
ذلك الكتاب لم يكن مجرّد مدخل إلى الرياضيات. كان بوابة خروج.
قرأه كما يقرأ الآخرون قصص المغامرات، لكن المغامرة هنا لم تكن في الأحداث، بل في البنية. لم يكن يتابع نتائج، بل يرى نظامًا يتكشّف أمامه ببطء، كأن أحدهم يزيح ستارة عن عالمٍ كان موجودًا طوال الوقت، لكنه محجوب. ولم يقرأه فقط. لقد دخل في حوارٍ معه.
بين سطور ليجندر، لم يرَ معلّمًا يشرح، بل عقلًا يكلّمه. حوارٌ صامت بين عقلين يفصل بينهما الزمن، لكن يجمعهما شيء أعمق: الإيمان بأن الكون يمكن أن يُفهم، إذا نُظر إليه من الزاوية الصحيحة.
منذ تلك اللحظة، بدأ غالوا بالانفصال عن عالمه دون أن يشعر. لم يعد الواقع اليومي — السياسة، المدرسة، الامتحانات، العلاقات — هو مركز ثقله. الرياضيات لم تكن مادة دراسية، بل منفى طوعيًّا. مكانًا نقيًا، لا يساوم، لا يكذب، ولا يطلب الإذعان. عالمًا لا قيمة فيه للسلطة، بل للاتساق.
وهنا، دون دراما ظاهرة، بدأت المأساة.
⸻
وهنا تكمن المأساة الأولى: المؤسسة.
حين حاول دخول الإيكول بوليتكنيك، لم يكن يحاول الالتحاق بمدرسة، بل كان يبحث عن فضاء يليق بما رآه. مرتين حاول. ومرتين اصطدم بجدارٍ لم يُبنَ ليمنع الجهل، بل ليمنع الاختلاف.
في المحاولة الثانية، تجسّد الرفض في مشهدٍ صار لاحقًا أسطوريًا. في الامتحان الشفهي، طُلب منه شرح نظرية اللوغاريتمات. بدأ غالوا الشرح… من حيث يرى أن الفهم يجب أن يبدأ.
من المبادئ. من الأساس الذي يجعل النظرية ضرورة، لا وصفة محفوظة.
كان يشرح كما لو أنه يُعيد بناء الفكرة من الصفر، لا ليستعرض ذكاءه، بل لأنه لا يعرف طريقًا آخر للفهم. لكن هذا بالضبط هو ما أثار حنق الممتحِن. لم يكن يريد فكرًا. كان يريد إجراءً مألوفًا.
قاطعه. طلب منه الالتزام بالطريقة “المقرَّرة”. طريقة لا تُظهر لماذا تعمل النظرية، بل فقط كيف نستخدمها.
حاول غالوا أن يشرح — لا أن يجادل — أن ما يفعله هو الأصل، وأن المقرّر ليس سوى حالة خاصّة، تطبيق جزئي على فكرة أعمق. لكن الحوار لم يكن ممكنًا.
انتهى الأمر بصرخة: «أنت غير مهيّأ!»
تلك الجملة لم تكن تقييمًا. كانت حكمًا.
الحقيقة التي لم تُقَل كانت أبسط وأقسى: النظام التعليمي ليس مصمَّمًا لاكتشاف العقول التي ترى البنية، بل لتكافئ من يحفظ الطريق المرسوم. العبقري الذي لا يستطيع — أو لا يريد — أن يختزل فكرته إلى قالبٍ مريح لذهنٍ متوسط، يتحوّل من قيمة محتملة إلى خطر إداري.
لم يُرفض غالوا لأنه لا يفهم. رُفض لأنه يفهم أكثر مما ينبغي. كانت الحقيقة عارية: النظام التعليمي ليس مصمَّمًا لاكتشاف العباقرة، بل لإنتاج موظفين أكفاء.
العبقري الذي لا يستطيع أن يشرح فكرته بطريقة يفهمها متوسطو الذكاء، هو مشكلة مزعجة يجب التخلص منها.
---
هرب من سجن المدرسة، ليكتشف — متأخرًا — أن الوطن نفسه سجنٌ أوسع، أكثر تعقيدًا، وأشدّ قسوة. كان يظن أن الخروج من قاعات الامتحان هو نهاية القمع، فإذا به بداية احتكاك مباشر مع سلطةٍ أكبر، لا تُقيّمك بدرجات، بل تُراقبك بوصفك خطرًا محتملًا.
فرنسا، التي رفعت راية الحرية والمساواة، كانت في تلك السنوات تعيش تناقضها العميق. الثورة انتهت، لكن روحها لم تُحسم. والبلد الذي أطاح بالملوك لم يكن قد تعلّم بعد كيف يحتمل مواطنًا يأخذ شعاراته على محمل الجد، لا بوصفها تاريخًا، بل بوصفها التزامًا حيًّا.
بالنسبة لغالوا، لم تكن السياسة خيارًا إضافيًا، ولا مسارًا بديلًا بعد الفشل الأكاديمي. كانت امتدادًا طبيعيًا لطريقة تفكيره. العقل الذي لا يقبل المسلّمات في الرياضيات، لا يستطيع أن يبتلعها في الحكم. العقل الذي يبحث عن البنية العميقة للمعادلة، لا يطمئن إلى سلطةٍ لا تستطيع تبرير ذاتها إلا بالقوة.
انغمس في السياسة الجمهورية المتطرّفة لا لأنه كان يحلم بالسلطة، بل لأنه كان يطلب الاتساق. كان يرى في الملكية خللًا بنيويًا، لا مجرد ظلم عابر. وكان يرى في التراتبية الاجتماعية معادلة فاسدة، لا تُصلَح بالترقيع، بل بإعادة الصياغة من الأساس.
كتب. خطب. صرخ.
ليس بدافع الخطابة، بل كما يصرخ عقلٌ محاصر حين يرى خطأً فادحًا ولا يستطيع الصمت. كان يتعامل مع الكلمات كما يتعامل مع الرموز الرياضية: أدوات حادّة، يجب أن تُستخدم حتى النهاية، لا حتى المقبول اجتماعيًا.
كان الاعتقال نتيجة طبيعية. ثم اعتقال آخر. ثم آخر.
الدولة لا تحب من يُكثر من الاتساق.
في سجن سانت بيلاج، وجد نفسه محاطًا بطبقاتٍ مختلفة من الهزيمة الإنسانية. ثوار سابقون لم يعودوا يعرفون ماذا يفعلون بأحلامهم. شبّان اندفعوا نحو السياسة قبل أن يفهموا قسوتها. ومجرمون عاديون لم يكن لهم من الثورة سوى أنها عبرت حياتهم بالخطأ.
الزنازين ضيّقة. الهواء ثقيل. الحديد بارد حتى في الصيف. الأصوات لا تصل كاملة، بل مشوّهة، كما لو أن الجدران تتدخّل حتى في الكلام.
كل ما في المكان كان يفترض أن يُقلّص الإنسان، أن يُفرغه، أن يُعيده إلى حجمه “المسموح”.
لكن مع غالوا، حدث العكس.
بين تلك الجدران، كان عقله يتكثّف. لم تكن القضبان تحاصره، بل تضغطه. وكما تفعل الكربنة بالفحم، كان السجن يحوّل أفكاره إلى شيء أصلب، أنقى، وأكثر حدّة. لم يعد يفكّر فقط في المسائل، بل في لماذا تُرفض المسائل أصلًا. لم يعد يسأل عن الحل، بل عن شروط السماح بالحل.
هناك، كتب بعضًا من أعمق أوراقه. ليس رغم السجن، بل بسببه.
السجن نزَع عنه آخر أوهامه: وهم أن المشكلة فردية، أو ظرفية، أو سوء تفاهم. صار يرى بوضوحٍ قاسٍ أنه يخوض معركتين متوازيتين، لكنهما في الجوهر واحدة:
معركة ضد استبداد العرش، ومعركة ضد استبداد الأكاديمية.
سلطتان تختلفان في اللغة، لكنهما تتشابهان في الخوف. الخوف من الفرد الذي لا يكتفي بالتلقّي. الخوف من العقل الذي لا يطلب الإذن. الخوف من إنسان لا يكتفي بأن يكون ذكيًا، بل يصرّ على أن يكون حرًّا في فهمه.
غالوا لم يكن سياسيًا تقليديًا. كان عبقريًا اكتشف أن الخلل الذي يراه في المعادلات هو نفسه الخلل الذي يحكم المجتمع. ولهذا، لم يكن السجن عنده انكسارًا، بل لحظة وضوحٍ نهائي.
⸻
في هذه اللحظة، يتلاشى الوصف السياسي الضيّق ويسقط أي توصيف سطحي. غالوا ليس معارضًا، ولا ثائرًا، ولا حالة شبابية متهوّرة. إنه عقلٌ اصطدم مباشرةً بالبنية العميقة للعالم: بالطريقة التي تُدار بها المعرفة، وبالطريقة التي تُشرعن بها السلطة نفسها، وبالطريقة التي يعاقب بها المجتمع من يرفض التكيّف، وبالزمن ذاته، حين يتحوّل إلى سلاحٍ ضد كل يحاول أن يسبقه. بل يتكشّف كعقلٍ وحيد وجد نفسه في مواجهة آلة كاملة: آلة المعرفة حين تتحوّل إلى إجراء، وآلة السلطة حين تتنكّر باسم النظام، وآلة المجتمع حين يخاف من المختلف، وزمنٍ بطيء لا يعرف كيف يتعامل مع من يركض نحوه.
⸻
ثم جاءت الليلة الأخيرة.
لم تأتِ هكذا فجأة، أنها ليست ليلة عادية يمكن أن يختبئ فيها الشك. لم يكن هناك “ربما”. لم يكن هناك متّسع للوهم. المبارزة لم تعد احتمالًا، بل موعدًا ثابتًا، مسطّرًا في الغد، كما تُسطَّر نهاية مسألة لم يُسمح بحلّها.
غالوا كان يعرف. يعرف معرفة باردة، قاطعة، لا تترك مجالًا للتأويل: لن يرى صباحًا آخر. وأن كل فكرة لا تخرج من رأسه الآن، ستُدفن معه إلى الأبد. . كانت قد بدأت قبل ذلك بوقت طويل، منذ اللحظة التي تراكَم فيها الغضب دون مخرج، وتحوّل الاتساق إلى عبء، والصدق إلى عزلة. المبارزة، في جوهرها، لم تكن قرار تلك الليلة، بل خلاصة مسارٍ كامل.
ربما كانت في ظاهرها مسألة شرف، أو نزاعًا عاطفيًا، أو اندفاع شابٍ لم يُحسن التراجع. لكن غالوا لم يكن يعيش حياته على سطح الأشياء. كان يعيش في العمق، حيث تتشابك الإهانة مع الإقصاء، والتعب مع الغضب، والكرامة مع العناد.
وربما — وهذا الاحتمال الأشدّ قسوة — أن المبارزة كانت اللحظة الوحيدة التي شعر فيها بأن القواعد أخيرًا واضحة. لا لجان. لا ممتحنين. لا مؤسسات ترفض دون أن تفهم.
قانون واحد. نهاية واحدة. ومعادلة لا تحتمل التأجيل.
في تلك الليلة، لم يكن هناك شك يمكن أن يختبئ فيه. لم يكن هناك “ربما”. لم يكن هناك متّسع للوهم.
المبارزة لم تعد احتمالًا، بل موعدًا ثابتًا، مسطّرًا في الغد، كما تُسطَّر نهاية مسألة لم يُسمح بحلّها.
غالوا كان يعرف. يعرف معرفة باردة، قاطعة، لا تترك مجالًا للتأويل: لن يرى صباحًا آخر. وأن كل فكرة لا تخرج من رأسه الآن، ستُدفن معه إلى الأبد.
وهنا، وللمرة الأولى، لم يكن الصراع مع مؤسسة، ولا مع دولة، ولا مع امتحان.
كان الصراع مع الزمن نفسه.
ماذا يفعل إنسان في العشرين، حين يُقال له فجأة إن المستقبل أُغلق؟ لا بعد سنوات. لا بعد عمر. بل غدًا.
هل ينام ليؤجّل الرعب؟ هل يبكي ليمنح الخسارة اسمًا؟ هل يصلّي، لا إيمانًا، بل طلبًا لتأجيلٍ مستحيل؟
لا.
لم يفعل شيئًا مما يُفترض أن يفعله البشر حين يقتربون من نهايتهم. فعل ما يفعله العقل حين يرفض أن يُمحى.
جلس إلى الطاولة. ليس جلسة هادئة، بل جلوس من يعرف أن الكرسي قد يكون آخر ما يلمسه طويلًا. أمسك بالقلم كما يُمسك الغريق بخشبة، لا ليطفو، بل ليترك أثرًا على سطح الماء.
وبدأ يكتب.
لم يكن يكتب بهدوء عالمٍ يُنقّح أفكاره، بل بعنف كائنٍ يطارده الفراغ من كل الجهات. الأفكار لا تأتي بترتيب. السطور لا تنتظر. حتى المنطق — الذي طالما كان ملاذه — تنازل عن أناقته لصالح السرعة.
الصفحات تتكدّس. الهوامش تختفي. الجمل تُلقى كما هي، بلا حماية، بلا شرح، بلا اعتذار.
لم يكن هناك وقت للتجميل. ولا وقت للإقناع. ولا وقت لأن يكون مفهومًا.
كان هناك فقط وقت لأن يقول ما رآه.
في تلك الليلة، لم يكن يكتب ليُدرَّس. كان يكتب كي لا يُمحى.
وفي رسالته إلى صديقه أوغست شوفالييه، خرجت الجملة لا كعبارة، بل كصرخة مكتوبة:
«ليس لدي وقت» Je n’ai pas le temps.
لم تكن هذه جملة رجل ينتظر الموت. كانت جملة عقلٍ يُدرك، متأخرًا، أن العالم لم يمنحه فرصة أن يشرح نفسه.
العالم لم يعطه وقتًا. المؤسسة استهلكته في الرفض. السياسة بدّدته في الصراع. والآن، الرصاصة ستفعل ما لم تستطع كل السلطات فعله: ستُسكت العقل إلى الأبد.
لذلك، لم يشرح. لم يبرّر. لم يحاول أن يكون مقبولًا.
كتب، وكأنه يرمي أفكاره في الظلام، لا وهو واثق أنها ستُلتقط، بل وهو راضٍ بأنها وُجدت.
كأنما قال للعالم، لا بمرارة، بل بصفاءٍ قاسٍ: هذه هي الحقيقة كما رأيتها. عارية. غير مشروحة. غير مضمونة القبول.
افهموها إن شئتم. وإن لم تفعلوا… فقد فعلت ما أستطيع.
---
ما كتبه غالوا في تلك الليلة لم يكن حلًّا لمسألة عالقة في كتاب. لم يكن “إجابة صحيحة” تُضاف إلى أرشيف الرياضيات. كان تحوّلًا في زاوية النظر نفسها.
الرياضيات، قبل غالوا، كانت تتعامل مع المعادلات كما يتعامل المرء مع أقفال: جرّب مفتاحًا، ثم آخر، ثم ثالثًا. وإذا فشل الجميع، قيل إن القفل “مستحيل الفتح”.
لكن غالوا طرح سؤالًا مختلفًا تمامًا — سؤالًا لم يكن مطروحًا أصلًا: لماذا نصرّ على فتح القفل، قبل أن نفهم كيف صُنع؟
سؤاله لم يكن: كيف نحل هذه المعادلة؟ بل: ما الذي يجعل بعض المعادلات قابلة للحل، وأخرى عصية عليه؟
بهذا السؤال، خرج من منطق الحلول، ودخل إلى منطق البُنى.
بدأ ينظر إلى المعادلات لا كسطور من رموز، بل ككائنات لها سلوك داخلي. لاحظ أن بعض التحويلات — تبديل الجذور، إعادة ترتيب العلاقات — تُغيّر الشكل دون أن تمسّ الجوهر. كما لو أن المعادلة تمتلك تناظرًا خفيًا، نظامًا داخليًا يحكم ما يمكن فعله بها، وما لا يمكن.
هنا حدث الانقلاب الحقيقي.
غالوا لم يحاول أن يُجبر المعادلة على أن تُعطيه حلًّا، بل سألها عمّا تسمح به بنيتها نفسها. اكتشف أن العجز عن الحل ليس فشلًا تقنيًا، بل نتيجة منطقية لتركيب داخلي معيّن.
بمعنى آخر: بعض الأبواب ليست مغلقة لأننا لا نملك المفتاح، بل لأنها لم تُصمَّم لتُفتح أصلًا.
هذا الفهم كان صادمًا. لأنه نقل الرياضيات من البحث عن الإجابة، إلى فهم شروط الإمكان.
وهنا فقط، وُلد ما سيُعرف لاحقًا بنظرية الزمر. لكن في تلك الليلة، لم تكن “نظرية” بعد. كانت رؤية خامّة، شديدة الجرأة، تضع يدها على القانون الذي يحكم اللعبة كلها.
لهذا، فإن العبارة الأبسط — والأصدق — هي: غالوا لم يحلّ اللغز. غالوا اكتشف قانون الألغاز.
ما كتبه لم يكن مخصصًا لعصره. كان أكبر من اللغة الرياضية المتاحة آنذاك. ولهذا بدا غامضًا، غير مكتمل، عصيّ الفهم حتى على أفضل معاصريه.
لكن الزمن، الذي خانه في حياته، أنصف فكرته بعد موته.
أصبحت تلك الرؤية حجر أساس لفرع كامل من الرياضيات الحديثة، وتسللت — دون أن يشعر مستخدموها — إلى وصف بنية الجسيمات في الفيزياء، وإلى أنظمة التشفير التي تحمي رسائلنا وبياناتنا اليوم.
غالوا لم يترك لنا حلًّا لمسألة. ترك لنا طريقة جديدة لطرح الأسئلة.
بمعنى آخر: هو لم يحل اللغز، بل اكتشف قانون اللغز.
كان عمله هو الأساس لنظرية الزمر، التي صارت أحد أركان الرياضيات الحديثة، وتسللت إلى فيزياء الجسيمات وخوارزميات تشفير بيانات هاتفك الذكي. مات ليفتح بابًا لم يكن معاصروه يعرفون حتى أنه موجود.
---
وفي الصباح، جاء الموعد.
لم يكن صباحًا بطوليًا، ولا مشرقًا كما تحب الأساطير أن تتخيله. كان صباحًا باهتًا، باردًا، يشبه كل الصباحات التي لا تعد بشيء. الضباب لم يكن قد انقشع بعد، وكأن المكان نفسه يرفض أن يرى ما سيحدث.
ذهب غالوا إلى المبارزة دون كلمات زائدة. لا خطب. لا تردّد. لا محاولة أخيرة للنجاة.
وقف في الموضع المحدّد، على مسافة محسوبة، كما لو أنه يدخل معادلة أخيرة بشروط واضحة. مسدسان. إشارة. خطوة إلى الأمام.
ثم الصوت.
الرصاصة لم تكن فورية القتل. لم تمنحه حتى رحمة السرعة.
أصابته في بطنه.
سقط. لا سقوطًا دراميًا، بل انهيار جسدٍ لم يعد يحمل ما يحمله عقله. الدم بدأ يتسرّب ببطء، دافئًا، ثقيلًا، كأنه الزمن نفسه وهو ينسحب منه قطرةً قطرة.
وتركوه.
لم يكن هناك طبيب. لم يكن هناك إسعاف. لم يكن هناك استعجال.
ساعات طويلة قضاها في العراء، بين الوعي والغيبوبة، بين الألم والتفكير، بين الحياة التي لم تُنجز والموت الذي جاء مبكرًا أكثر مما ينبغي. الأرض كانت باردة. والسماء صامتة. والعالم — كما كان دائمًا — غير معنيّ.
في تلك الساعات، لم يكن غالوا يفكّر في المبارزة. ولا في خصمه. ولا في السياسة.
كان يفكّر في كل ما لم يُقَل. في كل ما لم يُفهم. في كل فكرة كتبها وهو يعرف أنها ستصل متأخرة.
التقطه مزارع بالصدفة. لا بطلاً، لا شاهدًا تاريخيًا، بل إنسانًا عاديًا صادف جسدًا ينزف. نقله إلى المستشفى، حيث لا مجد، ولا خلاص، بل فقط انتظار بطيء لنهاية محسومة.
مات في اليوم التالي.
وحين عُرض عليه أن يرى كاهنًا، رفض. ليس عنادًا، ولا تحدّيًا، بل اتساقًا أخيرًا. لم يكن يبحث عن غفران. كان يعرف أنه لم يخن فكرته.
وقبل أن يُسلِم جسده أخيرًا، قال لأخيه ألفريد كلمته الأخيرة، لا بصوت خطيب، بل بوضوحٍ يكسر القلب:
«لا تبكِ، أحتاج كل شجاعتي لأموت في العشرين.»
لم تكن هذه شجاعة الموت. كانت شجاعة القبول بأن الحياة لم تمنحه الوقت الكافي، وأنه، رغم ذلك، قال ما يستطيع قوله.
---
هنا، فقط، يتكشّف الدرس الأبدي من قصة غالوا.
العقل البشري ليس نتاج زمانه بالكامل، كما نحب أن نصدّق. هناك أفراد يولدون بعطبٍ زمنيّ لا يُرى، كأن ساعةً خفيّة داخل أدمغتهم تسير على إيقاع آخر. هؤلاء لا ينتمون إلى لحظتهم تمامًا؛ يرون قبل أن تُسمّى الأشياء، ويفهمون قبل أن تُصاغ اللغة، ويصلون إلى النتائج قبل أن يكون العالم مستعدًا لطرح الأسئلة.
هم ليسوا “أذكى” فحسب، بل أسبق. والسبق، في عالمٍ بطيء، تهمة.
المجتمع، بأجهزته الأمنية والسياسية من جهة، وبمؤسساته المعرفية والأكاديمية من جهة أخرى، مُهيّأ لاستيعاب الماضي، وتنظيم الحاضر، لكنه عاجز — في الغالب — عن استقبال المستقبل حين يأتي متجسّدًا في إنسان.
لذلك، حين يظهر من يحمل المستقبل في رأسه، تتعامل معه المؤسسة كتهديد يجب احتواؤه أو تحييده، وتتعامل معه الجماهير كغرابةٍ تُقابَل بالسخرية أو الريبة أو الرفض.
ليس لأن الجميع أشرار، بل لأن المستقبل، حين يأتي مبكرًا، يُربك البُنى القائمة، ويفضح هشاشتها، ويطالبها بما لا تريد تقديمه: أن تُعيد التفكير في ذاتها.
غالوا لم يُقتل لأنه فشل. هذه رواية مريحة… لكنها كاذبة.
قُتل لأنه نجح نجاحًا ساحقًا في مهمته الوحيدة: أن يفهم.
كان فهمه عميقًا، سريعًا، وغير قابل للتدجين. فهمٌ سبق اللغة، وسبق المناهج، وسبق استعداد العالم نفسه. وحين عجز المحيط عنه عن اللحاق به، لم يجد وسيلة للردّ سوى أقدم ردود الفعل البشرية تجاه ما لا يُفهَم: الإقصاء… ثم الصمت… ثم الرصاصة.
⸻
قبر غالوا، الضائع في مقبرة عادية بلا شاهدٍ يليق به، لا يحمل إجابة، بل يطرح سؤالًا يتجدّد في كل عصر:
كم “غالوا” بيننا اليوم؟ كم عقلٍ يُسحق ببطء تحت عجلات المؤسسة، تحت السخرية، تحت الامتحانات، تحت البيروقراطية، تحت الخوف من المختلف؟
كم فكرة ماتت قبل أن تولد، لا لأنها خاطئة، بل لأن صاحبها لم يكن أنيقًا بما يكفي، أو لم يتكلم اللغة المقبولة، أو لم يسلك الطريق المقرّر، أو تجرّأ — وهذا ذنبه الأكبر — على أن يطلب منّا أن نفكّر؟
قصة غالوا لا تنتهي عند موته. إنها تتكرّر، كلّما فضّل العالم راحته على الإصغاء لمن يرى أبعد منه.
والسؤال الذي يتركه لنا، بلا عزاء ولا خاتمة مريحة، هو: هل سنواصل إطلاق الرصاص على المستقبل… أم سنتعلّم، يومًا ما، كيف نُصغي قبل فوات الأوان؟
الرصاصة التي قتلته لم تُطلقها يد خصمه وحدها، بل أطلقها عالمٌ عجز عن الفهم، فاختار الإقصاء.
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحياة كفعل مقاومة: روث كيئيليكولاني، أميرة هاواي التي رفضت
...
-
عُمَر بن سعيد: سيرةُ عالمٍ مسلمٍ كُسِرَت قيوده الجغرافية ولم
...
-
نحو حلف إستراتيجي إقليمي: خياراتنا، مصيرنا، ومستقبل الشرق ال
...
-
على حافة الزلزال الكبير: هل نحن أمام لحظة كسر النظام الإيران
...
-
سون تزو: كيف أُفرغ علم تجنّب الحرب من معناه؟
-
الوقوف الذي لا ينتهي: حين تتحوّل مدرّجات كرة القدم إلى نصبٍ
...
-
قصة لوحة تيموكليا ورمز الكبرياء النسوي في فن إليزابيت سيراني
-
من الإرث إلى الاختيار: حين يصبح القلق طريقًا… لا عيبًا
-
ومضات من فن رافائيل سانزيو الرسّام والمعماري الإيطالي
-
عام 2025: عام حزين آخر يرحل تاركا العالم على عتبة التحوّل ال
...
-
ومضات من حياة حنّة آرنت: رحلة نجاة من النازيه حتى انقاذ التف
...
-
مجتمع الغربان: بين شريعة الكل وإخفاق الفرد
-
الحياة ضمن القطيع: ضرورة اجتماعية أم شعور زائف بالأمان؟
-
الخلل في التفكير: بين ضرورة الأولويات ورفاهية الكماليات
-
نبوخذنصر الثاني: -الفصل التاسع والأخير- سيرة ملك بين الطين ا
...
-
نبوخذنصر الثاني: -الفصل الثامن- سيرة ملك بين الطين البابلي و
...
-
نبوخذنصر الثاني: -الفصل السابع- سيرة ملك بين الطين البابلي و
...
-
نبوخذنصر الثاني: -الفصل الخامس- سيرة ملك بين الطين البابلي و
...
-
نبوخذنصر الثاني: -الفصل السادس- سيرة ملك بين الطين البابلي و
...
-
نبوخذنصر الثاني: -الفصل الثالث- سيرة ملك بين الطين البابلي و
...
المزيد.....
-
هل ستنسحب أمريكا من حلف الناتو إذا لم يساعدها في ضم غرينلاند
...
-
متظاهر يرتدي زيًا تنكريًا يرقص أمام مبنى حكومي أمريكي قبل إس
...
-
تراجع -قسد- وسط تقدم القوات الحكومية في شمالي سوريا
-
عائلات شلال العوجا بين الرحيل والبقاء في ظل اعتداءات المستوط
...
-
الجيش السوري يعلن غرب الفرات -منطقة عسكرية مغلقة- بعد سيطرته
...
-
تتحقق: إشعال نساء للسجائر من صورة خامنئي.. فيديوهات من داخل
...
-
فرنسا: مظاهرات في باريس دعما للاحتجاجات في إيران
-
الرئيس المصري يؤكد -ثوابت- بلاده بشأن سدّ النهضة ويثمّن عرض
...
-
هكذا تُدار إيران سياسيا في زمن -لا صلح ولا حرب-
-
تعرف على أهم بنود المرسوم الرئاسي السوري الخاص بحقوق الأكراد
...
المزيد.....
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
-
المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين
...
/ أمين أحمد ثابت
-
في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي
/ د. خالد زغريت
-
الحفر على أمواج العاصي
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|